ثورة المندسين.. السؤال الكبير – عبد الملك الحسيني

780

ثورة المندسين.. السؤال الكبير – عبد الملك الحسيني

“رمتني بدائها وانسلَّت” مثل عربي ينطبق على السلطة الحاكمة في عراق ما بعــــد عام 2003 عندما أطلقت مصطلح “المندسين” ، على المتظاهرين الذين أريقت دماؤهم على مذبح الحرية في ساحة التحرير وهم يطالبون باستحقاق الحياة الذي وهبه الله لسائر مخلوقاته .

الطبقة السياسية الحاكمة وجدت نفسها في وضع صعب أمام الوعي الذي أظهره جيل الشباب ممن عاصر حقبة الاحتلال بعد عام  2003  التي تميزت بالفوضى وتردي الأوضاع في قطاعات مختلفة وعلى رأسها التعليم حيث معظم هؤلاء الشباب لم يكملوا مراحلهم الدراسية بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها عامة الشعب .

شباب الثورة ركزوا على جوانب مهمة في مطالبهم ستصيب كيان الدولة الفاسد في مقتل في حال تم تنفيذها

مفاصل مهمة يطالبون بتغييرها ، قانون الانتخابات الحالي الذي أتاح لنفس الوجوه فرصة البقاء والتسلط طيلة السنوات الماضية ومفوضية الانتخابات ، التي بيدها التحكم بالنتائج النهائية للانتخابات وكذلك مطالبتهم بتعديل الدستور وقلع النظام السياسي من أساسه بسبب ارتكازه على منظومة فساد أهلكت الحرث والنسل وسرقت أحلام الشباب.

لقد بدا واضحا بأن كيل الفساد قد طفح وبلغ سيله الزبى ولم يبق في قوس الصبر منزع عند هؤلاء الشباب الذين أشعلوا فتيل ثورتهم من أجل اقتلاع الجذور الفاسدة في هذا النظام وهدم أركانه وتنظيف جسد الدولة من أدرانه.

واشرأبت أعناق دهاقنة الفساد وسدنة معبده الذين بحوزتهم “مفاتيح القاصة” بعد أن هزهم صوت المظلوم وهتاف القلوب المعذبة محاولين التصدي لدوي حناجر هؤلاء الذين أسموهم ب”المندسين” فضاقت عليهم المنطقة الخضراء ، بما رحبت وزاغت أبصارهم باتجاه “جبل أحد” وبلغت قلوبهم حناجرهم من هول الصدمة وقوة الصمود والإرادة لدى أبناء هذا الشعب المنتفضين وهم يأتونهم من فوقهم ومن أسفل منهم غير آبهين بقمعهم ورصاصهم وقنابلهم . إرادة تميزت بالثبات والإصرار على التغيير وإعلان التمرد على كل مقدس سوى قدسية الدم والشهادة ، لقد اتهموهم بأنهم “مندسون وأتباع السفارات والأجندات المعادية للوطن” وهذه محاولة كما يصفها مراقبون لايجاد ذريعة تلائم الأساليب القمعية المستخدمة ، للحد من زخم التظاهرات المتصاعد

ولكن الصورة الواضحة التي يتفق عليها الجميع بمن فيهم السلطة الحاكمة تتجسد في هذا الواقع المتردي الذي يعيشه العراقيون وهو بحد ذاته يعد إجابة واضحة وصريحة لكل التساؤلات ، التي تطرح حول هذه الثورة ومن يقف ورائها.

وإلى كل الذين يريدون أن يعرفوا حقيقة مايجري في العراق فالواقع يقول لهم :

اسألوا الفلاح عن معاناته في بلد النهرين وأسباب تردي الزراعة في العراق ومن يقف وراء محاربة وضرب المنتوج الوطني ؟!

اسألوا العاطلين عن العمل كيف هي أوضاعهم ؟!

اسألوا الطلبة عن واقع التعليم في المدارس والكليات والمعاهد ؟!

اسألوا الشعب عن الخدمات؟!

اسألوا المرضى عن أوضاع المستشفيات ؟!

اسألوا الخريجين عن خيبة أملهم وضياع أحلامهم ؟!

اسألوا الموظفين عن أحوال دوائرهم ومؤسساتهم ؟!

اسألوا الوزير عن خبرته وانتمائه وتبعية وزارته وكيف هي أولويات التعليمات والأوامر التي يتلقاها؟!

أسألوا أصحاب الدرجات الخاصة عن ماهية الإلتزامات التي يعطونها لكي يحصلوا على مرادهم في وظيفة عليا وماهي أسعار المناصب؟!

اسألوا أصحاب القطاعات الصناعية والمعامل وأصحاب المهن عن واقعهم المتردي وماهو مصير الصناعة الوطنية ومن المسؤول عن تعــــــــــطيلها ودمارها ؟!

اسألوا الأندية الرياضية والأولمبية واتحاد الكرة عن المشاكل والمعاناة وأسبابها وعن تدخلات الأجندات الحزبية والطائفية فيها؟!

اسألوا هيئات ودوائر النزاهة والمؤسسات الرقابية والقضائية عن سبب عدم قدرتهم على تحريك ملفات الفساد وعن مصير مئات المليارات من الدولارات التي اختفت من موازنات الأعوام الماضية ؟!

اسألوا عوائل المفقودين والمغيبين والمعتقلين والمنظمات الحقوقية عن انتهاكات حقوق الانسان في العراق ؟!

اسألوا اللاجئين لماذا تركوا الوطن؟

اسألوا عوائل الشهداء عن أوضــــــــــــاعهم بعد فقد المعيل ؟!

اسألوا الأحزاب الموجودة في السلطة منذ عام 2003 عن أسباب التراجع الذي حصل في البلد في ظل وجود وفرة مالية هائلة ومجتمع دولي ساند ؟!

اسألوا المنظمات الرقابية عن نزاهة نتائج الانتخابات وعن الفضائح التي انتشرت في الأوساط السياسية والاعلامية والمجتمعية حول أسعار المقاعد النيابية ومزاد البيع والشراء ؟

هذه التساؤلات وغيرها يتم تداولها من قبل شرائح مجتمعية مختلفة ولمن يرغب في الإطلاع أكثر بإمكانه أن يسأل عن أشياء أخرى إن تُبْدَ لهؤلاء الحكام قد تسؤهم وتغضبهم وتحرجهم وهي تشكل واحدة من أهم الشعارات التي صدحت بها أصوات المتظاهرين:

فهل يعد العراق في وضعه الحالي بلد مستقل في قراره وذو سيادة وإرادة حرة ؟!

وهل القوى السياسية الحاكمة صاحبة إرادة حرة في اتخاذ المواقف أم أنها تصغي للإملاءات الخارجية؟

الأسئلة كثيرة لمن يريد أن يصيب كبد الحقيقة ولكن السؤال الأهم الذي ربما ستلخص لنا إجابته مجمل الأحداث على الساحة العراقية ، ألا وهو:

هل ما يمر به العراق اليوم من واقع سياسي واقتصادي وأمني وتردي في القطاعات الخدمية وتفشي الفساد ، يحتاج فعـــــــلا الى ثورة شعبية عارمة لتصــــحيح المسار ؟!

إن الإجابة الواضحة على هذا السؤال لم تعد اليوم بحاجة إلى جهد الخبراء لأنها وببساطة باتت تمثل المعاناة الحقيقية لحياة المواطن اليومية .

فاسألوا هذا الشعب إن كنتم لا تعلمون من يقف وراء ثورتهم ؟! …

الوضع العراقي اليوم يشهد تحولا نوعيا في مستوى الرقابة الشعبية على الأداء الحكومي فلم يعد من السهل أن تعود الأمور إلى سابق عهدها بما يخص امتيازات المسؤولين أو الأداء الوظيفي للحكومة ، أما التعويل على عامل الوقت لجعل المواطن يتنازل عن مطالبه أو يصيبه الإرهاق والملل فهو استنتاج خاطيء .

إن سلاح المواجهة العنيفة كبديل عن الحوار لم يجد نفعا والحكمة خير سلاح للذين يبحثون عن وطن آمن ومستقر ، غير أن الطريق طويل في محاربة منــــــظومة الفساد ، لأن نبش “عش الدبـــــــابير” يثير عدوانيــــــتها ولا يخلوا من لسعاتها السامة والمؤلمة .

{ كاتب وصحفي

مشاركة