جريدة البدائع من التراث الصحفي الهزلي البغدادي

489

جريدة البدائع من التراث الصحفي الهزلي البغدادي

 طارق حرب

شهدت بغداد سنة 1923 م صدور عدد من الجرائد والمجلات منها جرائد بابل  والبدائع وجحا الرومي وشط العرب والعراق المسائي والغربال ومجلات ليلى والخزانه والحقوق اذ من البديهيات والمشهورات في الجرائد بشكل عام وجرائد تلك الفترة في بغداد خاصة أن تكون للسخريه والفكاهة والهزل والظرف والازدراء الذي يجلب الضحك والابتسام باب من الابواب في كل جريدة بحيث لا يمكن لأية جريدة الاستغناء عن هذه المسائل لا بل كثرت الجرائد المتخصصة بهذه المسائل بحيث يكون عرض جميع المسائل الاجتماعية والسياسية والدينية والاخلاقية والعادات والاداريات والمواضيع الحكومة بأسلوب هزلي ضاحك وهي تحمل في طياتها النقد لكل ما تقدم ومن هذا الضرب من الجرائد جريدة البدائع.

جريدة العجائب

واذا كنا نتعجب من اسم هذه الجريدة وهو البدائع الذي يماثل الروائع دون أن يكون اسم هذه الجريدة العجائب أو للغرائب اذ لا يستقيم اسم الجريدة مع مهمتها الهزلية الناقدة اللهم الا اذا كان صاحبها يقصد بأن ما يقدم في الجريدة من البدائع ولكن ذلك تفسيراً بعيدا لذا أهتمت هذه الجريدة بالمواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكانت تهاجم الاوضاع السلبية في المجتمع وتدعو الى محاربة السلوك المنحرف الذي درج عليه البعض واخذت على نفسها أن تكون عيناً ترصد الظواهر الاجتماعية فنراها تارة تذهب الى مقاهي القمار وأخرى رقيباً على العمل البلدي وفي كل ما تنشره وتقدمه للقارئ النصائح والتوصيات والارشادات بما تراه يمكن أن يكون دواء للعلل الاجتماعية  منها كثرة ارتياد دور الغانيات والراقصات والملاهي ومجالسة أصدقاء ما يسمى بالسوء ولم تعتزل هذه الجريدة المواضيع الثقافية والمعرفية والعلمية والادبية اذ غالباً ما تنشر القصص المحلية والاجنبية بعد ترجمتها كما ان الكثير من الشعر يكــــــــون بضاعة لهذه الجريدة عنوان هذه الجريدة أدبية اجتماعية فكاهية صدرت في 1923/9/30 في بغداد وكان صاحبها داود العجيل وتصدر مرتين في الاسبوع أي لا هي بالجريدة اليومية ولا هي بالجريدة الاسبوعية وبأربع صفحات وحددت أفتتاحيتها الاولى اسباب اصدارها فقالت: ان الفراغ الواقع اليوم في صحافتنا بخلوها من صحيفة هزلية راقية تنتقد العادات وتهذب النفوس وتزيل الهموم والكروب بلباقه ورشاقة في التفكة والتسلية دفعنا الى انشاء هذه الصحيفة التي نقدمها بين أيدي القراء الكرام وستكون عاملاً قوياً في تغيير العقيدة السائده بأن الجرائد الهزليه ليست الا وسيله لنهش الاعراض وهتك الحرمات ونبش الدفائن وايغار الصدور ومن هذه المقالة نحدد مسلك هذه الجريدة وسبيلها ومقصدها وهدفها وخاصة من اللوم في بعض الجرائد البغداديه الساخره التي كانت وسيلة لنهش الاعراض كما تقول المقالة الافتتاحية ويصف جريدته بأنها هزلية راقية وكأن هنالك هزل راقي وهزل وضيع وما نعلم ما هو الفرق بينهما وعرج على العادات فوصف جريدته بأنها ستنتقد العادات هكذا بشكل مطلق شامل لا يفرق بين العادات الحسنة والعادات القبيحة التي ستكون موضعاً للنقد ويذهب المقال الافتتاحي الى أكثر من ذلك عندما يقول ان الجريدة ستكون عاملا قوياً في تغيير العقيدة ولا نعلم هل ان العقيدة مقصـــــــود بها الديـــــــنية أم الاخلاقية أم الاجتماعية وفي جميع الاحوال يبدو ان المقالة الافتتاحية دللت عــــلى بساطة وتواضع مفهوم وثقافة العاملين بهذه الجريدة. وفي تحديد خطة الجريدة نرى العدد الاول يقول بأنهم في الجريدة سينشرون كل ما يفيد ويسلي ويهذب وينشط وسوف لن يكتفى بنشر ما تجود به قرائح كتاب الجريده والفضلاء في المواضيع الهزلية وانما ذكر  بأنهم في الجريدة سوف يقتبسون كل ما رق من اللطائف والانتقادات الدقيقة المغزى التي تنشرها الصحف الهزلية المعروفة في عالم الصحافة العربية اذا كان لا يمس الاخلاق بل الذي سيكون مدعاة لتوطيد دعائم الاخلاق وتثبيت أركانها وترسيخ بنيانها وسوف تصدر الجريدة لاحقاً برسوم كارتونية هزلية بديعة مضحكة ذات مغاز أدبية ونكت نادرة وفكاهات رقيقه نداعب بها الجماعات والافراد مع ملاحظة اننا استبدلنا الكثير من الكلمات والعبارات التي وردت بالجريدة كي تستقيم مع مستلزمات اللغة والكتابة اذ صحيح انها هزلية ولكن روح السخرية والضحك تبدأ من العدد الاول الذي كان من اللازم أن يتم الاعتناء به لغويا وواقعياً. ونظراً لكثرة صدور أوامر بتعطل الجريده لمدد مختلفه وبعد آخر تعطيل لها ومعاودة الاصدار نهاية سنة 1925م نجد في افتتاحيتها بالعدد 128 أسباب التعطيل ومعاودة الصدور حيث يقول المقال الافتتاحي(في بلاد كبلادنا حديثه في كل شأن من شؤون الحياة ومرفق من مرافق العمران لا تسلم الحريه الفكرين أحياناً من صدمات تصدمها وعقبات تقف في طريقها وهذه الحريه الفكرية هي المشعل الوضاء الذي تسير على نورة الأمم وتمشي في ضيائه الشعوب …

أقفلت البدائع منذ بضعة أشهر وليست هي بالجريدة الوحيدة التي أقفلت في سبيل الحرية وفي سبيل خدمة الوطنية.

فقد قوبلت بالاغلاق خمس مرات وما زادها ذلك الا ثباتاً في خطتها واستبسالا في خدمة الوطن وانعطافاً على بث مبادئها العالية)  وهذه المساغات التي أوردتها الجريده كــــــــسبب للغلق هي عمومــــيات وليس الاسباب الحقيقية كأن تحدد لنا المقال أو التعليق أو الصورة  وما هو الموضوع ومن المقصود والاشخاص اســـــــباب العلاقة.

ابواب ثابتة

وقد تعددت الابواب الثابتة والزوايا في الجريدة منها سرور وأفراح وآلام وأحزان ولطائف الزمر ومن أبدع البدائع وشيخ (ادعيچ) وأبو الشمقمق وصندوق عجائب الفارس الجوال وغمزات ودغدغات وغيرها وخصصت الجريدة ركناً للاخبار من سفر الشخصيات السياسية وعودتها وتعيين الموظفين ونقلهم ومتابعة جولات بعض ذري الجاه وفكاهات متفرقة ونوادر ساخرة ولكن كل ذلك لم يكن دائمياً ولم يظهر الكارتير الرسم في الجريدة بسبب صعوبات تقنية على ما يبدو وخلت الجريدة من الصور الفوتغرافية وتبقى ميزتها في طغيان روح النقد والسخرية على جميع ما يكتب فيها ولكنها لم تكن بالجريدة المتميزة عن  الجرائد في تلك الفترة ومما أثقل عليها اسلوب اخراجها الذي لا يتناسب مع اخراج الجريدة وكذلك طغيان العامية في لغتها وكثرة توقيع المواضيع بأسماء وهمية مستعارة لكنها تبقى جـــــــزءا من الصحـــــافة الهزلــــــــية البغدادية في العهد الملكي ومن التراث الصحفي البــغدادي.

مشاركة