جبرا إبراهيم جبرا مترجماً

890

 جبرا إبراهيم جبرا مترجماً

مصدر مهم في الأدب والثقافة

زينب عبد اللطيف

 تواجه الترجمة صعوبات مختلفة منها صعوبة الانتقال بالأفكار من بيئة لغة الى بيئة لغة أخرى، لما بين اللغتين – المنقول منها والمنقول اليها من تفاوت واختلاف ولاسيما اذا كانت اللغتان من فصيلتين مختلفتين. وبهذا يمكن القول ان الترجمة علم وفن. وهي علم باللغة والثقافة من والى اللغة الثانية، وفن يصوغه المترجم بقدرته، فهي ليست عملا سهلا. ولعل من أصعب المشكلات التي تواجه الترجمة الصحيحة تلك التي تتصل بدلالة الكلمات وحدود معانيها بين لغة وأخرى، فإذا ما خرجت الكلمة من بيئتها الأم الى بيئة أخرى احتاج المترجم حينها الى جهد كبير للحصول على ما يرادفها في الدلالة لتؤدي المعنى المقصود للدلالة نفسها او ما يقربها.بهذا يمكن القول: ان الترجمة ضرورة حضارية ونشاط فكري وهي عملية لغوية، يحتمها الاحتكاك بين شعوب ذات ألسنة متباينة سواء أكان هذا الاحتكاك مباشرا كما في الحروب والهجرات والاستعمار، ام غير مباشر كالذي يتم عبر وسائل الأعلام والاتصال.وتمثل الترجمة حركة اخذ وعطاء وتبادل في جميع المجالات في إتاحة اللقاء بين الثقافات والتفاعل بينها. وللترجمة أهمية كبيرة في تحقيق التقدم الحضاري والاقتصادي والاجتماعي اذ باتت نشاطا مؤسسيا يوميا في حياة الأمم والشعوب الراقية يؤثر في كل أعمالها وخططها، وهي وسيلة حاسمة في تعميق علاقات التواصل مع العالم المتقدم.

مكانة بارزة

وهنا لابد من الإشارة الى الترجمة في العراق، هذا البلد الذي يحتل مكانة بارزة ومتميزة في التاريخ الإنساني بماضيه وحاضره وقد ازدادت هذه الأهمية في التاريخ المعاصر بعد التطورات التي شهدتها المنطقة في مختلف المجالات حيث أصبحت ملتقى الحضارات والأجناس المختلفة القادمة من أنحاء العالم كافة. وكان على المترجمين العراقيين ان يترجموا في مختلف ميادين العلوم والمعارف  وكانت المجامع العلمية في القاهرة وبغداد ودمشق تواكب سرعة تدفق المعلومات. وقد بذلت مجامع اللغة العربية والمترجمون جهودا مضنية، والفت لجان ومكاتب ومؤسسات في مختلف بلدان الوطن العربي للترجمة والتعريب ومن ضمنها العراق.فقد شهدت حياتنا الثقافية طفرة نوعية في صناعة الكتاب وترجمته منذ حقبة السبعينيات حتى يومنا هذا، كنا نبحث بوصفنا قراء عن أسماء معينة حين نمسك كتابا مترجما، فقد تكونت لدينا قناعة بلغة هؤلاء المترجمين وبما يضيفون الى النص المترجم من روحهم ومن ثقافتهم. هكذا كنا نبحث عن شكسبير –جبرا ابراهيم جبرا، وعن أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث –جعفر خياط – ترجمة لكتاب الباحث البريطاني ستيفن همسلي لونغريك، وموسوعة المصطلح النقدي – عبد الواحد لؤلؤة – وغيرهم من أعلام الترجمة في العراق، ممن كانت تراجمهم ومازالت من المصادر المهمة لتاريخ العراق. لقد دأبوا طوال حياتهم على تسليط الضوء على تاريخ العراق وحضارته كل حسب أسلوبه.

ويأخذنا الحديث عن أعلام الترجمة في العراق، لنتحدث هنا عن الاديب الشامل جبرا ابراهيم جبرا، المترجم الذي يرى الترجمة وسيلة لفهم انجازات الآخرين وبذلك نستطيع الاستفادة من تجربتهم. ولم تكن بالنسبة له نقلا ونسخا عن لسان آخر، بل تعمل على تأسيس طرق تفكير وحياة تعمل على تراكم الأروع في المنجز البشري. اذ تشكل الترجمة بالنسبة له فضاء إبداعيا متميزا، نلاحظ في ما نقله الى العربية من نصوص أبداعية، فقد ترجم رائعة صموئيل بيكيت –في انتظار غودو- هذه المسرحية التي لها اثر كبير في المسرح عموما. ولجبرا قدرة واضحة على اختيار المقدمة الملائمة لتناول العمل الذي يريد ان يترجمه. وهي دائما مقدمة تلفت قارئها بقوة الى معنى، او فكرة او قضية، او خبر، او زاوية،ومازلنا في حديثنا عن المقدمة، اذ نقرأ في المقدمة البارعة التي انجزها المترجم جبرا لرواية وليم فوكنر “الصخب والعنف”،حيث نقف على المجهود الجميل الذي بذله المترجم لأجل كتابة “مقدمة” لابد من قراءتها بأمعان للدخول في صلب الرواية وجوهرها بأكثر قدر من اليسر والاستيعاب، حيث وضع فيها خلاصة رؤيته لهذا الكاتب الامريكي الصعب، وفكك الرواية بحيث اصبح فهمها ممكنا عند الكثير من القراء.

واختار جبرا اثنتي عشرة قصة امريكية وانكليزية، فترجمها ضمن كتاب “ايلول بلا مطر” بعد ان قدم تعريف لكل كاتب قصة. وايضا ترجم اثنين من اشهر النصوص العالمية في هذا المجال، هما رواية “الامير السعيد وحكايات اخرى” لأسكار وايلد. ومجموعة من حكايات الفرنسي “لافونتين”. فضلا عن كتب اخرى ترجمها خلال مسيرته الابداعية في مجال الفكر والفلسفة. كذلك كان جبرا مبدعا في ترجمة فصل “أدونيس أو تموز” من كتاب الغصن الذهبي للسير جيمس فريزر. كما ترجم “ما قبل الفلسفة” لهنري فرانكفورت وآخرين، و”افاق الفن” اليكسندر اليوت، و”الاديب وصناعته” لعشرة نقاد امريكييين، و”الحياة في الدراما” لأريك بنتلي، و”الاسطورة والرمز” لعدد من النقاد، و”قلعة اكسل” لأدمون ويلسون، ومقالات عن الشاعر الأمريكي ديلان توماس لأربعة عشر ناقدا، و”البير كامو” لجيرمين بري- وقد نقل في هذا الكتاب، الشذرات المقتبسة من كامو، عن الفرنسية مباشرة، و”برج بابل” لأندريه بارو.

الا ان اسهامه الترجمي الكبير كان في الشكسبيريات، حيث ترجم: هاملت، الملك لير، مكبث، العاصفة، الليلة الثانية عشرة، وخمسين سونيتة من سوناتات شكسبير. فقد غاص في اعماق النص الشكسبيري وشخصياته ونجح في تذليل الحواجز بين القارئ وخفايا النص المترجم. ولم يكتف بترجمة اعمال شكسبير، بل تعدى ذلك الى ترجمة بعض الكتب النوعية المتخصصة بشكسبير مثل “شكسبير معاصرنا –ليان كوت” و “ما الذي يحدث في هاملت –جون دوفرولسون” و”شكسبير والانسان المتوحد –جانيت ديلون”. وفي مجال الشعر، نشر جبرا بعضا من شعره في مجلة الأديب البيروتية، وكان هذا الشعر ترجمة صنعها هو لقصائد كان قد كتبها بالانكليزية، ومن هذه القصائد سلسلة نشرها بعنوان “الأرض والرياح”. والقصائد الأخرى التي ترجمها جبرا من شعره هي:

-“الملائكة”-Pouting they descend- من مجموعته غير المنشورة Love and the Wide-Eyed Juggler. نشرت الترجمة في كتاب “أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال”، (ص137).

-“نجوى غادة كسول” –Soliloquy of a Lazy Lady-? وهذه الصيغة نشرت في مجلة الأديب.

-“من مونولوغ لسيدة كسول”، وهذا هو الجزء الثالث فقط من القصيدة السابقة، وقد نشر في مجلة شعر.

-“المدينة” –The House of Shadows-? وقد نشرت هذه الترجمة في مجلة شعر.

-“الى أ” –To A-وقد نشرت الترجمة في كتاب شارع الأميرات (ص102-103).

-ترجمة جزئية لقصيدة “Poison” في كتاب شارع الأميرات (ص104).

وقد علق د. محمد عصفور في كتابه “دراسات في الترجمة وأبعادها”، (ص341-2009) على ترجمة جبرا لقصيدة “Soliloquy of a Lazy Lady” فيما يخص عنوان القصيدة، اذ قال:”نشر جبرا ترجمتين لهذه القصيدة، احداهما شبه كاملة في مجلة الأديب، والثانية مجتزأة نشرها في مجلة شعر. وأول ما نلاحظه في هاتين الترجمتين اختلاف ترجمة العنوان، وهو اختلاف قد يقع فيه مترجمان آخران لو طلب اليهما ترجمته في الوقت نفسه، وقد يقع فيه مترجم محترف يطلب اليه ترجمة العنوان نفسه في وقتين مختلفين. فكل من مارس الترجمة يدرك صعوبة ترجمة عناوين الكتب والقصائد. والفرق بين “نجوى” و “مونولوغ” قد تتسبب به درجة حرص المترجم على الترجمة او درجة تقبله للتعريب. اما الفرق بين غادة والسيدة فهو فرق في الدلالات. فالغيد صفة للنساء تركز على طريقة المشي، وربما اوحت بالجمال والدلال وبالميل الى الطول. اما وصف المرأة بأنها سيدة فأنها قد توحي في سياق القصيدة بالاستقلال الفكري والعاطفي والاقتصادي ولكن ليس بالجمال ضرورة.وفي كل الأحوال تبقى مسألة اختيار هذه الصفة او تلك مسألة تفسير. على انه لابد من القول ان كلمة “Lady” اقرب في الانكليزية الى الاختيار الثاني، وهو (السيدة)”.

ولازلنا في تراجم جبرا لأعمال شكسبير، نذكر منها ترجمة مسرحية “عطيل”، فقد أشاد بها الناقد الكبير غالي شكري، الا انه لاحظ ان جبرا –في حالات قليلة- لم يكن دقيقا. وهذا ما ذهب اليه الشاعر العراقي سركون بولص الذي انتقد جبرا لأنه حذف جملة على لسان عطيل، وهي: “ذلك التركي..الكلب المختون”، وان جبرا قد تهرب من هذا السطر لأن فيه غمزا طائفيا من الاسلام. وقد أشار الشاعر الفلسطيني احمد دحبور في مقال نشر له في 13 ايلول، 2006: “ان جبرا لم يكن مقنعا الى حد ما في عدم التمثل الكامل لروح شكسبير في السونيتات، وضرب مثالا على ذلك:

لقد كانت ترجمة جبرا هي:

فألى يوم القيام حين تبعث من ترابك

في هذا القصيد ستحيا، وفي أعين العشاق تقيم.

اما ترجمة سركون بولص فكانت:

لذا ستحيا حتى انبعاثك يوم القيامة

في شعري هذا، وتبيت في عيون العشاق.

والقارىء المنصف يرى ان ترجمة جبرا اقرب الى الروح الانجليزية بانخطافاتها وجملها المتوازية. بينما كانت ترجمة سركون بولص-وهي الجميلة- اقرب الى البيان العربي العباسي”.

اننا ازاء تجربة كاتب ومترجم كبير، عرك الترجمة واعطاها الكثير من جهده ووقته واعصابه، واذا كانت قضيتا الأمانة والتوصيل من أصعب الأمور التي تواجه المترجم عموما، فأن ترجماته تقيم توازنا دقيقا بين الأمرين. وهنا نشير الى ما ذكره د. نجم عبد الله كاظم في مقال نشر له في  ايار  2013: “لقد نجح المترجم جبرا ابراهيم جبرا في تذليل كل ما يمكن ان يبرز من حواجز ما بين القارىء وأسرار العمل المترجم وخفاياه، او ما بينه وبين مؤلف العمل. فكيف يتحقق هذا مع جبرا؟ الذي يتحقق، هو أولا: ان النص يبدو وكأنه كتب اصلا كما نقرأه بكلماته وعباراته، بحيث نحس وكأن المترجم هو صاحب النص. وثانيا: تمكن جبرا غير العادي من اللغة الأصلية للنص، اي الانكليزية بما في ذلك معرفة أسرارها وما يكمن خلف ظاهر مفرداتها وعباراتها، مع تمكنه من اللغة العربية وإبداعه فيها وتطويعها لنقل كل أسرار النص الأصلي. ونتيجة لذلك يتمكن جبرا مما يمكن ان نسميه اعادة خلق للعمل الذي يترجمه، وبما يجعل منه جزءا من شخصيته، مع الحرص على عدم الإخلال بالأمانة للنص الأصلي ولمؤلفه عبر الجهد الذي يبذله للمحافظة على روحيته. وثالثا: استيعاب المترجم، وهو يمتلك حسا لكل ما يشتمل عليه النص، للعمل الذي يترجمه بكل دقائقه وكلماته وما وراءها، الأمر الذي يقوده في النتيجة الى تضمين ذلك كله في النص العربي”.

مشكلات الترجمة

وقد أشار د.محمد عصفور في كتابه،”دراسات في الترجمة وأبعادها” (ص321-2009 الى ظاهرة اشتغال الأدباء بترجمة مؤلفاتهم. وتكمن أهمية هذه الظاهرة في أنها تلقي بعض الضوء على مشكلات الترجمة. وكتب جبرا رواية “صراخ في ليل طويل” بالانكليزية أصلا ولم ينشر سوى ترجمته العربية لها. وان روايته الثانية “صيادون في شارع ضيق” كتبت أيضا بالانكليزية، وقد ترجم جبرا الفصل الثالث عشر من الرواية ونشر الفصل على انه قصة قصيرة في مجلة الآداب البيروتية سنة 1953 وظهرت القصة بعد ذلك في مجموعته القصصية الوحيدة “عرق وقصص أخرى”1956 وظلت تحتل مكانها في الطبعات اللاحقة لتلك المجموعة. وهنا تجدر الإشارة الى ان د.محمد عصفور قد ترجم الرواية ولم يترجم ذلك الفصل، بل استخدم ترجمة جبرا (المؤلف نفسه) لأنه اعتبرها اصدق تعبيرا عما أراد ان يقوله لو كتب الرواية بالعربية. فقد أباح جبرا لنفسه من الحرية في هذه الترحمة، لأنها تزوده بفرصة للمراجعة وإعادة الكتابة غير ملتزم بالنص الذي يترجمه من دون ان يعرض نفسه  لتهمة خيانة النص المعهودة في عالم الترجمة. بقي ان نقول كلمة أخيرة، ان جبرا ابراهيم جبرا كان بحق احد أعلام الترجمة في القرن العشرين ولازالت مؤلفاته وتراجمه تعد مصدرا مهما في مجال الأدب والثقافة والترجمة للعرب جميعا وبشكل خاص للعراقيين، اذ وجد نفسه بينهم ومنهم، ولم يفكر بترك العراق أبدا تحت اي ظرف، تاركا بصماته على الثقافة العراقية من خلال فكره وإبداعه. وحق للأجيال الواعدة ان تقف على حجم الجهود والانجازات التي حققها هذا العلم البارز من أعلام المترجمين وان تدرس أعماله وتأخذ بتوصياته في هذا الميدان الحيوي من ميادين المعرفة. وما هذا الا غيض من فيض.

مشاركة