نبض القلم
ثلاثية نينوى المتلازمة – طالب سعدون
في مقال سابق – هنا في الزمان – بعد إحتلال الموصل من قبل داعش قلت وكررت في مقالات لاحقة ، بانها ( ظاهرة شاذة وغريبة ) عن المجتمع العراقي ، وستكون زائلة لامحالة ، طال الزمن ، أم قصر، ومهما كانت مساحة الارض التي إمتدت عليها كبيرة أم صغيرة ، لانها ( بذرة ) وضعت في تربة غير مناسبة لمثل هذه الافكار الغريبة ، ولن تثمر حتما ، ولكنها بلا شك كانت تجربة مرة ، وقاسية في معاناتها على العراقيين ، وباهظة في تضحياتها ، وشديدة في وقعها عليهم …
ومن هنا تأخذ معركة نينوى تميزها عن المعارك الاخرى كونها الحاسمة التي ستضع ( النهاية لهذه الظاهرة الغريبة ) التي توقعت موتها من بدايتها ، وان تأخرت كل هذا الوقت ، ولكنها في الوقت نفسه تفرض على السياسيين التوقف مليا أمام هذه التجربة القاسية إنسانيا ، والمكلفة ماديا ، وأن يأخذوا منها درسا مهما في أهمية الحفاظ على وحدة العراق وسيادته ، والبناء على ( المشتركات الوطنية ) ، ومغادرة ( الذاتيات الضيقة ) التي أضرت بالبلاد كثيرا ، ويكون على أساس تلك المبادىء والمهمة النبيلة واستيعاب هذا الدرس تصدر المشهد السياسي ، ومواقع المسؤولية ، وليس على أساس أي إعتبار أخر …
وحسنا فعل مجلس النواب ان سبق المعركة بقرار أكد فيه الحفاظ على وحدة نينوى اداريا ، وأن تبقى على وضعها ما قبل الاحتلال عام 2003 ، أي أن تبقى محافظة موحدة لكل مكوناتها ، وأن لا تكون التضحيات ، ولا المعاناة ، وما أصاب بعض المكونات من أذى سببا لمطالب ذاتية ، أو تجزئتها ، ( تحت مسميات كثيرة قد تبدو مشروعة ودستورية ) ، ودق اسفين الخلاف بين مكوناتها عندما تغيب روح التضامن والوحدة والاخوة والمحبة والتسامح …
وكنت قد توقعت ايضا في مقال سابق في ( الزمان ) قبل ان تبدا المعركة بان معركة الموصل بنجاحها في تعزيز الوحدة الوطنية ستكون البوابة ، ورأس الرمح لإفشال مشاريع التجزئة ، وإعاقة تنفيذ سيناريوهات مختلفة كانت قد وضعت ليس للعراق فقط وانما للمنطقة برمتها …
وستكون لهذه المعركة نتائجها الايجابية الكبيرة على تعزيز وحدة العراق ، وقد تجلت معالمها بوضوح في الجهد العسكري الوطني الذي يمثل الطيف العراقي الجميل بكل الوانه ، وفي التضحيات الكبيرة التي قدمها العراقيون ، وإختلطت فيها دماؤهم الزكية ، وفي الدلالة الوطنية لهذا التنوع الزاهي الذي يمكن ان يكون مصدر قوة وثراء وجمال ، عندما يكون هناك هدف وطني مشترك تلتقي عليه كل هذه الالوان ، وليس عامل ضعف ، كما توهم ممن لم يعرف طبيعة العراقيين ، وان ( الطائفية ) حالة شاذة وغريبة ، ولن يتعاملوا بها ، ناهيك عن هدفها الاساس بتوجيه ضربة قاصمة للارهاب تجاوزت الحدود في هذه المعركة ….
ولذلك لم تكن أي نتائج باهرة يحققها العراقيون على صعيد تعزيز وحدتهم مفاجئة لمن يعرفهم ، لأن هذا هو ديدنهم ، ولأن وحدتهم متجذرة في النفوس والضمائر والعقول ، وليس على الارض فقط ، فكان هناك يقين راسخ بإندحار الارهاب نهائيا في العراق..
وبدلا من أن تكون لامريكا دالة ، أو ميزة ، أو فضل ، أو أي تصرف فيه إشارة صريحة ، أو ضمنية الى ( منة ) على العراق في دحر الارهاب تترتب عليها امتيازات … عليها أن تعرف جيدا بان الارهاب هو أحد صفحات احتلالها الغاشم ومن افرازاته ، وعليها أن تتحمل المسؤولية القانونية والاخلاقية عن كل الضحايا والآلام والدمار الذي حل بالعراق في هذا الاحتلال بكل صفحاته ، بما فيها داعش ، بعد إعترافات كثيرة من امريكيين كبار ، بانها كانت من إفرازات الاحتلال ومن نتائجه …
إن بقاء نينوى على ما كانت عليه بوضعها السابق محافظة بحدودها الادارية المعروفة ولونها ( الطيفي ) الجميل قبل الاحتلال ، وتعزيز وحدة العراق ، والحفاظ على سيادته تعد ثلاثية متلازمة وملزمة ، ولا يجوز التفريط ، أو المساس بأحدها ، مهما كانت المبررات ، وصعوبة التحديات والضغوط والتبريرات ..
{ { { {
كلام مفيد :
( لا تستحي من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه ).




















