ثورة العشرين .. شهادة لأحد رجالها

820

ثورة العشرين .. شهادة لأحد رجالها
عبد الهادي الفكيكــي
في الجزء الخامس من لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث المكرًّس لدراسة ثورة العشرين، قال عالم الإجتماع الدكتور علي الوردي طيب الله ثراه شهدت بغداد في رمضان من عام 1920 أحداثاً ذات أهمية بالغة من الناحية الإجتماعية، ومن أهم ما تميزت به تلك الأحداث، إشتداد التقارب بين السنة والشيعة… إلخ . أدرك قادة الحركة الوطنية في عام 1920 أن حركتهم لن يكتب لها النجاح ما لم يتم التقارب والوئام بين الطائفتين على وجه من الوجوه. ويشير نقلاً عن تاريخ القضية العراقية للدكتور محمد مهدي البصير إلى مادة وردت في منهاج حزب الحرس هذا نصُّها يجب على الجمعية جمعية الحرس أن تبدأ قبل كل شيء بتوحيد كلمة العراقيين على إختلاف مِللهم ونِحَلهم وأن تبذل أقصى ما يمكن من المجهودات للقضاء على كل بواعث الإفتراق في الدين والمذهب . وينقل عن فصول من تاريخ العراق القريب للمس بيل ترجمة جعفر الخياط قولها أن الأهمية السياسية لهذا التقارب لم تظهر بصورة جلية إلا في شهر رمضان الذي بدأ في 19 مايس 1920 . وبعنوان المولد التعزية على ص173 قال تميزت أحداث رمضان بإقامة حفلات دينية تجمع بين المولد النبوي على الطريقة السنية ومجلس التعزية الحسينية على الطريقة الشيعية، وهي التي يمكن أن نطلق عليها إسم المولد التعزية . وكانت هذه الحفلات تقام في مساجد السنة والشيعة على التعاقب الأمر الذي لم تشهد له مثيلاً من قبل.
وقال يواجهنا هنا سؤال مَن هو المبدع لهذه الفكرة، أي فكرة إقامة المولد التعزية … وأول من نادى بها ؟ .ويجيب هو نفسه بقوله لدينا في الجواب على هذا السؤال قولان أحدهما للشيخ كاظم الدجيلي، والثاني للسيخ مهدي البصير.
ففي رأي الدجيلي أن هذه الفكرة نشأت على أثر الدعوة التي قام بها السيد صالح الحلي لتعطيل الأعمال في يوم الجمعة…، فقد أراد السيد صالح أن تكون الدعوة عامة يشارك فيها الشيعة والسنة معاً… إلخ. ويقول الدجيلي تعليقاً على ذلك في كتابه أحداث ثورة العشرين بيد أن هذه الفكرة التي غرسها هذا السيد اللبيب أخذت تنمو وتتوسع أسبوعاً بعد أسبوع لأن القوم شرعوا يقيمون في كل جمعة بعد صلاة الظهر في أحد الجوامع، مع إحتفال التلاوة، قصة المولد النبوي ومأتماً لقراءة مناقب سبط النبي الإمام الحسين بن علي. فكانت هذه الحركة المباركة جامعة للسنة والشيعة بصورة ودية لم تتفق في القرون الإسلامية الماضية. . أما الشيخ مهدي البصير كما قال الوردي ، فهو ينسب إبتداع فكرة المولد التعزية إلى نفسه… إلخ 1 ويعلق الدكتور الوردي على ذلك بقوله يبدو أن هذين القولين كليهما صحيحان، وأن أحدهما يكمِّل الآخر… إلخ ثم يقول ومن المحتمل أنه أي البصير إستلهم فكرة المولد التعزية من الجو الفكري الذي كان سائداً في المجتمع آنذاك. معنى هذا أن السيد صالح الحلّي وضع البذرة دون قصد منه، وجاء الشيخ مهدي البصير على أثره فإهتم بها وربطها بالحركة الوطنية…إلخ .
قلت لكن الأستاذ محمد علي كمال الدين وهو احد رجال ثورة العشرين المعتمدين طاب ثراه أفادنا بغير هذا. ففي مذكراته التي ُطبعت بتقديم وتعليق الزميل الأستاذ كامل سلمان الجبوري عام 1986، وتحت عنوان حزب الثورة العراقية ومكتبها في النجف قال نصاً أن الحزب النجفي السرّي أوفد محمد علي كمال الدين وفوّضَهُ في مفاوضة أقطاب بغداد في الإسراع للعمل المثمر قبل نزول الضربة وإكتفى الموفد بمفاوضة محمد جعفر جلبي أبو التمن.
وأنتجت المفاوضة ان يجمع أبو التمن حزبه ويفاوضه في الخطط اللازمة، وعلى أن يحضر إلى كربلاء بمناسبة منتصف شعبان 1338هـ»5 أيار 1920 هناك.
وإنتهز الحزب في النجف هذه الفرصة ودعا جميع الرؤساء والزعماء المتحالفين إلى الحضور في كربلاء وإنتهى مؤتمر كربلاء الى تشكيل وفود في كل بلد لتبدي آراء الشعب إلى حكامها وإصرارها في الإختيار. وقرر أن لا يتصل الزعماء والرؤساء بدور الحكومة مهما أمكن، على أن تقام في بغداد وفي جميع المدن العراقية، المآتم الحسينية والموالد النبوية تحت ستار الدين في الجوامع، وهناك تُلقى الخُطَب لتكون نواة لإقامة المظاهرات وإنتخاب الوفود المفاوضة، وعلى ان تبدأ في بغداد لأنها أبعد عن الثورة المسلحة. وقد أفهم الحزب هذه المقررات بلسان رئيسه الجزائري الشيخ عبد الكريم حضرة المنتدب أبو التمن الذي زار النجف يوم 15 شعبان 1338هـ»5 أيار 1920 . ويشير أستاذنا السيد محمد علي كمال الدين طاب مثواه، إلى دور بغداد الرائد في الثورة الكبرى إذ يقول وبعدها هذا المؤتمر، نُفّذت خططه وقامت قيامة بغداد وتلتها سائر المدن ونُظّمت الوثائق والإحتجاجات في كل مكان… . تحية لذكرى الثورة التحررية الكبرى. وتحية لرجالها وشهدائها الأبطال في الخالدين.
كاتب عراقي
/6/2012 Issue 4235 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4235 التاريخ 26»6»2012
AZP07

مشاركة