ثلاث قصص قصيرة
رماد العيون
ياسين خيرالله الزبيدي
قادته باحة الدار كي يستنشق هواء نقيا وليطرد وحشة ألمت به منذ أن فقد بصره فجأة. اجلسته على الأريكة، قال لها : صفي لي السماء، ردت : سماء بهية لا اثرللغيوم فيها،، رد عليها : ولكن بصيرة قلبي تخبرني أنها ملبدة، قلبي أكثر بصيرة من عيني، رؤية العيون كليلة أمام بصيرة القلب، ردت وبغصة : لم تحاول أن تأتي بالغيوم بالرغم من عدم وجودها؟ ! .
رد عليها وهو يأخذ نفسا عميقا : ولم أنكرها، إن لم تظهر في السماء فهي في قلبي.
مد يده إلى بطنها المستديرة يتحسسها، قال لها : دعيني اتحسسه واستشعر جماله، كم مضى على حملك؟
سبعة أشهر.
ياه الأيام تمضي بشكل مخيف، سيكون هو مزيجا منا، يحمل ملامحنا نحن الاثنين، سيكون هو عكازي وستكونين انت عيناي اللتان تصفان لي ملامحه وترسمان لي صورة هذا الكون.
أوشكت الشمس على الرحيل.
غمغمت : إنه الليل، دعنا ندخل.
ردد : لافرق، الأمر عندي سيان.
نشيد الألم
جعفر صادق المكصوصي
الفجر يرسمُ لوحة زاهية ألوانها ، تتسابق الخطوات مع الوقت المتسارع ، النسيم الصباحي ينعش الأرواح الساعية لكتابة كلمة السطر الأول في هذا اليوم ،في زحمة الشوارع تصحو الأماني فارشة الطرقات بالآمال ، بين جنبيه قضية ترتلها الملائكة وترددها العصافير ، تصرح بها الشمس كل صباح ، همومه تسع العالم ،يدفع أوراقه عبر فتحة الشباك ، ترتد أليه “خارج الضوابط”
تلخص ذاكرته المشهد المأساوي ، على سرير المرض أم تنتظر الدواء ، تشده عربات الذاكرة على سكة قطار الماضي إلى أعماق الألم صديقه المقتول غدراً ، حلمه المصلوب على شجرة الأماني ، إتصال من صديق يدعوه للهجرة عبر البحار ، أطفال يرددون نشيد موطني ، يتذكر تلك الأيام التي كان يردد فيها النشيد في رفعة العلم ، تنشد دموعه قبل كلماته النشيد ، يردد ستشفى أمي ويشفى الوطن ، يهرول مسرعاً بلا إتجاه .
مـلاك الرحـمـة
مـؤيـد الصالحي
كانت تتأمل وجوه الراقدين على الأسرة البيض ، تضع يـدها الحانية على جبين طفل هده الإعياء يغط في نومه ، ثم تعاود النظر عبر زجاج النوافـذ نحو الخارج ، فالليل شديد الحلكة والنجوم أخذت مواقعها في كبد السماء التي بدت صفحتها صافية تماما ، اختلطت أنفاسها مع السكون الذي يلف المكان من حولها ، فهي تدرك جيدا إن عملها الليلي يتطلب منها السهر الذي اعتادت عليه ، راحت تستلقي على الأريكة في الركن المنزوي قـرب النافذة ، فجأة اتسعت فجوة الألم الذي يطرق رأسها رويدا . . رويدا . . منذ حلول المساء ، فلم تفلح معه العقاقير المسكنة التي تناولتها ، فأطرقت تصغي لصوت أنين خافت كان يأتيها متقطعا من الغرفة المقابلة كما لو انه دعوة صريحة للنجدة والاستغاثة ، مما جعلها تتوجه نحو مصدر الصوت ، ثمة فتى لا يتجاوز العاشرة من عمره مصابا بعيار ناري في الجانب الأيسر من الكتف ، أجريت له عملية جراحية قبل عدة ساعات لإخراج الرصاصة الغائرة في جسده النحيل ، مالت ناحيته بانحناءة قليلة ، و وضعت كفها على جنينه تتحسس حرارة جسده ، وأخذت ترمقه بنظرات ملؤها الشفقة ، تنتابها هواجس وأفكار شتى مصدرها حوادث كانت قـد قرأت عنها أو سمعتها ، صارت تتدافع في رأسها متداخلة يبعضها ، وهي مشدودة إلى البراءة المرسومة على ثغر الصغير الراقد أمامها . . تتلاحق في مخيلتها صور متعددة للظلم والجور الذي لحق بالطفل فأودى به إلى هذا المصير ، رددت في سرها : ربما بسبب شجار عائلي مسلح . . ، وأردفت قائلة : ولكن لماذا لم يرافقه احد من أهله ؟ هل ماتوا جميعا في الحادث . . ، أسئلة كثيرة لا تجد لها أية إجابة ، لاسيما بعد استفحال الجريمة وتزايد الاعتداءات المسلحة والخصومات العائلية وشيوع مجالس الصلح العشائرية في السنوات الأخيرة .
بقيت الممرضة الشابة تغوص في لجة أفكارها التي ما انفكت تراودها في هداة الليل ، نسيت معها دوار الرأس الذي أقلقها ، ترزخ تحت وطأة حيرة قاتلة بدأت تتسلل إليها عن حكاية الصغير المطروح على ظهره أمامها كجثة هامدة ، وقـد انقضى الهزيع الأخير من الليل ، وهي مازالت مصوبة بصرها باتجاه الطفل عل السرير الأبيض ، وتارة أخرى ترسل طرفها عبر زجاج النافذة القريبة نحو النجوم البعيدة ، بـرهـة سمعت أصوات أقدام تطأ الأرض تتجه نحوها قادمة من الممر الخارجي ، فإذا بهم مجموعة من الرجال والنساء لم تتمكن من إحصاء عددهم كانوا في اشد حالات اللهفة و الحيرة يستفسرون عن طفل جيء به الى المستشفى اثر حادث مؤسف ، أشارت الممرضة في الحال إلى الطفل الراقد بالقرب منها ، تطلعوا إليه والدهشة تلـفهم ، ثم نظر بعضهم إلى بعض قائلين بنبرة واحدة : ليس هـو . . ،
حاولت الممرضة أن تقنعهم بأنه الطفل الوحيد المصاب في حادث ، الأمر الذي دفعهم للانصراف على عجل مرددين فيما بينهم : ربما يكون في مستشفى أخرى . . ، وسط دهشة الممرضة واستغرابها ، ولسان حالها يقول : أذن من هم ذوي هذا الطفل ، ولماذا لم يسال عنه احد إلى الآن ، عادت إلى مكانها لتستلقي من جديد على الأريكة ، فلم تتمكن من النوم قـط حتى الصباح ، وفي كل لحظة كانت تطمح وتتوقع أن يصل من يتعرف على هـوية الطفل ، استولى عليها الضجر وهي تترك مكانها وتغادر المستشفى على مض تتلفت خلفها ، بعد انتهاء عملها.


















