ثورة العشرين إطلالة سنوية بطعم وطني

167

ثورة العشرين إطلالة سنوية بطعم وطني

معركة العارضيات أنموذجاً

مارد عبد الحسن الحسون

يفتقد الحديث عن ذكرى الاطلالة السنوية لثورة العشرين طعمه الوطني المبدئي الحقيقي اذا تم الاعتماد فقط على سرد الوقائع فحسب عن  تلك الثورة الوطنية الكبيرة بدلالاتها المعروفة والموثقة عراقيا  اذ لابد من التحليل الموضوعي  الذي يعتمد محتوى  اعترافات الوثائق البريطانية بالنسختين العسكرية والسياسية  وهي ليست قليلة واصبحت في متناول الباحثين حيث تلجأ الحكومات البريطانية المتعاقبة  الى الكشف عن وثائقها بعد مرور خمسين سنة على صدورها .

المؤكد ان هذه الوثائق على درجة من الاهمية لجهة الاعتراف بالصعوبات التي واجهت الحملة البريطانية لأحتلال العراق خلال الحرب العالمية الاولى التي بدأت  في 28 تموزعام 1914 وانتهت في 11 تشرين الثاني عام 1918 وادت بعض ذيولها خلالها الى توقيع اتفاقية سايكس بيكو المعروفة عام 1916 بمصادقة الامبرطورية الروسية وايطاليا وتضمنت وضع البلاد العربية تحت النفوذين البريطاني والفرنسي  وكانت اسبقياتها ، القرار البريطاني لاحتلال العراق ووصول اول طلائع هذه الحملة الاستعمارية  الى رأس الخليج في تشرين الثاني 1914.

 لقد واجه المحتلون البريطانيون  مقاومة وطنية شديدة ادت الى تأخر وصول القوات الغازية الى بغداد حتى اذار عام 1917 ومن وصولها الى كركوك في اب عام 1918 وبتحليل احصائي  استغرقت حركة الغزو اكثر من ثلاث سنوات في المسافة التي قطعتها بين البصرة وبغداد  ان مايهمني  هنا   التوقف عند السياقات العسكرية  وهامش سؤال  مشروع، لماذا استغرقت القوات البريطانية تلك المدة الطويلة حتى تمكنت من بسط نفوذها على بعض مناطق  العراق

 وما تطلب ذلك من  امدادات  كان  البريطانيون يحتاجون اليها لتثبيت نفوذهم في يغداد وفي  بقية  المناطق العراقية شمالا وغربا  والى الشمال الشرقي

 بلا شك ان السبب الاساسي والجوهري في تدمير او تأخير تلك الامدادات  يعود للمقاومة الوطنية العراقية الباسلة التي تصدت للمحتلين بشجاعة نادرة رغم ما كان يملكه المحتلون من اسلحة متقدمة في قياسات ذلك الزمن بينما العراقيون الذين قاوموا لايملكون الا اسلحة بسيطة جدا اغلبها بنادق قديمة اعيد ترميمها   وفي هذا السياق لابد ان تستوقف الباحث المنصف معركة  العارضيات تلك المعركة الاهم في نوعية المقاومة التي تميز بها العراقيون ضد الاحتلال

لقد تمثلت معركة العارضيات بصفحتيها الاولى والثانية ان هدفها ضرب  امدادات القوات البريطانية التي كانت متوجهة الى بغداد بالقطار ووفق الوثائق البريطانية شاركت في التصدي لهجوم المقاومة العراقية قوة عسكرية قوامها اكثر من1200 جندي وضابط حسب الوثائق البريطانية ذاتها ، بينما مجموع قوات المقاومة العراقية  لم يتجاوز 600 مقاتل وباسلحة بسيطة كما اشرت ، ومن هنا تأتي قيمة تلك المعركة  التي وقعت في منطقة العارضيات واتخذت اسمها وهي المنطقة الواقعة شمال قضاء الرميثة  لقد بينت  معركة العارضيات ان تكافؤ الفرص بين الجانبين كان يميل الى البريطانيين بالقوات الكبيرة المتجحفلة ، بينما تميل قوة العزيمة الى المقاومة العراقية وهذا التباين  في الفرص حسمه المقاتلون العراقيون لصالحهم عن جدارة لا شكوك عليها الوضع الذي يعكس الاصرار العراقي على مواجهة المحتلين مهما كانت التضحيات ولجؤ البريطانيين الى محاولات شق وحدة الصف العراقي  من خلال شراء بعض الذمم بالمال والمناصب .

واظهرت معركة العارضيات وحدة الموقف الوطني في اغلبيته من خلال التنوع العشائري للمقاتلين الذين انتظموا في المعركة ، فلقد ضمت التشكيلات العراقية مقاتلين من عشائر بني عارض والاعاجيب والخزاعل وال بو حسان وبني ازريج والظوالم وبني حجيم ، والى ذلك ايضا ان  معركة العارضيات انضجت  قيادات من بين المقاتلين قادوا مجاميع الهجمات وفي مقدمتهم سوادي الحسون الذي اصبح بعد ذلك واحدا من  السياسيين البارزين في الحياة السياسية العراقية فقد انتخب لخمس دورات في مجلس الامة خلال العهد الملكي ،  كما ان من ابرز قادة معركة العارضيات الذين اشار اليهم المررخون  الذين تناولوا تلك المعركة ، الشيخ عبد الحسن الحسون  بالرغم انه كان انذاك شاباً يافعاً ، ومن المشـــــــــاهد الاخرى التي ظلت مطبوعة في الضـــــــمير الوطني العراقي  موقــــــــــف امرأة من بني حجيم اسمها (انجيدة) اسشهد ابنها في معركة  العارضيات وذهبت اليه وسط النيران وامنت نقله لدفنه معززا وهي (تهوس) تأكيدا لشجاعة ابنها  (عربيد اسم امك ياهيبه) وكانـــــــت هذه الســــــيدة قد فقدت زوجها في معركة سابقة ضد الانكليز

ومن النتائـــــــج المهمة التي لم يختـــــــلف عليها مـــــــؤرخو مـــــــــعركة العارضـــــــيات انها دفعــــــــــت الانكليز الى تغيــــــير سياساتـــــــــهم واعلان استعــــــــدادهم للتفاوض من اجـــــــل التخلي عن فكرة الانــــــــتداب على العراق  مدة  طويــــــــلة والاعتراف بأستــــــــقلاله.

مشاركة