ثقافة القطيعة وثقافة التواصل –  طه جزاع

375

في الحاجة إلى التسامح

 ثقافة القطيعة وثقافة التواصل

–  طه جزاع

لعلها من المصادفات المثيرة للانتباه أن يصدر كتاب ” في الحاجة إلى التسامح ” للأكاديمي والمفكر العراقي العربي المُجدد الدكتور عبد الحسين شعبان، بالتوافق مع الأحداث الإرهابية المؤلمة التي شهدتها باريس ونيس وفيينا لاحقاً ، على خلفية رسومات مجلة شارلي إيبدو الفرنسية المسيئة لنبي الإسلام والتي جرحت مشاعر أكثر من مليار ونصف المليار إنسان . ومثل هذه المصادفة إنما تؤكد الحاجة الدائمة لثقافة التواصل مع الآخر من أجل تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام في الذهن الغربي على وجه التحديد الذي اعتاد على نمط من التفكير يربط دائماً بين الإسلام والإرهاب ” الاسلاموفوبيا ” أو ما اصطلح على تسميته من قبل بعض المسؤولين الغربيين بالفاشية الإسلامية ، مستندين في ذلك إلى الأعمال الارهابية التي لا تمثل حقيقة الإسلام وجوهره الانساني ، إنما تمثل المتطرفين لوحدهم ، وهم على أي حال يمثلون ظواهر اجرامية ، في كل دين وملة . ومما زاد القطيعة وسوء الفهم الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تشييع جنازة مدرس التاريخ صامويل باتي الذي ذُبح على يد شاب شيشاني بعد عرضه الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة على تلاميذ مدرسة اعدادية في ضواحي العاصمة الفرنسية ، وما أثاره ذلك الخطاب من غضب واستنكار ودعوات لمقاطعة البضائع الفرنسية في عدد من البلدان الإسلامية ، اضطر معه ماكرون إلى توضيح موقفه وموقف حكومته منوهاً أن كلامه بشأن الاسلام قد تم تحريفه ، وأنه يتفهم مشاعر المسلمين إزاء تلك الرسوم المسيئة .وكتاب ” في الحاجة إلى التسامح ” يصدر أيضاً مع قرب احتفال الامم والشعوب والمجتمعات يوم الاثنين السادس عشر من تشرين الثاني / نوفمبر الجاري بيوم التسامح العالمي ، وهو اليوم الذي أقرته اليونسكو في مؤتمرها العام الثامن والعشرين المنعقد عام 1995 وتم الاحتفال به في اعقاب إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1993 بأن تكون 1995 سنة الأمم المتحدة للتسامح بناء على مبادرة من المؤتمر العام لليونسكو . وهو يتضمن عنواناً فرعياً ” ثقافة القطيعة وثقافة التواصل ” اجتهد مؤلفه د. عبد الحسين شعبان أن يلخص في دراسة فلسفية واجتماعية مكثفة ، مؤشرات الحوار ومعالم الصراع الحضاري والثقافي بين العالمين الاسلامي والغربي من خلال فقه القطيعة وفقه التواصل ، والتسامح والعنف ، وفي معنى التسامح ومبناه ، وثقافة التسامح والواقع العربي – الإسلامي . وتكتسب هذه الدراسة اهميتها من كون أن كاتبها خبير في قضايا حقوق الإنسان ومفكر معروف على صعيد عالمي في قضايا الحوار الحضاري والحريات وحقوق الإنسان ، وسبق له أن قدم دراسات مماثلة ، وشارك في ندوات ومؤتمرات عربية واقليمية وانشطة فكرية وقانونية ذات علاقة بقضايا التسامح واللاّعنف ، فضلاً عن انشطته الاكاديمية والعلمية المختلفة ، وكذلك اشغاله موقع نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان في لبنان والعالم العربي ” أونور ” . وسبق له أن اصدر في العام 2005 كتاب ” فقه التسامح في الفكر العربي – الإسلامي : المواطنة والدولة ” الذي قدم له المطران جورج خضر مطران جبيل والبترون وما يليهما ” جبل لبنان ” للروم الارثوذكس ، بقوله : ” يقيم الدكتور عبد الحسين شعبان في الإسلام إقامة المؤمن وإقامة المؤرخ ، وهو لا – يخترع – إسلامه ولا يبتدِع ، ولا – يعصرن – القرآن ولا يسقط عليه أفهومات ليست منه ، بل يأخذ نفسه بما فيها من حداثة إليه . وما يريحك في مبحث فقه التسامح الإسلامي أن تجد كاتباً هو إياه ، أي باحثاً أكاديمياً وعالِماً في القانون الدولي والعلاقات الدولية وحقوق الإنسان والإسلام ، حرّاً كلياً من المواقف التبريرية أو الإعتذارية ، لا يخشى على الإسلام شيئاً ، إنه يسكن إليه أو يسافر فيه .. فـ – الإسلام – ليس بيتاً من زجاج ، والدين ليس سجلاً عقارياً يدلّك على ما هو لك وحدك ، فإذا كانت الحقيقة التي ورثتها قريبة كما أنا ورثت فنحن واحد ” .

جواباً على سؤال لماذا نحتاج التسامح ؟ يكتب شعبان : ” منذ إعلان اليونسكو 1995 فقد انعقد الكثير من الفاعليات والأنشطة بشأن نشر ثقافة التسامح ، وصدرت كتب ومطبوعات ، وتأسّست منظمات وشبكات لهذا الغرض ، بينها إصدار مركز رام الله لحقوق الإنسان مجلة باسم – تسامح – ، ثم الإعلان عن تأسيس الشبكة العربية للتسامح التي شكّلت دعوة مهنية وحقوقية لمبادىء التسامح ، وكذلك صدور مجلة باسم – التسامح – في عُمان ، على الرغم ان ما يفصلنا عن قيم التسامح الإنساني هوّة سحيقة ، على الصعيدين الفكري والعملي ، علماً بأن قيم التسامح كانت قد تكّرست في مجتمعات سبقتنا في هذا المجال ، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعات ونقد ذاتي ، لا سيّما من جانب النّخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة ، لمقاربة فكرة التسامح والتعاطي معها إيجابياً ، على الصعيد الأخلاقي والاجتماعي ، وإقرارها قانونياً ودستورياً ” . ثم يستعرض المؤلف في القسم الأول ” فقه القطيعة وفقه التواصل ! ” تقسيم الرئيس جورج بوش العالَم إلى معسكرين حين أطلق على الغرب ” دول العالم الحر ” و ” معسكر الخير ” والثاني ” البلدان المارقة ” التي أطلق عليها ” معسكر الشر ” أو دول محور الشر الذي ينبغي القضاء عليه ، راجعاً إلى أصول فكرة التسامح عند فولتير الذي يسميه أبو التسامح بعد جون لوك ، وذلك في كتابه ” التعصّب أو النبيّ محمد ” الذي صدر في العام 1741 منوهاً إلى أن فولتير عاد وصحح موقفه ليكتب رسالته عن التسامح ، التي دعا فيها إلى الأخلاقية القائمة على التسامح الديني بين الشعوب والأمم المتعايشة على أرض الغرب ، والتي تعتبر مرجعاً لا غنى عنه لدراسة مفهوم التسامح ، ومؤكداً  على أن : ” المخيال الغربي هو الآخر يقوم على العدائية للعرب والمسلمين ، لاسيّما بمحاولة تهييج المزاج الشعبي ، بما يعاكس الطبيعة البشرية أحياناً ، باعتبار الإسلام يحضّ على الإرهاب ، وهو دين العنف وعدم التسامح ” . ثم يشير إلى التطور الكبير في قضايا الحريّات والمساواة وحقوق الإنسان، الذي حققته أوروبا والغرب عموماً بعد الثورة الفرنسية العام 1789  وهو ما مهّدت له كتابات فولتير حول التسامح وكتابات مونتسكيو ، وخصوصاً كتاب ” روح الشرائع ” وكتابات جان جاك روسو وبالتحديد كتابه ” نظرية العقد الاجتماعي ” وذلك بتهيئة بيئة ثقافية للثورة . ويتوقف شعبان أيضاً عند صموئيل هنتنغتون في كتابه ” صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ” الذي أضاف فوبيا جديدة ” الخوف أو الرهاب ” من الإسلام ، وعند فرانسيس فوكوياما في كتابه ” نهاية التاريخ ” بمقاربته ما حدث في 11  أيلول / سبتمبر 2001  لتأكيد فرضيته في تجديد الصراع لإحراز النصر النهائي وتحقيق ” العالَم الما بعد تاريخي ” ، منتهياً إلى مناقشة فكرة بيئة التسامح ، مثلما جاءت في إعلان مبادىء التسامح الذي صدر عن اليونسكو والذي تضمن نقاطاً أساسية تتمثل في الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع للثقافات المختلفة ، واحترام اشكال التعبير المختلفة للصفات الإنسانية ، والتسامح الذي يتعزز بمعرفة الآخر والانفتاح والتواصل وأجواء حرية الفكر والضمير والمعتقد . هل كان التسامح وراء اغتيال غاندي ؟ بهذا السؤال يستهل شعبان القسم الثاني ” التسامح والعنف ” ليوضح أن غاندي رغم إيمانه بأن نهج التسامح ليس هو النهج ” الأصوب والأمثل ” إلاّ أنه كما قال لم يجد أفضل منه ، وبذلك فإن خياره هو اللاّعنف والتسامح والمقاومة السلمية – المدنية : ” لكن تلك الأجواء المتسامحة خلقت معها ردود فعل غير متسامحة من جانب بعض المتطّرفين والمتعصبين وأعداء التسامح ، الذين وجدوا الفرصة مؤاتية لهم ، لكي يمرروا نهجهم وسياساتهم ، تلك التي راح ضحيتها أول المتسامحين واكبرهم قدراً وشأناً في تاريخ الهند وهو الزعيم غاندي نفسه ” . ولا يلبث أن يعود الباحث في القسم الثالث ليبحث ” في معنى التسامح ومبناه ” متعقباً الأصول التاريخية الحديثة لفلسفة التسامح ورسالته ، والقوانين البرلمانية الفرنسية والانكليزية ، والرسائل الفلسفية التي تناولت مفهوم التسامح ، وكذلك مجايلي لوك الذين بشّروا بقيم التسامح الديني مثل بيير بابيل وغروتشيوس وسبينوزا ، إضافة إلى فولتير الذي يُعد محطّة مهمة من محطّات فكرة التسامح بعد لوك . ثم يختم بحثه بالقسم الرابع عن ” ثقافة التسامح والواقع العربي – الإسلامي ” الذي يقدم فيه ما أسماه ” قراءة راهنية ” يرصد فيها خمسة مواقف أو إتجاهات فكرية من مسألة التسامح ، هي : الإتجاه الإنكاري ، والإتجاه الإنعزالي ، والإتجاه التغريبي ، والإتجاه التوفيقي ، والإتجاه الواقعي الحضاري ، مستحضراً فيها عدداً من الأفكار والمواقف والاتجاهات في عالمنا العربي الإسلامي ، ومشيراً إلى وثيقة الشبكة العربية للتسامح الصادرة في الأول من أيلول / سبتمبر 2008 وكذلك بيان إعلان تأسيس أكاديمية بناء السلام في مدريد ، ودعوة مفوض جامعة الدول العربية للمجتمع المدني فاروق العمد لدعم فعاليات وأنشطة التسامح التي تنطوي على تأكيد بأن ” قيم التسامح لا تستقيم بدون قيم المساواة والعدالة وعدم التمييز والحق في المشاركة وقبول الآخر ” .

مشاركة