جدارية بغداد .. العزف المنفرد البعيد

جدارية بغداد

دلال بشار

 

الثانية عشرة بعد منتصف الليل هذا ما كانت تشير إليه عقارب الساعة، في الحقيقة لم يعد يهمني إن كان الوقت ليلا ام نهارا، فكله أصبح عندي واحدا منذ تلك اللحظة، كل الأشياء أصبحت لا شيء لم أعد أهتم بالحياة كالسابق فلا شروق الشمس بات يغريني ولا حتى اكتمال البدر أتصدقون حتى تلك النجمات الصغيرة التي كنت أقضي الليل بطوله وانا مشغولة بحسابها لم تعد تلفت انتباهي كنت دوما أترك كل شيء عندما يطرق الليل ابواب الدنيا لأخرج إلى الطابق العلوي حيث الكرسي ذو الطابع الكلاسيكي ينتظرني، اشتراه لي والدي عندما رأى نظرة الحب على وجهي حين رأيته في محل الأنتيكا، كنت اجلس عليه لساعات في الشرفة وأبدأ بحساب النجوم وأرتبها لربما كان البعض يشك بكمال عقلي ولكن على أية حال لا يوجد شيء كامل كما تعلمون. في تلك الايام البعيدة كانت النجوم أكثر ما يغريني، كنت ممتنة لوجودها وكأنهم كريستالات تزين الفضاء.. وتقلل بشاعة العالم. لربما أطلت الحديث، ولكن هذه طبيعتي أحب الكلام مع الورق على قدر كرهي للكلام مع البشر حيث أعتبره ثرثرة لا معنى لها. الأن دعوني أعرفكم بنفسي ثم نعود لنكمل القصة، في البداية أريد كسر حاجز الخجل المبني بيننا ذلك لأنني منكم كما أنكم مني بالنهاية كلنا إنسان باستثناء البعض!

بغداد، نعم اسمي هو بغداد. الاسم الذي اختارته لي والدتي قبل ولادتي بأعوام حيث حصل خلاف كبير بينها وبين والدي حول الاسم، في البداية لم يكن مقتنعا ببغداد ليكون اسما لي إلا أن والدتي كانت حريصة على الاسم حيث كانت تعتقد بأن لكل إنسان من اسمه نصيب وكانت تريد حسب اعتقادها ان أكون جميلة.. قوية كبغداد. استمر الصراع لمدة لا أعتبرها قليلة حيث ان والدي حفظه الله كان يفضل أن يكون أسمي دجلة تعبيرا عن حبه لهذا النهر..ولكن كما تعلمون كيد النساء عظيم في النهاية ربحت والدتي الصفقة وأقنعت والدي ان بغداد هي التي تحتضن دجلة

الأن دعونا نعود لنكمل القصة التي كنت قد بدأت بها، تلك الحكاية التي أخذت حياتي وجعلت من أيامي حجرا لا ينطق! فاليوم اصبحت كلماتي مطرا يهطل من عالم بعيد إلى عالم أقرب لكم، ربما لن أكتب القصة بتفاصيلها لأن ما أعرفة هو جزء من قصة عشتها ولا أدري إن كان الجزء الأخر يعيش فيني أم أننا نمشي في جزء ثالث لا نهاية له

هنالك أربع فئات من البشر على حسب ما أعتقد، إنسان يعيش الماضي بتفاصيله، ببشاعته وجماله وينغرس فيه ناسيا حاضره والمستقبل، وهنالك إنسان يعيش الحاضر متناسيا كل ما ذهب غير آبه بالقادم، يوجد إنسان يقتل حاضره من اجل صنع مستقبل يليق به كما يعتقد، أما النوع الأخير فهو الذي لا يرضى بالماضي والحاضر ولا حتى المستقبل، بل يعيش في عالم داخل عقله يغزل خيوطه بالشكل الذي يريد محاولا جعله يتماشى مع أفكاره ورغباته.. إذ  أنه لا يرضى بالمتاح لاعتقاده أن الواقع الذي يعيشه واقع مريض لا علاج له سوى الغوص في أعماق الخيال لأجل النجاة منه. في البداية كنت أنتمي للفئة الثانية حيث كنت أعيش اللحظة واستمتع بتفاصيلها بشكل كامل، ولكن مع مرور الوقت وتسارع الحياة وسوء الأحوال أصبحت أنتمي للفئة الرابعة قمت ببناء عالم متكامل في رفوف عقلي بنيت فيه بيوتا ووضعت داخل البيوت بشرا من صنف الإنسان حتى أنني وضعت نجوما في سمائه! يوما بعد يوم بدأت أخرج من واقع سطحي إلى خيال أكثر عمقا وجمالا.. عميق لدرجة أن لا جدار ينهيه ولا حدود تقطع أراضيه

قبل سنوات كنت فتاة عادية كأي فتاة أخرى الفرق الوحيد بيني وبينهن أنني كنت أحب الاطلاع أكثر كما أنني كنت أكره جلسات الحديث الطويلة التي لا معنى لها.. كان يومي يبدأ عند الخامسة صباحا حيث كنت أرغب بالسباق مع الزمن، ولكن لسوء الحظ كان هو السلحفاة بذكائها وكنت انا الأرنب بغبائي! كنت أذهب إلى المطبخ بعد أن أغسل أسناني ووجهي.. ثم أبدأ بتحضير ما أرغب بأكله.. في العادة كنت أضع قطعتين من التوست المحمص وأدهنهم بالمربى أو النوتيلا فأنا لست ممن يفضلون الطعام الصحي.. لا أعتبره أكلا مشبعا. ثم أخذ الصحن وأخرج الى البلكونة حيث الكرسي ينتظرني فهو يعرف عمق الحب الذي يربطني به. أضع أغنية حسب المزاج غالبا تكون لفيروز فهي سيدة الصباح. بعدها أذهب إلى غرفتي لأغير ملابسي وأتوجه إلى الجامعة ودوما أصل متأخرة بسبب الأغاني التي كانت تشغلني والكتاب الذي لا يفارق يدي. في تلك الفترة كما اخبرتكم لم أكن أحب الاختلاط كنت أفضل الانعزال مع كتاب ينسيني ما يحدث من حولي، بعد إنهاء المحاضرات او خلال فترات الاستراحة كنت غالبا أذهب إلى المكتبة كانت ولا تزال جنتي على الأرض حيث كل ما أحلم به أجده بين ثنياتها.. قطعة من الشوكولاتة مع كتاب وعلى الدنيا السلام هذه هي الحياة التي كنت أعيشها وحلمت أن تبقى. بعد عودتي إلى البيت كنت أجلس فورا لتناول الطعام وأحسب الدقائق لأذهب إلى الغرفة حيث لا أجد الراحة إلا بين جدرانها. هكذا كانت حياتي روتين يتكرر ولا ملل من تفاصيله.. كانت الحياة هادئة حتى تلك اللحظة

الكمان والباليه كانا جزءا لا يتجزأ من حياتي حيث كنت اخرج كل يوم بسباق مع دجلة حتى أصل الى ذلك الجسر الذي كان يمثل لوحة للمدينة وما ان أصل حتى أبدأ بالعزف فتتجمع النوارس طربا وتبدأ بالمشاركة والرقص فوق ذلك النهر العظيم.. واذا ما انتهيت من الكمان أبدأ بالرقص وهذا شيء لا يروق للناس كثيرا حيث إننا مجتمع منغلق بعض الشيء على مثل هذه الأمور الخارجة عن المعتاد كما يقولون! لا شيء كان باستطاعته أن يقتل هذا الشغف الذي كنت أعيش حياتي لأجله توالت الايام والسنين وانا أمارس الروتين اليومي المعتاد كان البعض وهم القلة القليلة يأتون كل يوم لمشاهدة العرض الذي كنت أقدمه.. أحيانا نغرق في افكارنا ونرغب بتحويل الواقع خيالا لنرضي رغباتنا ونشبع طموحنا ولا نعلم أن واقعنا مريض عاجز عن حماية إنسان حالم!

عشر سنوات مضت منذ تعلمي العزف والباليه، اليوم أستطيع القول إنني قطعت شوطا كبيرا في هذين المجالين اللذين يجريان نهرا داخل جسدي كجريان دجلة في بغداد. لا زلت أذكر أول يوم عزفت فيه بعيدا عن المعهد الذي كنت أدرس به. الكمان، وذلك الفستان الذي شبهه البعض بفستان سندريلا.. لحظات لا يمكن للعقل أن ينساها كانت حلما أراه حقيقة، ولكن الفرح في واقعنا لا يدوم طويلا فلكل كتاب خاتمة وخاتمة ذلك الحلم كانت أقسى مما يمكن أن يتخيله إنسان

على الأرض تحتي شيء لزج قاتم الاحمرار أصوات تتعالى ما بين لعنات ودموع تشوش النظر حتى بدا كل شيء يدخل ببعضه، أخر ما رأيته الكمان الذي سقط أرضا فوق الجسر، كتابي ونورس يذرف دموعه لتمتزج مع مياه دجلة! رصاصة واحدة اختارت رأسي ليكون منزلا لها هكذا نحن نحلم ثم يأتي متطرف فيقتل الحلم.. صمت طويل نظرة في فراغ لا نهاية له ومن ثم حياة في مكان يسمح لي بالرقص والعزف كيفما أشاء.. 

هذه أنا بغداد حلمت بالعيش في مكان لا يسمح بالأحلام تمردت فاغتالوا حلمي وحياتي لكن النورس لا زال يرقص ويخبر العالم عن فتاة  تمردت على واقع مريض فأصبحت قصة تروى حتى في أصغر الاحياء في العالم.

بغداد ليست هامشا يُكتب نهاية الصفحة.. بغداد عنوان لا يزال يرعب هؤلاء الذين لا يعرفون القراءة ولم يتوقفوا لحظة لسماع الموسيقى

 

مشاركة