ثقافة التسامح .. حاجة عراقية ملحة – محمود صالح الكروي

808

ثقافة التسامح .. حاجة عراقية ملحة – محمود صالح الكروي

تعيش الدول ضمن مجتمع / مجتمعات متشابكة المصالح والعلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية ، ومتباينة في اساليب حياتها ، وتختلف اراؤها بشأنها ، ولضمان تحقيق الاستقرار والامن والتعايش السلمي في المجتمعات والدول اصبح التسامح من الثوابت لا بل احد ركائز بناء دولة المواطنة والعدل والحضارة والديمقراطية  . و معيارا اساسيا لقياس حضارة وتقدم المجتمعات والدول ، لما له  من اسبقية على الانجازات التقنية والاقتصادية في الدول كافة ، فكل هذه الانجازات لا قيمة لها ان لم تستعمل لخدمة البشر وضمان مصالحهم ومستقبل اجيالهم .  ومن هذا المنطلق جاء اختياري لموضوع  ثقافة التسامح .. حاجة عراقـية ملحة.

مقاربة تاريخية

لم تذكر مفردة التسامح في ثقافتنا العربية القديمة ، ولا في الشعر الجاهلي ومن  بعده ، وكذلك لم       ترد اللفظة / المفردة  في النص القراني الكريم ، انما جاءت مفردات عدة بدلا عنها لتعبر عن التسامح ، ومن تلك المفردات :  الصفح الجميل  ، و العفو  ، و  الغفران  ، كذلك لم ترد في متون الحديث النبوي الشريف انما جاءت على نحو آخر . اما في الثقافة العربية والاسلامية الحديثة ، فقد تدوولت المفردة وفقا للرؤية الغربية الحديثة التي ولد فيها التسامح كمصطلح دال على معنى مفهومي معين ارتبط بمرحلة عاشتها اوربا الغربية قبل عصر النهضة وبعده ، وتجلى ذلك بالصراع الديني الشرس بين اقطاب الدين المسيحي والمصلحين في الغرب ، ما دعا المسيحيين انفسهم الى بلورة مفهوم  التسامح الديني  ومن ثم اخذت الحاجة تتسع اكثر لتكريس مفهوم  التسامح الثقافي  و  التسامح المجتمعي  و  التسامح الحضاري  والتسامح السياسي  والتسامح العرقي ، وغير ذلك ممايتداول ه في العصر الراهن  . اعقب ذلك تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية دولية شجعت المجتمعات والدول المتحضرة المستقلة الى بلورة مفهوم التسامح من خلال توقيع المعاهدات الدولية فيما بينها مثل  الاعلان العالمي لحقوق الانسان في 10/12/1948  وما اعقبه من تطورات ايجابية في مجال الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية وصولا الى صياغة اعلان مبادىء التسامح عام 1995  التي واجهت بعد ذلك وقوع حروب دموية واضرار اقتصادية كبيرة تمثلت بأحداث الحادي عشر من سبتمبر / ايلول /2001 والحرب على افغانستان 2001 والاحتلال الامريكي للعراق في 9/4/2003   وما أعقبها من تداعيات ماسمي بالربيع العربي في تونس مطلع سنة 2011  ومن ثم مصر وليبيا واليمن وسوريا وما نجم عنها من تطورات طالت النظم السياسية فيها ونتج عنها كوارث بشرية ومادية لازالت لم تلتئم جراحها .

الذي يهمنا هو العراق الذي تسبب الاحتلال الامريكي له  بتداعيات كارثية طالت كل مناحي الحياة في السياسة والاقتصاد والمجتمع والتي راح ضحيتها الاف من البشر وتدمير كبير للبنى التحتية ، وانتشار السلوك الطائفي والقومي والعرقي بين ابناء المجتمع  الذي لازالت تداعياته تنعكس سلبا على نسيج المجتمع العراقي . لكل ذلك تبرز اهمية الحاجة الى نشر ثقافة التســــــــــامح بين ابناء المجتمع .

 في مفهوم التسامح

التسامح هو عدم خضوع الانسان الى سلطة الشر في وجوده الذاتي والموضوعي ، ويعني العفو عند المقدرة ، وعدم رد الاساءة ، والترفع عن الصغائر والسمو بالنفس الى مرتبة اخلاقية عالية . والتسامح مفهوم اخلاقي اجتماعي يسهم في تحقيق تضامن وتماسك المجتمعات وحسم الخلافات بين الافراد كونه يزيد من قوة ترابط وحدة النسيج الاجتماعي للمجتمعات وينشر المحبة والتعاون فيما بينهم ، كذلك يسهم  التسامح  في تعزيز حقوق الانسان والحريات العامة .

 وقد جاءت افكار جون لوك  1632 – 1704  الواردة في ثنايا كتابه :  رسالة في التسامح – ترجمة د.عبد الرحمن بدوي  بمفاهيم رئيسة شكلت منطلقا للتعريف والارتقاء بتعزيز ثقافة التسامح ، يمكن ايجازها بالاتي :

  1. 1. لابد من التمييز الدقيق بين مهمة الحكومة المدنية وبين مهمة السلطة الدينية واعتبار الحدود بينهما ثابتة لاتقبل اي تغيير .
  2. 2. رعاية نجاة روح كل انسان هي امر موكول اليه وحده ، ولايمكن ان يعهد بها الى اي سلطة مدنية او دينية .
  3. 3. لكل انسان السلطة العليا المطلقة في الحكم لنفسه في امور الدين .
  4. 4. حرية الضمير حق طبيعي لكل انسان .
  5. 5. يجب الا تتهم المذاهب المخالفة للمذهب السائد في الدولة بأنها بؤر لتفريخ الفتن والوان العصيان ، ان هذه التهمة لن يكون لها اي مبرر اذا ماقام التسامح ، فأن السبب في وجود دواع الفتنة عند المخالفين هو ما يعانونه من اضطهاد من جانب المذهب السائد ، ولهذا فانه متى مازال الاضطهاد واستقر التسامح معهم زالت اسباب النوازع الى الفتنة والعصيان ، فوجود نوازع الفتنة بينهم انما مرجعه الى ما يلاقونه من اضطهاد وعـــــــــــذاب .

 وكخلاصة لما ورد اعلاه ، فان الانسان المتسامح يعمل على تقويض سلطة الشر في نفسه ويعمل على تكريس الخير في ذاته وفي حياته اليومية .كما يعمل على تقويض سلطة الشر بين اقرانه في المجتمع ، وهذا الفعل الانساني الراقي يتحقق في ثلاث مجالات:-

1.ازالة سلطة الشر عن نفس الانسان .

2.تعميق سلطة الخير في نفسه ووجدانه وعقله وضميره .

3.تداول فعل الخير في التعامل بين الناس وفي المجتمع .

ولتحقيق فعل التسامح في الحياة كسلوك انساني ايجابي يتطلب ان تؤدي مؤسسات الدولة والمجتمع المدني في العراق  يتقدمها التعليم دورا كبيرا في تنشئة وتهذيب الانسان من سلطة وفعل الشر في داخله ، وتلك هي وظيفة الانسان / الفرد الجوهرية في حياته ، وهي ايضا وظيفة المجتمع ، كما انها وظيفه علماء الدين على اختلاف اديانهم ومذاهبهم وكذلك وظيفة قادة التعليم والفن والثقافة والاعلام تساعدهم في ذلك المؤسسات الاخرى : كالاسرة والمدرسة والمسرح والتلفاز بقنواته الفضائية والمحلية ، والصحافة الورقية والضوئية وغير ذلك من قنوات التواصل الاجتماعي من اجل نشر وتعزيز وتكريس ثقافة التسامح في بلدنا التي اصبحت حاجة ملحة من اجل تحقيق الاستقرار و التنمية المستدامة والعيش بأمن وسلام دائم .

{ أستاذ العلوم السياسية /جامعة بغداد

مشاركة