جريمة حصار المعرفة – كاظم المقدادي

629

جريمة حصار المعرفة – كاظم المقدادي

قد تكون من حسنات التغيير الذي حصل  في العراق ، هو الافادة والتمتع  بكشوفات وانجازات تكنولوجيا  الاتصال واستخداماته ..على الرغم من المخاطر  التي تحيط بالنشئ الجديد ،  والخشية على تهالك التقاليد الاجتماعية  المتجذرة ، بسبب الاستخدام المفرط للشبكة الالكترونية  وعدم معرفة اليات وحدود ، وطبيعة الحريات .. وهذا ناتج عن جهل مطبق بنظريات الاتصال وبالاستخدام المعرفي للحواسيب

كونها تمثل حالة جديدة تُمارس من قبل فئات متنافرة .. وسط بيئة اجتماعية عراقية لم تكن مهيأة لمثل هذا العطش الالكتروني لكل ما هو جديد. لكن ..وكما يبدو  ومن خلال قراءاتنا للمشروع المطروح للتصويت عليه في مجلس النواب .. نجد ان هناك رغبة جامحة للعودة الى أساليب الأنظمة الدكتاتورية ، التي تكبل  حرية التعبير ، وحرية النشر التي كفلتها المادة (38) من الدستور العراقي بحجة الاستخدام غير المشروع للشبكة الالكترونية .

الغريب ان بعض العقوبات التي تضمنتها المواد والفقرات .. تقود الى السجن المؤبد ، والى غرامة تصل الى خمسين مليون دينار عراقي .. بحجة الاساءة الى الرموز الدينية والوطنية ، في حين ان ظواهر  الابتزاز الالكتروني ، والجريمة الالكترونية ، والقذف والتشهير ، واستخدام  الصور والاسماء الوهمية وغيرها ..أشد خطرا وضراوة من التعرض الى رموز المشهد السياسي والديني .

ان بعض  الاجراءات التعسفية التي يحتويها مشروع القانون ، تفضح النيات المبيته التي تريد تكميم الافواه ، والتلويح  بمصادرة الحريات العامة ، والاستخفاف بالحريات الشخصية ، وزرع الرعب في صفوف الذين يستخدمون الاجهزة الالكترونية من حاسوب ، وهاتف جوال ، وبقية الاستخدامات الالكترونية الحديثة  .. وجعلهم تحت مطرقة المراقبة ، والمحاسبة ، والتهديد بتقديمهم الى المحاكم الجنائية .

لقد جاء في ديباجة مشروع  الجرائم الالكترونية .. / انه يهدف الى توفير الحماية القانونية للاستخدام المشروع للحاسوب والشبكة الالكترونية .. لكن عند قراءتنا لجميع المواد والفقرات / نرى ان القانون لا يميز كثيرا ، بين الاستخدام المشروع  واللامشروع .. فتصبح الاستخدامات كلها غير مشروعة ، بنظر المشرع القانوني .. وهنا تكمن المخاطر التي ستظهر  في حالة تطبيق القانون .

ويظهر لنا  ايضا ..ان معظم الاستخدامات التي لها  علاقة بحرية النقد لقضايا الفساد والانحرافات السياسية والاجتماعية و استخدام المال العام بشكل غير قانوني .. هي المقصودة اصلا ، وكأن القانون جاء ليحمي الطبقات والاحزاب والشخصيات الفاسدة ، و يتجاهل اهمية وابعاد الاستخدام السياسي للشبكة الالكترونية ، وضرورات وجود النقد والتحليل والتعليق لما يجري في دهاليز السياسة .

وَمِمَّا تقدم ..  يصبح  قانون جرائم المعلوماتية حمال أوجه .. يمكن تفسيره بالشكل الذي يخدم توجهات السلطة السياسية، على حساب الحريات الشخصية ، التي ستكون  مكبلة ومقيدة بمواد قانونية ما انزل الله بها من سلطان وهي التي تتعارض اصلا مع قوانين الحريات العامة .

الثابت.. ان معظم المسؤولين في العراق ..ونتيجة لتفشي حالات الفساد .. وكثرة التهم التي طالت كبارهم ، و زعماءهم وتنظيماتهم  .. كانت سببا  لتحجيم استخدامات الشبكة الالكترونية ،  وجعل قوانينها  تخدم رموز السلطة على حساب حرية الفرد ، و حرية النقد ، وحرية التعبير  .. والحريات بكل الوانها وأشكالها. .

مشاركة