نبض القلم
ثلاثي التطور – مقالات – طالب سعدون
يمكن تشبيه عملية الانتاج عموما ( العلمي والفكري والانساني ) بمثلت قاعدته تتكون من ركنين هما : المُنتج للفكرة ( كأن يكون عالما ، أو مفكرا ، أو مخترعا ، أو باحثا ، أو مركز بحوث ، أو بيت خبرة … الخ ) ، والثاني : هو الاعلام بمختلف وسائله وهو مكان ( تسويق الفكرة ) الى المجتمع ومناقشتها من جميع النواحي لبيان مدى فائدتها للمجتمع ، أو عدمها ، ثم تصعد الفكرة في حالة جدواها وصلاحيتها الى ( رأس المثلث ) ، وهو السياسي ، أو السلطة ، لكي تأخذ طريقها الى ( التصنيع ) ، أي التنفيذ في مجالها ، وتخصصها ..
وعندها تكون الفكرة قد تحولت من ( خيال ) الى ( واقع على الارض ) ، بعد أن مرت بالمراحل الثلاث ..
وشكل المثلث وتقسيمه يعبر عن إعتماد السياسي ( السلطة ) على الباحث والعالم بكل الاختصاصات العلمية والانسانية ، والاعلام بكل وسائله ..
ذلك ما يقوله أهل الاختصاص والمعرفة ، وهو التسلسل المنطقي والضروري للانتاج بمختلف اشكاله ، وهو ما تسير عليه الدول المتطوره في جامعاتها ، ومراكزها البحثية ، وبيوت الخبرة ، حيث تقوم بانتاج الافكار ثم تطرحها الى الاعلام لتأخذ مداها المطلوب من البحث والمناقشة ، ثم تدخل مرحلة التطبيق وخدمة المجتمع في تطوره العام ..
وأساس التطور هو أن تقوم العلاقة بين الحلقات الثلاث ( العالم والإعلامي والسياسي ) على الاحترام ، وأن تعرف كل حلقة حدودها ، ومجال حركتها ، ودورها دون تداخل بينها ، أو تجاوز من احداها على الاخرى ، أي أن هناك توصيفا دقيقا لكل وظيفة في تلك الحلقات ، ولا يشغلها الا من يستحق أن يحمل إسمها ..
فاين نحن ودول العالم الثالث عموما من ذلك ..؟ ..
وهل تستقيم هذه المبادىء مع المحاصصة ، والتوازن ، والشراكة ، وما الى ذلك من مسميات غريبة على التطور ، وتقتل الافكار والابداع ، وتمنع وجود توصيف دقيق للوظيفة ، وتؤثر على الاداء والناتج ، وعلى البلاد في النـهاية..
وبخصوص الحلقة الاولى ( العالم أو الباحث ) ، وهي أساس عملية التطور..هناك من يتساءل هل يتناسب حجم ( الافكار الاصيلة ) التي تجد طريقها الى التنفيذ في مختلف التخصصات مع هذا الكم الهائل من حملة الشهادات العليا في العالم الثالث ، كما هو في العالم المتطور.. ؟.. وهل يمكن ان يكون هناك تطور اصلا اذا لم تكن هناك مراكز بحوث ، وبيوت خبرة متخصصة ..؟…
أو بمعنى أخر هل استطاع حملة الشهادات العليا أن يخلقوا حركة علمية بحثية تتناسب مع عددهم الكبير ، وتفيد البلاد في النهاية ، أم إكتفى البعض بالشهادة لاغراض الوظيفة والراتب واللقب ، وتحول البعض الاخر منهم الى مجرد مدرس للمادة فقط ، أو( ملقن ) للطلاب ، وقد يتحول مع تقادم الزمن عليه ، وكأنه ( ألة تسجيل ) بعد أن حفظ المادة عن ظهر قلب .. وبالتالي هل ما تبقى من هذا العدد الكبير بامكانه ان يصنع حركة علمية تواكب العصر والتطور ..؟..
ذلك ما يجيب عليه الواقع ، وحال البلاد ، أي بلاد في العالم …
كما أنه ليس كل من يقوم بنشر بحث لمجرد ( الترقية العلمية ) ، يعد ( عالما) بمقاييس التطور العالمية اليوم ، والثورة العلمية التي ليس فيها مجال للحركة الروتينية والتقليدية ، وإنما يقاس علمه بما يقدمه للمجتمع من افكار جديدة تأخذ طريقها للتنفيذ ، أوتحل أزمة معينة ، أو تحدث تطورا معينا في قضية ما ، أو مجال من مجالات الاختصاص والحياة عموما ..
واذا كان الظهور في الاعلام بمختلف وسائله أصبح اليوم سهلا وفي متناول الجميع ، ( عالما وغير عالم ) ، فلا يكفي أن يتحدث ( العالم ) حديثا عاما معروفا للجميع ، أو لغير ذوي الاختصاص ، أو يحلل قضية ما ، وكأنه سياسي ، يجامل هذا ، ويذم ذاك ، بدون أسس علمية ، أو يتقمص دور الاعلامي ، وبذلك يتخلى عن دوره العلمي الصرف ، وفي هذه الحالة يكون المجتمع قد خسر حلقة اساسية من حلقات البناء الثلاث ..
أن حامل الشهادة العليا ينبغي أن يكون عالما يشار له بالبنان ، على مدى الازمان ، وهذا لا يتحقق بالشهادة وحدها ، إن لم يكن باحثا ، ومفكرا ، وعالما ، وله ( بصمة ) واضحة في ميدان اختصاصه ، وتأخذ دراساته تطبيقاتها العملية من قبل الجهات المعنية بعد أن تكون قد اشبعت مناقشة وحوارا في الاعلام لبيان فائدتها او ضررها …
ورجل الدولة يقاس حكمه بانجازاته ومدى تطوره لبلاده ، واساسها الافكار التي يطرحها العالم والاختصاصي كل في مجاله ، وتحصل على تقييمها المناسب من خلال الاعلام بشرط أن يعتمد الحياد ، والابتعاد عن القضايا الشخصية والتضليل ، واعتماد المعايير العلمية والموضوعية في البحث والحوار لمعرفة صلاحية الافكار من عدمها والانفتاح على كل المجتمع وخاصة من أهل الاختصاص ، دون انتقائية لمعرفة رأيه فيها ..
أنها ثلاثية متلازمة ( كالسلسلة ) المحكمة إن فكت إحدى حلقاتها انفرط العقد ، وتصبح كل حلقة تتحرك على هواها دون رابط ، وبالتالي تفقد شكلها ومضمونها ..
وتلك هي ثلاثية الانتاج : العلم والاعلام والسلطة ..
فاين نحن من ذلك اليوم ..؟..
الواقع هو من يجيب هذه المرة ، وليس الاعلام ، ولا السياسة ، بعد أن أخذ الجميع مداه المطلوب في العملية الانتاجية …
ومنه تعرف أساس التطور ومستواه ودور كل حلقة من الحلقات الثلاث فيه بدون رتوش او تجميل ..
{{{{{{{
كلام مفيد :
أن تبقى مجنونا أفضل من أن تتصنع العقل ..


















