ثيمة الموت في موائد من رماد – سعدون جبار البيضاني

377

رواية لطفي جميل  محمد

ثيمة الموت في موائد من رماد – سعدون جبار البيضاني

الرواية تأمل عميق في الحياة واستنتاجات ومطارحات لسيرة شخص او مدينة يحتاج الى منظومة خاصة بها لآتها تدوين وقائع خاصة للخداع والتزوير والدس والحقائق والوثائق أكانت حقيقية أو متخيلة من أجل اقناع المتلقي ان هناك رواية ، والرواية أيضا مدن وشخصيات وآثار وأزمنة لذلك يكون تطويع أو تسجيل هذه الرؤى والمكونات أمرا ليس من السهل أن يجعل من المتلقي شريكا فعالا للراوي أو الحكاية ، يقول جاك دريدا ان القاريْ أكبر شريك في عملية انتاج النص  .

          أسوق هذه المقدمة وأنا أقرأ رواية موائد من رماد للروائي د. لطفي جميل محمد الصادرة عن دار ضفاف للنشر ـ الشارقة ـ بغداد 2017 .. الرواية من الروايات البوليفينية متعددة الأصوات تعتمد على تعدد المواقف الفكرية واختلاف الرؤى والآيديولوجية وتنوع الصيغ والأساليب وتشغيل فضاءات السرد بأقصى مدياتها فهناك الراوي العليم الذي جعل من الشخصيات والأمكنة ذات وميض مفاجيْ ونشطة في تحولاتها ، العريف عبد الله، اللواء الركن احمد ناصر كريم بطل الرواية ، القوات الأمريكية ، الميليشيات المتطرفة ، عائلة اللواء احمد لذلك يدور الصراع بشكل مكثف ، أما ثيمة الموت فكانت الهاجس والمسيطر الرئيسي في الرواية وفي كل شخصياتها أو شخوصها (خاصة عندما تجد الروح ذاتها آيلة للجفاف ..أن ما مر وما سيمر من زمن ليس أفدح من الموت ..ص (32وبما أن الموت حدث أسمع صريره ، لا بل خطواته وهي تدنو مني ، طالما آن الانسان له ميتة واحدة لاغير ..ص.(37 وهذه هي هواجس الحرب / الموت ، والرواية تدور أحداثها بين الحرب العراقية ـ الايرانية ، حرب الخليج ، احتلال العراق وكلها يشترك بأحداثها اللواء الركن احمد ناصر آمر اللواء الخامس قوات خاصة .

كان الراوي قد استخدم كل الامكانيات المتاحة لجعل القاريْ شريكا من خلال تزاحم الأحداث (بعد ثلاثة أسابيع تقريبا من استسلام بغداد وعند الساعة الثالثة فجرا، اليوم الذي تلا ذلك اقتحمت قوة من الجيش الأمريكي منزل اللواء احمد ناصر كريم آمر اللواء الخامس قوات خاصة بعد ان حطمت تلك القوة الباب الرئيسي لبيته وسط صراخ زوجته وبناته الثلاثة..ص 14).

تنوع الملفوظات

الرواية حسب رأي تودوروف خلال قراءته لباختين هي التجسيد الأعلى للتداخل النصي والنوعي الذي يعطي تنوع الملفوظات حيزا واسعا للعمل ..

الرواية كتبت باسلوب سلس ولغة انسيابية أتاحت للمتلقي التواصل في القراءة دون ملل وقد حافظ الكاتب على التركيبة الكلاسيكية للرواية بوعي تام  من تركيب الشخصية والبناء الداخلي والأرضية الاجتماعية والمكانية الخارجية وعلاقتها مع الشخوص الاخرى وزاوية نظر الروائي وتوزيع الأدوار على شخوصه بحرفية عالية اعتبارا من مذكرات اللواء احمد ناصر الذي كتب مدوناته التي هي أقرب للرواية بعنوان ( عزلة عبد الله ) والتي حاول طبعها لكن السلطات آنذاك قد منعتها من النشر مما جعل منها ذريعة للتحقيق معه من قبل القوات الأمريكية ، كانت مشاعر اللواء احمد حين امسكنة القوات الامريكية هي الحلقة الاولى من مضمار الصراع بين الموت والحياة ( الرعب الذي يأتي بعد امساك العدو بك فتحيط بك عشرات العيون وهي حبلى بالأسئلة والوعيد بالموت ، الموت الذي سوف لن يكون بينك وبينه أية فواصل ..ص .(33

          ان روح الرواية هي روح التعقيد .. كل رواية تقول للقاريْ ان الأشياء أكثر تعقيدا مما تظن ، انها الحقيقة الأبدية للرواية على حد تعبير ميلان كونديرا في فن الرواية .

          استخدم الراوي كل الامكانات المتاحة له وأقصد كل أركان الرواية والتي تشمل الحكاية والناس والحبكة والمتن الحكائي حسب التسلسل الزمني أو الطبيعي أو كليهما وكذلك المبنى الحكائي  الذي ينطوي على عناصر جمالية ، الراوي العليم أو البطل الذي عبر عن كراهينه ومقته للحرب ( آه أيتها الحرب ، آه كم أنت لعينه وحقيرة ونتنة ، اذ نحن الذين نوقد سعيرها وما ان تستعر حتى تحيل كل شيء الى جيف وذكرى ..ص61) الحرب يجب أن لا تحدث بين بني البشر ، لا تحدث بين عاقل وعاقل ، حتى بين مجنون ومجنون فالعاقل يدرك حجم ثقل الموت عليه وعلى الانسانية ..ص (61)إنني أجد موقدي الحروب ثلة من البشعين المتخلفين والمتخلفين في تفكيرهم عن الآخرين المحبين للحياة ، ذلك لحبهم القتل ..ص 164 ) أما ثيمة الموت المهيمنة على عقول الشخصيات فكثيرة جدا  : ـ

)تمنى الموت برغبة واقتناع كبيرين ، كما تمنى أن لايطول به العمر فيرى أبشع مما يراه الان ..ص (178 الموت هو ان تترك كل شيء وراءك جميل ..يعني هذا ان الموت حالة جميلة ، فعلا هو حالة جميلة ..ص178 ..صورة شعرية جميلة رغم سوداويتها المفرطة  ) .

          الحالات المأساوية للبطل ليس التفكبر بنفسه فقط  ( ليس المهم الآن أن أنجو بنفسي ، فانني ماعاد يهمني هذا العالم أبدا أ أبدا ، أن مايهمني فيه فقط هي عائلتي ، وبناتي .. آه كم أنا قلق عليهن  ص(151

          نهاية محزنة

أحزن ما بالرواية النهاية المحزنه المأساوية الصادمة للبطل اللواء احمد بعد ان أطلقت سراحه القوات الامريكية ويعود الى عائلته وبناته ولكن عند انتصاف أحد الليالي يطرق بابه ويذهب لفتح الباب بحذر وزوجته وبناته يمسكنه بذعر ، عند فتحه الباب اقتحمه أربعة أشخاص ملثمين وهم يصوبون بنادقهم نحوه وسأله أحدهم ان كان هو اللواء الركن احمد ناصر فأجاب بالايجاب حينئذ انسحب اثنان منهم وعلى مقربة من الباب بعد ثوان من ذلك أفرغ الملثمون رصاص بنادقهم في كل جزء من جسد اللواء وغادروا المكان مسرعين لا يتعقبهم سوى صرخات زوجته وبناته ..ص 193 ..عندها انتهت الرواية التي شدتنا واستمتعنا بها .

مشاركة