جارتي المسيحية

 

قصة قصيرة

جارتي المسيحية

جلست جارتي المسيحية في باحة منزلها … تلتقطُ الشوائبَ من بين حبات العدسِ … في ذلك الصحن القابع في حجرها … تحتَ اشعة الشمس المتكسرة … بين اغصان شجرة السدرِ التي تتوسطُ فناءَ الحديقةِ … كنتُ انا فوقَ مسطبةٍ مُعّدةٍ للجلوسِ في باحةِ منزلي … ملاصقةً للسورِ الفاصلُ بيننا … أرتب الحطب … وأهيئ المكانَ الذي سنطُبخ فيه (القيمة) ونقيم فيه مراسيم عاشوراء … ناديت اخي الصغير الذي كانَ يلعبُ الكرة مع الأولاد خارج المنزل بأن يأتي لمساعدتي … قذفَ الكرةَ عاليًا … اطاح بها على جارتي التي أسقطت من يدها الصحن من هول المفجأة … رفعت عينيها وجدت اخي قد قفز على حافة السورِ وعلى وجههِ علاماتُ السخريةِ …

فقالت له: أهذا انت ايها المشاغب .. تعلمَ من أخيكَ بعض الادب!

قلت لها: أنه لا يزال صغيرًا وأمامهُ الكثير ليتعلم … لا عليك يا خاله سأزيد حصتك صباح غدٍ من (التمن والقيمة) … ابتسمت لي شاكرة.

بقيتُ واقفًا على حافةِ السورِ … حاولتُ ان افتحَ معها حوارًا … علّها تدعوني لحضور حفلهم السنوي الذي يقميونه بذات اليوم من كل سنةٍ … بمناسبةِ اعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية … وقبل ان أنبسَ ببنتِ حرفٍ فهمت مرادي … واجابتني قائلة: لنْ نقيمَ هذه الليلة احتفالًا احترامًا لمشاعرِ جيراننا المسلمين … فهذه الايامُ وكما تعلمُ انتَ تزامنت مع محرم الحرام ومصاب أبي عبد الله الحسين “ع” … واردفت قائلة: لكن لا عليك فسنصنع الحلوى وستبقى حصتك منها مضمونة.

دلفت داخل المنزل بعد ان شكرتها على ذلك … وبقيت ابنتها التي تصغرني بثلاث سنوات تحومُ في ارجاءِ الحديقةِ … سألتني بحُزنٍ وحيرةٍ، ماهو مصابكم؟! ولماذا عارضت امي ان نقيم احتفالًا هذه الليلة كما جرت العادة.

شرحت لها ما سعمتهُ من اهلي وما حفظتهُ عن ظهر قلب … قصة استشهاد الامام الحسين بن علي “عليه السلام” حتى ختمت القصة عند النصراني وهب بن حباب الكلبي الذي التحق بركب الامام الحسين … وكيف انه آثر الاستشهاد دفاعًا عن الانسانية.

ما أن أتممتُ قصتي حتى رأيتُ دموعها تنهمرُ على خديها ببراءةِ الاطفالِ … اعتذرت مني قائلة: سأساعدكم في اتمام هذه المراسيم مر زمن طويل على هذا الموقف … ثم التقينا صدفةً في محافظة أربيل … تبادلنا التحايا الحارة … وكنتُ على عجلةٍ من امري … وبعد السؤال عن الحال والاحوال …سردت حكايتها ومالذي اوصلها لأربيل وكيف ان لجهة مُعينة صلة في تهجيرها من بغداد … بعدها انتقلت لمدينة الموصل حيثُ تقطُن اسرة والدتها … ثم كيف نجت وعائلتها من براثن داعش باعجوبة … بعدَ ان هاجموا قريتها وقتلوا رجالها وسبوا نساءها … قالت والدمع يملأ عينيها … مالذي حدث لنا ؟!! طوال عمرنا عشنا معًا متحابين في هذا البلد آمنين … نتقاسم الافراح والاحزان معًا … ثم اردفت أ تذكر عندما تزامنت المناسبتان معًا قررنا عدم الاحتفال احتراما لمشاعركم هل هذا جزاؤنا هل هو هذا رد الدين؟

هونت عليها … وهدأت من روعها … وقلت لها ان ما جرى من احداث هو بمثابة اغتيال للدين والانسانية … وأن هؤلاء اراذل القوم … استخدموا الدين لخديعة الناس … وغطاءً لتنفيذ مصالحهم وأجنداتهم الخارجية.

ثم ذكرتها بقولٍ كانت تحبهُ وتردده للإمام الحسين (ع”) حينما واجه القوم يوم عاشوراء ((إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ دِيْنٌ وَكُنْتُمْ لَا تَخَافُوْنَ يَوْمَ المَعَادِ فَكُوْنُوا أَحْرَارَاً فِيْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ، وَارْجِعُوا إِلَى أَحْسَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ عُرُبَاً كَمَا تَزْعُمُوْنَ))، وقولٌ آخر للإمام علي عليه السلام ((النّاسُ صِنْفانِ إمّا أَخٌ لَكَ في الدِّيْنِ، أو نَظِيرٌ لَكَ في الخَلْقِ)) وقلت لها: لو اردنا ان نحتكم الى كتاب الله الحكيم … لوجدنا الكثير من الآيات البينات التي تقرب بين المسلمين و أهل الكتاب … ثم تلوت عليها

بسم الله الرحمن الرحيم ((وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)) سورة العنكبوت الآية 46.

مسحت دمعها بعد هذا الحوار الحزين وقالت: سامحني لان ما عانيناه أكبر من ان يتحمله إنسان.

قلت لها: لا تُراعِ فإن جميع طبقات الشعب العراقي تعاني … وإن شعبنا يتنفس الحياة والموت معًا في كلِ لحظةً.

تبادلنا التحايا مرة اخرى … وقبل أن أودعها … وعدتها ان نبقى على تواصلٍ دائم … وأن أزورهم بأقرب فرصة.

اليوم … وقبل أن اشرع بكتابةِ هذه القصةِ … رأيتها قد كتبت منشورًا على صفحتها في الفيس بوك جاء فيه ((احتراما ً لشهداءِ العراقِ ووفاءً منا لهم لن نقيمَ احتفالنا السنوي بأعياد الميلاد … وإننا سنقوم بتوزيع الحلوى ووجبات الغذاءِ التي كانت مُعدةً لهذا العيد على ابناء شعبنا المرابط في سوح التحرير … ونسأل الله ان يحقق النصر لهم)) وختمت منشورها بأيٍ من الذكر الحكيم ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَ?ذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ))

كم انت عظيمة ايتها الجارة

حيدر ناظم ناصر – بغداد