ثلاث حمائم

قصة قصيرة

ثلاث حمائم

مزهر الخفاجي

مروة ومريم ومرام لسنَ حمائم .. بل هنّ ثلاثة شابات اخوات سكنَّ كالفخاتي  في منطقة محاذية لاطراف بغداد يتجاوزنَّ على قطعه ارض في حديقة ..تركتها امانة بغداد مثلما تركت العديد من مناطقها الخضراء وحدائقها بلا رعاية ..

مروة فتاة ثلاثينية لم يشاهدها ابناء منطقة (بوب الشام) الا بحزامها الجلدي  وهي حتى حين ترتاح بعد كدّ يوم طويل من عملها لاتفارق الهمة وجهها ولا الحزام خصرها…

أما اختها الثانية فهي مريم مطلقة ام لثلاث غيب المرض زوجها …واقعده الفراش وهي المعيلة الوحيده لاولادها وزوجها…

مروة ليس لها اختصاص انما يميز عملها يومياً غرابة نمط العمل الذي تمارسه … فهي صباح كل يوم تمتطي صهوة (ستوتتها) عربتها الصغيره لتوزع قناني (امبوبات) الغاز على بيوت المحلة وتبدأ رحلتها من بوب الشام حتى نهاية منطقة الشعب ..

مروة .. يعرفها اهل منطقتها والمناطق المجاورة لمحلتها بأنها (على باب الله) تدخل بيوت اهل منطقتها وكأنها منهم …

كثيراً ما يعتلي الضيق والحزن والعوز من سيمائها  الا ان همتها لا تفتر .. وحين ينوء الحزن بكلكهِ تترنم مروة  :

فبعد العتمة الظلماء نورٌ

وطول الليل يعقبهُ ضياءُ

أمانينا لها ربٌ كريم

اذا اعطى سيدهشنا العطاءُ

 وحين يشتد مساحة العوز بسبب خلوة الناس وامساكها لبيوتها بسبب مرض (كورونا) تخاطب مروه اختها مريم (خية) الصبر احسن صاحب للفقير وهو كفيل بصنع السلوى…

هكذا هي الحياة لا البدايات التي تتوقعها ولا النهايات التي تريدها  …

جاءت مرام الاخت الثالثه خريجة معهد المعلمين والمتوزرة بقميصها الرث …

وقالت مريم انهضي عائلة بيت ابو سامي يقولون فلتجلب لنا مريم الحصة .. نهضت مريم مسرعه وهي تقول رحمتك يارب هذا هو الرزق اطل علينا (لاحظو ان مريم تعمل في المنطقه عامل دلفري ) لتلبيه الطلبات الجاهزة  لكن ليس في مطاعم  بغداد او مولاتها بل هي تعمل كعامل عند ابناء محلتها لتجلب لهم الحصة التموينيه فهي تاخذ بطاقه الحصة التموينيه المكتوب عليها عدد افراد العائلة واسمائهم لتنقلها بعد ذلك الى بيوت ابناء محلتها بكُل امانه لقاء مبلغ زهيد الف او الفي دينار وتحدث هذه مرة كل اسبوع ..والذي تجود به يد الميسورين يضاف الى ميزانيه …

 (اسرة البنات الثلاث )

مريم تستعير ستوته مروة حين تنتهي من عملها بعد الظهر …

فهي كثيراً ماكانت تمتطي ستوتة_عربة مروة و تفتح المذياع الذي بستوتتها وتغني بهمس مع صوت المغني الذي يقول :

تعبانه نفسيتي ياربي خليني ارتاح

اسندني لو بيه الوقت دار

خليني انسى اكبر جرح صار

وحافظ عليه وضم الاسرار

جهاز تسجيل

ماان وصلت مريم الى جادة شارعهم حتى اخفضت جهاز التسجيل حياءاً من ان يفَّسر البعض صوت مذياعها بالطريقه التي لاتليق بها …

فأنبرت مرام تفتح الباب لها ..ومشاكسة اياها قائلة ؛ عيني مريم ابتسامتك عريضه اليوم ..

فما عليك الا ان تشاركينا فرحتك او جيبك

فأنبرت مروة مدرسة العربي مستقبلة مريم مرددة ابيات شعر تحفظها

ان مثلما قال الشاعر :

الحمدلله في كسر وفي جبر

الحمدلله في ضيق وفي يسر

الحمدلله في كدرَّ وفي فرج

الحمدلله حمداً استطاب فيه  وكل مانملك

هنا انبرت مريم لتجيب اختها مروة الحكمة تقول :-

تعلم الصبر ..فليس كل يوم رائع والحياة ليست دائماً كما نتمنى ..

في المساء بعد ان ينشر الليل ظلامهُ وتجتمع العائلة تجتمع ..نادلة الهم مروة

وصاحبة الخبزة مريم

وام البسطية مرام

والبسطية للذين لايعرفونها (صندوق من الخشب) يوضع عند عتبة بيوت بعض الفقراء لبيع بعض الاشياء البسيطة لاطفال محلتهم رغم ان هذه المهنة اختفت منذ ثمانينات القرن الماضي

الا ان الفتيات الثلاث كنّ يستعنَّ بالبسطية وماتوفره من ربح شحيح ايام انعدام فرص عملهن فكنَّ يعتمدن على مردودها البسيط لتسد قوت يومهن …….

مرةً سأل احد الشباب مريم  ..سؤال لايخلو من خبث ومشاكسه قائلاً لها وقاطعاً الطريق عليها وهي تقود عجلتها الصغيرة تلبي طلب احدى جاراتها التي احتاجت (قنينة غاز )..

 ايتها الحلوة القوية الناعسه الباشطة الم تتعبي من الكد في الصباح الا تقلقكِ وحشة الليل …

فأجابته مريم ببلاغة وصلابة الجنوبيه المعدلة :

خوية ماسامع الذي يقول وانتقوا كلماتكم

وتلطفوا بأقوالكم وافعالكم وتذكروا الجورة وقولو للناس حسناً وعيشوا انقياء

واردفت قائلة : شكراً الك خوية على النصائح واستغفرالله لي ولك…فتركت الشاب مندهشاً

وماان وصلت مريم البيت حتى حلت حزامها …وبللت وجهها بلماء و دخلت غرفتها مسرعه وهي تتفقد وجه زوجها رافد واولادها الثلاث علَ رياح الهواء البارح ترطب وجوههم التي فرفحها الهواء الرطب وتأخر وجبه الغداء عليهم …

وما ان خرجت من غرفتها الصغيره ..حتى دخلت المطبخ الذي وجدت فيه مروة وهي تستعد لتجهيز وجبه الغداء وقد وجدت مروة …ان مريم قد اخذ التفكير منها مااخذ وان الصمت الذي كسى وجهها وصوتها يبين ان ثمه خطب او مشكلة فنادتها مروة (حبيبتي موحه ) وهو اللقب الذي كانت مروة ومرام يلقبن فيه مريم تحبباً لها فانتبهت بعد ذلك الى صوت مروة ونادتها يمعوده اكو شي

احجي ..فردت عليها مريم بصوت مبحوح

الصمت خزينه الطيبين وعدتهم عند البلايا …

الصمت احياناً يعني اننا قد تعبنا من التفكير

مروة : الصمت سلاح الفقراء والصبر عدتهم على الرزايا والدعاء عده الفقراء الذي لايجيده المسيئين ….

حزن الاخت

خلي ناكل …حاولت مروة معرفه حزن اختها لكنها لم تفلح

وقد تحدثت اخيراً مريم مخاطبة اختها مروه : تضايقت كلش من كلام البعض فأنبرت مروة تقول لها درسنا في علم النفس مذهباً في تجاوز المسيء او الظان بك بسوء لا تسعى لتصحيح ظن احد بك فمن اكرمك اكرمه ومن استخف بك فاكرم نفسك بلابتعاد عنه وتستمر مروة في الكلام محاولة تهدئة انزعاج شقيقتها مريم…

 في هذه الحياة سنتعلم كل شيء وحدنا الا العشرة سيقوم شخصاً اخر بتعليمها لنا ارجوكي ..انسي فالقائل حاسد او حاقد

فتجيب مريم مروة وكانها تخاطب نفسها

احنا..نعيش وسط ناس ..يحرقون مابك ومن ثم يتسائلون ما الذي جعلك رماداً …

نعيش في گن (قن) نتوسل الجوع ونرتدي التعب

نحن ثلاثة مسكينات القى بنا الدهر والعوز والحرمان على قارعه الحياة…

 لا احد يطلب محبتنا بل يطلبون اشياء اخرى ..

ثلاثة حاملات هم

ثلاثة قابلات بالمقسوم

ثلاثة نعم نبيع للاخر مايحتاجه من خير لا نباع ..ثلاثة محتاجات لكننا لن نتسول ..ثلاثه عندنا الشرف كلمة والشرف وفاء

ادري ..ادري ..ادري

ان من لا يؤدبه الصبر تؤدبه الحياة حين تدور …

من بعيد …من بعيد ..على صوت مذياع جارتهم ام سعد

يردد فيه …المطرب:

شلك عليه يازمن وشرايد

انطيتك الي تريد مني وزايد ..

هنا اخذت مروه زمام المبادرة فارتجلت تخاطب اخواتها كي تكسر نوبة الحزن التي تسللت على وجهِ وجسد مريم ومرام فتمتمت بعض العبارات  التي امتزج فيها البوح والشعر فقالت:-

لتحاول تحسب للحياة حساب

على الله العظيم الحسبه خليها

المهم لكمة خبزتك بلحلال تكون

هي الدنيا دنياْ الدنيا شعليها

الدنيا شلون رايد منها بس تنطيك

اذا ماانته تنطيها

انا الحمدلله زين باحسن حال

حياتي اني مشاكل ابد مابيها

بس شويه ضيم وفوكه حفنه جروح

على شويه هموم وعادي امشيها …

هنا على المذياع مرة اخرى على صوت المطرب الذي يقول :

شلك علينا يازمن وشرايد؟

فلاذت كُل منهن بغرفتها وتوسدنَّ دمعهن الشحيح …

مشاركة