ثقافة تنعى نفسها

666

ثقافة تنعى نفسها

إحترام الرأي الآخر

على خلفية ما يحدث داخل المشهد السياسي المخيم حاليًا على ارض البلاد ، وكمية التضليل والمفارقات والتناقضات الهائلة بين كر وفر وشكٍ ويقين ازاء تحليل الحاصل الغير منطقي غالبًا الذي يتلاعب بإنطبعات الكتل او الجماعات وحتى الافراد تحديدًا، بكافة انتماءاتهم وتوجهاتهم، تباينت الآراء واختلفت بحدية مكنتها ان تولد عِداء، و هناك بعض حيادية اختلطت فيها الاوراق حيث تشوهت معالم وجه الحقيقة المفقودة التي أُستهدفت من كل حدب وصوب ..!

وكما هو معلوم، تحظى مواقع التواصل الاجتماعي عبر شبكة الانترنت بشكل واسع حضور كل من يعنيه الامر لمناقشة الوضع الراهن وتبعاته في كل آن من خلال كتابة التغريدات ونشر بعض مقاطع الفيديو والصور التي توثق الطرح وما يترتب عليه من مساندة اومعارضة او انتقاد واستنكار وربما مطالبة ما، من قِبل الناشر، وهنا تأتي الردود المتعددة بين مؤيد ورافض، وما نشكوا منه هو حينما يُقدِم المتلقي رأيه المغاير ووجهة نظره المختلفة تندلع حرب اخرى يتخللها التحدي و يتمسك فيها الطرف الثاني او كلاهما بإثبات صحة رأيه وعدم تقبل الرأي المغاير ولا بأي شكل من الأشكال، ليس هذا فقط بل تتوسع دائرة الخلاف وتتدخل فيه اطراف كثيرة ذات صلة ضمن هذا المعترك النقاشي، للمناصرة والمناظرة او الانحياز لجهة دون اخرى، على حساب علاقات وثيقة قد تربطهم على ارض الواقع قبل رباط الصداقات في العالم الافتراضي وتعبث بها حتى يصل الحال في ما بين البعض للسب والشتم ورفع اصابع الاتهام بل والغاء التواصل مع الآخر لكونه لا يتفق حتى يصل الامر الى القطيعة!

وطن واحد

وخلف الكواليس تجد من يتفرج خلسة ومجاهرة متشفيًا سعيدًا بما حققه من نصر مبتغى في تقسيم ابناء الوطن الواحد وبعثرتهم للنيل منهم عبر ” فرق تسود” فالجميع لا يعلم خفايا الامور ولم تكن الصورة ذات يوم كاملة ولن تكون، بيد ان تأزيم الوضع يقع على عاتق من يستعجل الحُكم والقرار على اساس بعض معلومات غير مؤكدة يتداولها الاعلام المغرض والاعلاميين الذين يفتقر الكثير منهم للمهنية والضمير، وهكذا يمسي الجسد الواحد يشكو هشاشة اعضائه ويتهاوى من فرط ضعفه وقلة حيلته، متمنين له الانهيار العاجل والسقوط الذي لا قيامة بعده..!

هذا ما يستدعي القلق والخوف الكاسر، فإن ثقافة تقبل الرأي المُغاير بين افراد المجتمع الواحد قضية بالغة الاهمية، وانما كيف لنا من بناء سد منيع بوجه العدو دونما قبول مشاركة تنفيذ خطتك وخطتي كُلٌ في جانب معين او دراستها على الاقل، لنرى ايهما افضل او انفع؟ ان نسمع الآخر ونقرأ له ونتقبل رأيه يُعتبر ذلك من علامات النضج الفكري وخلافه لا نستطيع التطور اطلاقًا، أي ان هناك خطأ فادح نرتكبه في عدم تقبلنا اختلاف الآراء، ولا نعي مدى خطورته في هذه المرحلة الحرجة بالذات، والغريب نحن كثيرًا ما نسمع ونقرأ حرفيًا عبارة “اختلاف الرأي لايفسد للوِد قضية” بيد أننا لا نلتمس تطبيقها فعليًا الا ما ندر !.

في مقولة “كل شيء يزيد عن حده ينقلب ضده” ارى ان مِما قُدم في الآونة الاخيرة من مغالاة وتركيز عالِ في كتب تطوير الذات ومحاضرات التنمية البشرية وغيرها لتثقيف الفرد وتطويره، عزفت كثيرًا على وتر “أنت” أنت فقط وأنت اولًا، قد يكون سببًا في ذلك، اي حصلت هناك مبالغة في توجيه الفرد نحو نفسه بإكتفاء ذاتي من خلال ما وفرته التكنلوجيا الحديثة التي تغنيه عن الكثير، وعدم مشاركة الآخرين او الانتفاع من تجاربهم الملموسة وخبراتهم المكسوبة واقعًا، فيرى انه الاجدر بخوض الصراع وتجربته دون مطالعة او ارشاد، حيث ينطبق هذا على الكثير من الشخصيات الفاعلة في المجتمع التي ثابرت واجتهدت لتصل الى مستوى راقٍ يجعل منها واجهات مرموقة تحظى بالمتابعة والتأييد والثأثير البالغ على المتلقي ليطبق ما تدعوا له تلك الشخصية التي قد تكون مستقلة او تابعة لجهة ما…

نعم، قد يكون هناك الكثير مما تعلمناه ومما أُتيح لنا بشكل مبالغ فيه ينعكس علينا سلبًا، فمهما كنا ملمين بأسس القضية دائمًا ما يكون هناك امر مخفيّ لا نعلم عنه، فالامتناع عن اتاحة الفرصة للآخر حتى يفصح عما يدور في فكره و خلق له مساحة تحتويه، بحجة ان لنا الاحقية كوننا مطلعين ونتواجد في الساحة، هو ما يضعنا في دوامة لا مخرج منها، يقول تعالى في محكم كتابه الكريم (لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما اتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) سورة المائدة آية 48? ما يُبين أن مشيئة الله تعالى اقتضت أن يخلق الناس جميعًا مختلفين وهو الذي صيّر هذا الاختلاف وجعله من ثوابت النظام الكوني. ولهذا يعود جل ما يقع على رؤوسنا من كوارث و مصائب، هو عدم التمسك بالتعاليم والاخلاقيات المفروضة التي يقدمها ديننا المعاصرالحنيف، للنهوض بمجتع واعٍ يتحد للقضاء على الآفات التي تفتك به مع كل ما يحتويه من مكونات مختلفة،كما يجب علينا مشابكة اكفنا جميعًا لنصبح يدًا واحدة مهما كثرت الفروع، كون الجذور سقيت بالماء ذاته ..

اختلاف الرأي

هذا و نعود للسؤال الذي يطرح نفسه مرارًا، ما الضير من أني اختلف معك في الرأي ما دمت وإياك نخوض معركة واحدة؟! نعم انت لست وحدك في هذه المعركة وعليك ان تعي بأني رغم اختلاف وجهة نظري في تعاملك مع الاحداث، كن على يقين أني سأقاتل من اجل ان تنال حقك الذي هو حقي ايضًا مهما اختلفت طرقنا، ومهما تعددت الآراء تبقى القضية واحدة والانتماء واحد، سأدافع عن كلينا وعن هذا الوطن، فأنت وانا نكمل بعضنا، فأرجوك ان لا تجعلني اتخبط بينك وبين بلادي كالضرير ..!

حنان حازم الجبوري – كربلاء

مشاركة