جبال أردنية تكشف عن أقدم المصائد الحجرية عالميا

عمان‭ (‬بترا‭): ‬توصل‭ ‬باحثون‭ ‬في‭ “‬مشروع‭ ‬البادية‭ ‬الجنوبية‭ ‬الشرقية‭” ‬في‭ ‬الاردن‭ ‬إلى‭ ‬أدلة‭ ‬علمية‭ ‬قاطعة‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬المصائد‭ ‬الحجرية‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬الخشابية‭ ‬شرق‭ ‬الجفر‭ ‬بمحافظة‭ ‬معان‭ ‬هي‭ ‬الأقدم‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬متجاوزة‭ ‬بآلاف‭ ‬السنين‭ ‬أقدم‭ ‬الشواهد‭ ‬المعروفة‭ ‬لهذه‭ ‬المصائد‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬النقب‭ ‬وسيناء‭ ‬وسوريا‭. ‬وتؤرخ‭ ‬هذه‭ ‬المصائد‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬تقليديا‭ ‬بين‭ ‬الألف‭ ‬الخامس‭ ‬والألف‭ ‬الرابع‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬فيما‭ ‬تظهر‭ ‬نتائج‭ ‬مشروع‭ ‬البادية‭ ‬الجنوبية‭ ‬أن‭ ‬جذور‭ ‬منشآت‭ ‬الصيد‭ ‬أقدم‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬المستقر‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬العلمية،‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬التسلسل‭ ‬الزمني‭ ‬لتطور‭ ‬تقنيات‭ ‬الصيد‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭. ‬وتعود‭ ‬المصائد‭ ‬الحجرية‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬الخشابية‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬9000‭ ‬عام،‭ ‬إلى‭ ‬أواخر‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬الحديث‭ (‬الفترة‭ ‬ب‭)‬،‭ ‬بحسب‭ ‬دراسة‭ ‬نشرتها‭ ‬مجلة‭ ‬العلوم‭ ‬الأثرية‭ ‬والأنثروبولوجية،‭ ‬وهي‭ ‬دراسة‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬تعاون‭ ‬علمي‭ ‬بين‭ ‬جامعة‭ ‬الحسين‭ ‬بن‭ ‬طلال‭ ‬والمعهد‭ ‬الفرنسي‭ ‬للشرق‭ ‬الأدنى‭ ‬وجامعة‭ ‬ليون‭ ‬2،‭ ‬وشارك‭ ‬فيها‭ ‬فريق‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المتخصصين‭ ‬في‭ ‬الآثار‭.  ‬وقال‭ ‬مدير‭ ‬عام‭ ‬دائرة‭ ‬الآثار‭ ‬العامة،‭ ‬الدكتور‭ ‬فوزي‭ ‬أبو‭ ‬دنة،‭ ‬لوكالة‭ ‬الأنباء‭ ‬الأردنية‭ (‬بترا‭)‬،‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بفك‭ ‬رموز‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬صياغة‭ ‬مساهمة‭ ‬الأردن‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬عبر‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ “‬الثقافة‭ ‬الغسانية‭” ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬طي‭ ‬الكتمان‭ ‬لعصور‭. ‬وأضاف‭ ‬أن‭ ‬النتائج‭ ‬الجديدة‭ ‬حول‭ ‬مصائد‭ ‬جبال‭ ‬الخشابية‭ ‬حسمت‭ ‬جدلا‭ ‬بين‭ ‬العلماء‭ ‬حول‭ ‬أقدم‭ ‬المصائد‭ ‬الحجرية،‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬فرق‭ ‬عملت‭ ‬في‭ ‬النقب‭ ‬بفلسطين‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز،‭ ‬على‭ ‬أبعد‭ ‬تقدير،‭ ‬الألف‭ ‬الخامس‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬دليل‭ ‬يثبت‭ ‬أنها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬المبكرة‭. ‬ولفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بلوغ‭ ‬المصائد‭ ‬الحجرية‭ ‬عتبة‭ ‬9‭ ‬آلاف‭ ‬عام‭ ‬يثبت‭ ‬ريادة‭ ‬الأرض‭ ‬الأردنية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الابتكار‭ ‬الذي‭ ‬ربما‭ ‬انطلق‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬العالم،‭ ‬مبينا‭ ‬أن‭ ‬دائرة‭ ‬الآثار‭ ‬تعمل‭ ‬مع‭ ‬الجانب‭ ‬الفرنسي‭ ‬لعرض‭ ‬هذه‭ ‬المكتشفات‭ ‬في‭ ‬المتاحف‭ ‬الأردنية‭ ‬لتشكل‭ ‬نقطة‭ ‬جذب‭ ‬عالمية،‭ ‬خاصة‭ ‬أنها‭ ‬باتت‭ ‬محور‭ ‬اهتمام‭ ‬برامج‭ ‬وثائقية‭ ‬دولية‭ ‬تعرض‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وأميركا‭ ‬وأستراليا،‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬آفاقا‭ ‬جديدة‭ ‬للترويج‭ ‬السياحي‭ ‬للمملكة‭. ‬وبين‭ ‬أبو‭ ‬دنة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬يعد‭ ‬ثمرة‭ ‬لجهود‭ ‬بحثية‭ ‬ممنهجة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬توثيق‭ ‬التراث‭ ‬الحضاري‭ ‬الأردني‭ ‬وإبراز‭ ‬دوره‭ ‬المحوري‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنساني،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬مكانة‭ ‬الأردن‭ ‬مركزا‭ ‬عالميا‭ ‬للدراسات‭ ‬الأثرية‭ ‬والأنثروبولوجية‭. ‬بدوره،‭ ‬أكد‭ ‬أستاذ‭ ‬الآثار‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬البترا‭ ‬للسياحة‭ ‬والآثار‭ ‬بجامعة‭ ‬الحسين‭ ‬بن‭ ‬طلال،‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬الطراونة،‭ ‬أن‭ ‬النتائج‭ ‬المخبرية‭ ‬الدقيقة‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وألمانيا‭ ‬رسخت‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬مصائد‭ ‬جبال‭ ‬الخشابية‭ ‬هي‭ “‬أقدم‭ ‬المباني‭ ‬الضخمة‭” ‬في‭ ‬المعمورة،‭ ‬كاشفا‭ ‬عن‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬منشآت‭ ‬طقسية‭ ‬نادرة‭ ‬داخل‭ ‬مساكن‭ ‬الصيادين‭ ‬الغسانيين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجبال‭. ‬وبين‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاكتشاف‭ ‬لا‭ ‬يضيف‭ ‬بعدا‭ ‬زمنيا‭ ‬جديدا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬الخريطة‭ ‬المعرفية‭ ‬لنشاط‭ ‬المجتمعات‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬البادية‭ ‬الأردنية،‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬الموقع‭ ‬يمثل‭ ‬شاهدا‭ ‬استثنائيا‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭ ‬البشري‭ ‬المبكر‭ ‬في‭ ‬استغلال‭ ‬الموائل‭ ‬الصحراوية‭. ‬ويعرف‭ ‬الطراونة،‭ ‬وهو‭ ‬عضو‭ ‬فريق‭ ‬الدراسة‭ ‬البحثية،‭ ‬المصائد‭ ‬الحجرية‭ ‬بأنها‭ ‬مبان‭ ‬استخدمت‭ ‬للصيد،‭ ‬واكتشفت‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬البادية‭ ‬الأردنية‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬1930،‭ ‬مبينا‭ ‬أنه‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ “‬مصائد‭ ‬الطائرات‭ ‬الورقية‭” ‬لأن‭ ‬شكلها‭ ‬يشبه‭ ‬الطائرة‭ ‬الورقية‭ ‬من‭ ‬الجو‭. ‬وقد‭ ‬أحصي‭ ‬منها‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬6300‭ ‬مصيدة‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬دول،‭ ‬وتتركز‭ ‬أغلبها‭ ‬في‭ ‬البادية‭ ‬الأردنية‭ ‬الشمالية‭ ‬الشرقية‭.‬

وبين‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المصائد‭ ‬تتألف‭ ‬من‭ ‬غرفة‭ ‬نجمية‭ ‬الشكل‭ ‬يبلغ‭ ‬متوسط‭ ‬قطرها‭ ‬200‭ ‬متر،‭ ‬وفي‭ ‬زواياها‭ ‬الخارجية‭ ‬المدببة‭ ‬غرف‭ ‬صغيرة‭ ‬يبلغ‭ ‬قطر‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬نحو‭ ‬4‭ ‬أمتار،‭ ‬وينطلق‭ ‬من‭ ‬الغرفة‭ ‬الكبيرة‭ ‬جداران‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬أحيانا،‭ ‬يبتعدان‭ ‬عن‭ ‬بعضهما‭ ‬كلما‭ ‬ابتعدا‭ ‬عن‭ ‬الغرفة‭. ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬الجدران‭ ‬تستخدم‭ ‬لحصر‭ ‬الحيوانات‭ ‬بعد‭ ‬تخويفها‭ ‬داخل‭ ‬الغرفة‭ ‬الكبيرة،‭ ‬ثم‭ ‬إيقاعها‭ ‬في‭ ‬الغرف‭ ‬الصغيرة‭. ‬ويشير‭ ‬الدليل‭ ‬الأثري‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المصائد‭ ‬في‭ ‬البادية‭ ‬الأردنية‭ ‬استخدمت‭ ‬لصيد‭ ‬الغزلان‭. ‬وأكد‭ ‬أن‭ ‬الأدلة‭ ‬تظهر‭ ‬امتلاك‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬البشرية‭ ‬المبكرة‭ ‬فهما‭ ‬متقدما‭ ‬لسلوك‭ ‬الحيوانات،‭ ‬ويكشف‭ ‬الموقع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لهذه‭ ‬المصائد‭ ‬وتوقيت‭ ‬عمليات‭ ‬الصيد‭ ‬عن‭ ‬مهارات‭ ‬ملاحظة‭ ‬دقيقة‭ ‬لاستغلال‭ ‬أنماط‭ ‬الهجرة‭ ‬الطبيعية‭ ‬للحيوانات،‭ ‬وهي‭ ‬معرفة‭ ‬كانت‭ ‬ضرورية‭ ‬لتعظيم‭ ‬كفاءة‭ ‬الصيد‭ ‬وتأمين‭ ‬الموارد‭ ‬الغذائية‭ ‬بوصفها‭ ‬عاملا‭ ‬حاسما‭ ‬في‭ ‬بقاء‭ ‬المجتمعات‭ ‬البشرية‭ ‬المبكرة‭.‬

ولفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬دلالات‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الأردن،‭ ‬إذ‭ ‬يتيح‭ ‬تحديد‭ ‬تسلسل‭ ‬زمني‭ ‬وسياق‭ ‬أوضح‭ ‬لاستخدام‭ ‬المصائد‭ ‬الصحراوية،‭ ‬وإجراء‭ ‬مقارنات‭ ‬مع‭ ‬مواقع‭ ‬أثرية‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة،‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬دراسة‭ ‬أوسع‭ ‬لسلوك‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭ ‬عبر‭ ‬بيئات‭ ‬متنوعة‭. ‬من‭ ‬جانبه،‭ ‬بين‭ ‬مدير‭ ‬مشروع‭ ‬الدراسة‭ ‬البحثية‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الفرنسي،‭ ‬الأستاذ‭ ‬المشارك‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬ليون‭ ‬2‭ ‬الدكتور‭ ‬وائل‭ ‬أبو‭ ‬عزيزة،‭ ‬أن‭ ‬الدراسة‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬العلوم‭ ‬الأثرية‭ ‬والأنثروبولوجية‭ ‬أرست‭ ‬إطارا‭ ‬زمنيا‭ ‬متينا‭ ‬يحسم‭ ‬جدلا‭ ‬طويلا،‭ ‬مؤكدة‭ ‬ظهور‭ ‬مصائد‭ “‬الطائرات‭ ‬الورقية‭ ‬الصحراوية‭” ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الألفية‭ ‬الثامنة‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬الدقة‭ ‬الزمنية،‭ ‬كشفت‭ ‬نتائج‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المصائد‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬صدى‭ ‬لثقافات‭ ‬الهلال‭ ‬الخصيب‭ “‬المركزية‭”‬،‭ ‬بل‭ ‬ولدت‭ ‬كابتكار‭ ‬محلي‭ ‬أصيل‭ ‬نبع‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الصحراوية‭ ‬جنوب‭ ‬الأردن،‭ ‬مجسدة‭ ‬معرفة‭ ‬بيئية‭ ‬عميقة‭ ‬وخبرة‭ ‬فذة‭ ‬بسلوك‭ ‬الحيوان،‭ ‬وفقا‭ ‬لأبو‭ ‬عزيزة‭.‬

وقال‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬كانت‭ ‬فضاء‭ ‬ديناميكيا‭ ‬للإبداع‭ ‬التكنولوجي‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬الحديث،‭ ‬إذ‭ ‬تطلب‭ ‬بناء‭ ‬هذه‭ ‬المنشآت‭ ‬الضخمة‭ ‬عملا‭ ‬منسقا‭ ‬وتخطيطا‭ ‬عبقريا‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالمشهد‭ ‬الطبيعي،‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المجتمعات‭ ‬كانت‭ ‬لاعبا‭ ‬فاعلا‭ ‬في‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬الإقليمية،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬معزولة‭ ‬عن‭ ‬جيرانها‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬الزراعية‭ ‬المستقرة‭.‬

وبين‭ ‬أن‭ ‬ترسيخ‭ ‬تاريخ‭ ‬هذه‭ ‬المصائد‭ ‬ضمن‭ “‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬الحديث‭ ‬المتأخر‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الفخاري‭ (‬ب‭)” ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬تنوع‭ ‬المسارات‭ ‬الحضارية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأدنى،‭ ‬ويبرهن‭ ‬أن‭ ‬شعلة‭ ‬الابتكار‭ ‬لم‭ ‬تنبثق‭ ‬من‭ ‬الحقول‭ ‬الزراعية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬انقدحت‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬براعة‭ ‬المجتمعات‭ ‬الصحراوية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬التقني،‭ ‬لتلعب‭ ‬دورا‭ ‬جوهريا‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الأنظمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬وجه‭ ‬التاريخ‭ ‬القديم‭.‬

وبين‭ ‬أبو‭ ‬عزيزة‭ ‬أن‭ ‬الحجارة‭ ‬الصماء‭ ‬تحولت‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬المشروع‭ ‬من‭ ‬ركام‭ ‬يمتد‭ ‬كأذرع‭ ‬عملاقة‭ ‬لعدة‭ ‬كيلومترات،‭ ‬لتصبح‭ ‬البادية‭ ‬الأردنية،‭ ‬مسرحا‭ ‬لأول‭ ‬استراتيجية‭ ‬صيد‭ ‬جماعي‭ ‬مبتكرة‭ ‬تستخدم‭ ‬مباني‭ ‬ضخمة،‭ ‬حيث‭ ‬حلل‭ ‬الباحثون‭ ‬ثمانيا‭ ‬وعشرين‭ ‬عينة‭ ‬مخبرية‭ ‬عبر‭ ‬تقنيات‭ “‬التأريخ‭ ‬بالكربون‭ ‬المشع‭” ‬و‭”‬التهيج‭ ‬الضوئي‭”.‬

ولفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المصائد‭ ‬لم‭ ‬تبن‭ ‬عشوائيا،‭ ‬بل‭ ‬صممت‭ ‬استراتيجيا‭ ‬لتوجيه‭ ‬قطعان‭ ‬الغزلان‭ ‬نحو‭ ‬حتوفها،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬مجتمعات‭ ‬أخرى‭ ‬تستقر‭ ‬في‭ ‬قرى‭ ‬زراعية‭ ‬غربا،‭ ‬مثل‭ ‬عين‭ ‬غزال‭ ‬وبسطة،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الباحثين‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬اسم‭ “‬الثقافة‭ ‬الغسانية‭” ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬الصياد‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬طلعة‭ ‬الشيخ‭ ‬غسان‭ ‬عدوان‭ ‬أبو‭ ‬تايه‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التنقيبات‭ ‬الأثرية‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ “‬أثر‭ ‬الحياة‭” ‬في‭ ‬مساكن‭ ‬الصيادين‭ ‬وبقايا‭ ‬أخشابهم‭ ‬المتفحمة،‭ ‬ما‭ ‬يبرز‭ ‬نسيجا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬معقدا‭ ‬قام‭ ‬على‭ ‬التعاون‭ ‬والتخطيط‭ ‬الفائق‭ ‬لترويض‭ ‬بيئة‭ ‬صحراوية‭ ‬قاسية‭.‬

وأكد‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المجتمعات‭ ‬لم‭ ‬تكتف‭ ‬بالعيش‭ ‬في‭ ‬البادية،‭ ‬بل‭ ‬امتلكت‭ ‬فهما‭ ‬متقدما‭ ‬لسلوك‭ ‬الحيوان‭ ‬وهجرته،‭ ‬لتصوغ‭ ‬بأيدي‭ ‬أفرادها‭ ‬أولى‭ ‬تجارب‭ ‬الابتكار‭ ‬البشري‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬الحجر‭ ‬الأساس‭ ‬للحضارة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭.‬