ثرثرة في شبك السياسة – مقالات – معتصم السنوي

151

ثرثرة في شبك السياسة – مقالات – معتصم السنوي

 ما يميز الإنسان عن الحيوان، هي علاقة الإنسان القوية الوثيقة بين العقل والمنطق، حتى لقد سمي الإنسان بالحيوان الناطق حين أرادوا وصفه بأنه (الحيوان العاقل)، “في البدء كانت الكلمة” وأول الآدامية كان الكلام. ومتعة الحديث، وأهمية التصريحات والأقوال تكمن في مدى علوها فيه إلى ذروة يتحول عندها إلى فن بديع، هو الفن الذي يسوق به الإنسان مشاعره الدفينة  في عبارة نقية واضحة، فإذا المشاعر التي بدأت عند صاحبها إحساساً مبهماً غامضاً قد تحولت بالحديث إلى قول معقول مفهوم. فسقراط الفيلسوف الذي أرتفع بفن الحديث إلى أوج رفيع، فلم يكن حديثه لهواً أو لغواً، لكنه الأداة التي يولد بها الحقائق من ضمائر حامليها، ففي جوف الإنسان ذخيرة من حكمة ومعرفة، تظل مبهمة في كمونها، حتى يجيئها المحدث البارع فيخرجها على لسانه لفظاً صريحاً واضحاً، وهنا نستذكر مقولة (وايتهد) عن الحديث وقيمته، حيث يقول عن نفسه في أواخر حياته: ” لو أخرجت نفس عن دائرة المعرفة التي اكتسبها من الكتب، والتي كان لابد منها لأداء مهنتي، وجدتني قد لقيت أكثر ما لقيت من تهذيب عن طريق الحديث الجيد الذي طالما أسعدني الحظ أن أحظى به مع الأصدقاء”. من المعلوم كان الحديث أول أداة عرفها البشر في نقل ثقافته، وسيظل أداة لا مندحة عنها إلى أبد الآبدين: فما يساوي الكتاب المسطور إذا لم تقرأه قراءة من يتحدث إلى مؤلفه حيث المتدبر المتفهم الذي يوافقه هنا ويعارضه هناك وماذا تساوي القطعة الفنية إذا لبثت تحدق فيها بعينك دهراً كاملاً، دون أن تحكي لنفسك وكأنما تحدث نفسك عن مواضيع الجمال فيها؟ حقاً إن الإنسان -كما قيل- هو بأصغريه : قلبه ولسانه، فبالقلب يشعر، وباللسان يفصح عما قد شعر به، ولو أقتصر الأمر على قلب يشعر، لما عرفت الدنيا (رسالته لرسول ولا فكرة لمفكر)… ودع عنك إنساناً بغير قلب يخفق أو لسان ينطق، فهو والجماد سواء ما تعانيه المجتمعات العربية، وخاصة مجتمعنا الذي أخذ الأولية في مجال (ثرثرة الحديث)، يتحدث من دون أن يرتبط قوله بفعل أو التركيز على صلب الموضوع الذي هو أساس (العلة) في المجتمع، لكونها تنطلق من مفهومها (الخاص) الذي يصب في مصلحتها وعدم أخذها مصالح الجماهير في الحسبان!! وإذا ما أضطرت وأن (تحدثت) بما يخص الناس فهو من باب المجاملة السياسية ولذر الرماد في العيون ولا يعدو في النهاية عن كونه (للاستهلاك المحلي) أو الدعائي لكسب الوقت وضمان استمرار طموحها غير المشروع!! فلنأخذ مثلاً ما تمّ (التحدث) ويتحدث به عن الفساد الإداري والمالي، فلا تجد مسؤولاً في الدولة والحكومة لم يتحدث به، والنتيجة أن لا شيء قد حصل لمعالجة هذه (الظاهرة) التي تنخر في جسد المجتمع المتعب أصلاً، وهناك أمثلة عديدة يمكن قياسها على بقية المشاكل التي باتت مستفحلة ومُنتشرة في جسد المجتمع، كالبطالة وتردي الخدمات وقضية المهاجرين والمهجرين التي أصبحت مشروعاً دولياً، وغيرها من القضايا التي تمس صميم المواطنين الذين يدورون في أفلاك الأحاديث المنمقة والوعود المكررة!! وصفوة القول: أن ما تحتاجه الجماهير هو (الحديث) الذي ينطلق من القلب ليصيب كبد الحقيقة، ومن النفس لتصب في حياة الناس المتعبة، ومن الروح لملامسة مشاعر الناس المظلومة! فبدون ذلك فاليتحدث (المتحدثون) ما شاءوا فأنهم لا يتكلمون إلا مع أنفسهم، ولن يجدوا أذناً واحدة صاغية لهم لما يدعون به، وسيعيشون أغراباً بين مواطنيهم كما كانوا!! فالحياة أخذ وعطاء، فما تقدمه من خير للناس تجده وقد أينع في ضمائرهم حباً ووفاءً واخلاصاً واستعداداً للتجاوب والعمل المشترك رداً للجميل! وبخلاف ذلك سيكون المردود سلبياً يفاقم صعوبة الحياة ويحولها كابوساً لا يطاق، والعاقبة للمتقين. ما أصدق الفيلسوف “كانت” حين قال” كن كاملاً في عالم نقص، يكمل العالم على مدى الزمن..!

مشاركة