
واشنطن (أ ف ب) – مُنِحَت جائزة لاسكر التي تُعَد أرفع وسام علمي أميركي لثلاثة باحثين توصلوا إلى علاج “ثوري” غيّروا بفضله حياة آلاف المرضى الذين يعانون التليّف الكيسي، وهو مرض وراثي خطير.
فهذه الجائزة المرموقة التي يُنظَر إليها غالبا على أنها مؤشر إلى هوية الفائز المحتمل بجائزة نوبل، خُصصت هذه السنة لمكافأة أبحاث طبيب أمراض الرئة مايكل ويلش والباحثين خيسوس غونزاليس وبول نيغوليسكو من شركة “فيرتكس” الأميركية للصناعات الدوائية.
وشارك العلماء الثلاثة في التوصل إلى فئة جديدة من الأدوية لعلاج هذا المرض الذي يعانيه نحو مئة ألف شخص في مختلف أنحاء العالم، من بينها الدواء الرئيسي “كافتريو” Kaftrio (أوروبا) و”تريكافتا” Trikafta (الولايات المتحدة).
ولفت مايكل ويلش في حديث لوكالة فرانس برس إلى أن الأطفال الذين يتناولون هذه الأدوية “يبدون بصحة جيدة، لا يسعلون، بل يركضون ويلعبون”. واضاف “حتى أنني لا أصدق ذلك، فهم يذهبون إلى المدرسة، ويتزوجون، ويواصلون حياتهم”.
ويتناقض هذا الواقع كثيرا مع ما كان عليه في بداية مسيرة ويلش المهنية، إذ كان تشخيص التليّف الكيسي آنذاك يعني الموت في مرحلة الطفولة أو المراهقة لمعظم المرضى.
فهذا المرض غير قابل للشفاء، يسبب إفراز مخاط كثيف ولزج بشكل غير طبيعي، مما يعيق مجرى الهواء والجهاز الهضمي. ويعاني المرضى من ضيق في التنفس في حال بذلوا أدنى جهد.
وينبغي على المريض أن يتناول مدى حياته حبوب دواء “فيرتكس” الذي تصفه جمعيات المرضى بأنه “ثوري”، مشيرة إلى أنه لا يعالج الأعراض، بل الأسباب الكامنة وراء المرض.
بعد اكتشاف الجين المعروف بمنظم التوصيل الغشائي للتليف الكيسي (CFTR) عام 1989، والذي تُسبب طفرته التليف الكيسي، شرع مايكل ويلش في تحليل المشكلة مع باحثين آخرين. وقال “رأيت أننا لو استطعنا فهم آلية عمل CFTR، لتمكنّا من تصليحه”. وبعدما توصّل إلى توضيح دور البروتين المُشفّر بواسطة الجين المعني، سعى إلى فهم سبب منع الطفرات الجينية إياه من العمل بشكل صحيح.
وحدد ويلش شذوذين رئيسيين مرتبطين بالطفرة الأكثر شيوعا، الأول نوع من تشابك البروتين داخل الخلية، والثاني انخفاض قدرتها على أداء وظيفتها.
وبَيَّنَ أن هذه المشاكل ليست حتمية، فالبروتين، على سبيل المثال، يتمكن من الوصول إلى سطح الخلية عند تعرضه لدرجات حرارة منخفضة.
وأشار الطبيب بحماسة إلى أن هذا البروتين “لم يكن معطلاً تماما”. واستنادا إلى هذه الاكتشافات، طلبت المؤسسة الأميركية للتليف الكيسي من الباحثَين خيسوس غونزاليس وبول نيغوليسكو السعي إلى التصحيح الكيميائي للاختلالات المُحدّدة.
لكنّ فكرة العلاج الجيني الذي يؤدي إلى تعديل الجين المُسبب للمشكلة مباشرة باءت بالفشل رغم كونها أكثر سهولة على الورق، مما دفع جمعيات المرضى إلى السعي لاستكشاف خيارات أخرى.
ثم ابتكر غونزاليس تقنية جديدة لاختبار أكثر من مليون مركّب كيميائي في وقت قياسي، باستخدام الأصباغ لتسليط الضوء على التفاعلات المحتملة. وقال “لولا ذلك، لما وجدنا هذه الجزيئات”. ووصف بول نيغوليسكو هذه العملية الشاقة بأنها “كانت أشبه بالتنقيب عن الذهب”. وأضاف ”كان لعدد قليل جدا تأثير، أقل بكثير من واحد في المئة، مجرد جزء من عُشر النسبة المئوية”، وتبيّن أن عددا أقل بكثير من الجزيئات فاعلة.
لكنّ أبحاث العالِمَين اثمرت في نهاية المطاف، إذ نجح مزيج من ثلاث جزيئات في استعادة حركة البروتين المختلّ ووظيفته الكاملة.
وبعد الترخيص للمرة الأولى في الولايات المتحدة عام 2019 للعلاج الثلاثي الذي أُطلقت عليه تسمية “كافتريو/تريكافتا”، حقق نجاحا كبيرا في جعل المرض يستقر لدى الكثير من المرضى، وصنفته منظمة الصحة العالمية علاجا أساسيا عام 2025. إلاّ أن سعر هذا الدواء لا يزال مرتفعا، والأدوية من هذه الفئة غير فاعلة لدى أقلية صغيرة من المرضى الذين يحملون طفرات أخرى.
وأقرّ بول نيغوليسكو في حديث لوكالة فرانس برس بأن “العمل لم ينتهِ بعد”، مؤكدا التزامه عدم إهمال أي مريض.



















