تَأمُلاتٌ في مَدْرَسَةِ الإقْراءِ السُّعوديَةِ – جاسم محمد صالح الدليمي

قُراءُ الحَرَمَيْنِ الشَّريفَيْنِ أصواتٌ للخُشوعِ وَتَراتيلٌ لِلْهُدَى ..تَأمُلاتٌ في مَدْرَسَةِ الإقْراءِ السُّعوديَةِ

د. جاسم محمد صالح الدليمي

مكة المكرمة مهبط الوحي ومنزل آيات الله المباركات قرآنا عربيا يتلوه سيد الخلق والبشر محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) نبي الله ورسوله على سادة الحرف ومنشئي بلاغة الكلمة ومقيمي جزالة العبارة ومنشدي أجمل الأشعار وأبلغ الحِكَم فيسحر نفوسهم وعقولهم فتهتز وجداناتهم وتخبت قلوبهم ويلقون السمع وهم شهداء وشهود على هذه البلاغة وتلكم الفصاحة وذلكم الاعجاز وتقرّ أعينهم بتوحيد الواحد الأحد بعد أن كانت في تيه الشرك وضلاله وتتغنى ألسنتهم بعذوبة آيات الله الطيبات ونظمها المبارك في أركان البيت العتيق وعند كعبته المشرفة ومن سقي زمزم المطهر الى الصفا والمروة ويتسع مداها الى أنحاء بعيدة في الزمان والمكان.

وظلت تلك القراءآت تتلى جيلا عن جيل الى يوم الناس هذا وستبقى مدى الزمان تصدح بها أصوات المؤمنين الموحدين الى أن يرث الله جلَّ شأنه الأرض وما عليها. وتُعد تلاوة القرآن الكريم والتغني بآياته من أسمى العبادات وأجلها التي يحرص المسلمون تعلمها وإجادتها ذلك أن الصوت الحسن الجميل يزرع الخشوع في النفس ويثمِّر منابت الإيمان في القلب والوجدان والشعور ويغذي مدارات الهداية في الروح. إن تحسين الصوت وتزيينه في قراءة كتاب الله مندوب اليه حيث جاء في الذكر الحكيم (وَرَتِلِ القُرآنَ تَرْتيلا) وقوله تعالى شأنه (يَزيدُ في الخَلْقِ مَا يَشاءُ) ذكر المفسرون من ذلك حسن الصوت والصورة وغيرها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ، فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا). وفي العصر الحديث اهتمت حكومة المملكة العربية السعودية الرشيدة بالأماكن المقدسة ولا سيما بالحرمين الشريفين وأولتها رعايتها بناءا وعمرانا وإنارة وتأثيثا وسقيا وعلماء وخطباء وأئمة ومؤذنين وخدمات وحماية وحرسا بما يجعل الوارد اليها خاشعا في أداء عبادته مطمئنا في نسكه آمنا على نفسه وماله وعرضه. لم تتوافر وظيفة قارئ متخصص مستقل في تلاوة القرآن الكريم في الحرمين الشريفين انما القراءة هي من مهام الأئمة المكلفين بالقيام بإمامة المصلين في الصلاة والقاء الخطب وإعطاء الدروس والمواعظ فضلا عن الإفتاء وربما القضاء بين الناس.

وقد حرص أئمة الحرمين الشريفين على إتقان تلاوة القرآن الكريم بقواعدها وأصولها ترتيلا وتجويدا واجتهدوا في تحسين أصواتهم وتزيينها بالأنغام والمقامات التي تناسب تلاوة الآيات المباركات وعدم التوسع بها الى مدار التطريب والتلحين الغنائي بمعنى أن القارئ يعتمد أجزاء المقام الأساسية ابتداء بتحرير المقام ثم أبرز قطعة فيه ويستقر عليها برهة لينتقل الى الجواب العالي ثم الى القرار فالتسليم – ملاحظة اختلاف تسميات أجزاء المقام بين الأقطار العربية – بما جعل تلاوتهم للقرآن تؤدى بعدد معين وربما قليل من المقامات قياسا بمدارس القراءآت القرآنية العربية الأخرى (المصرية والشامية والعراقية) .

من هنا لم تحض قراءة القرآن الكريم وتلاوة آياته المباركات تجويدا وتحسينا بمساحة تناسبها من الاهتمام بها والحرص على تطوير أدائها وتنوع مقاماتها وتوسيع أنغامها وتثبيت أصول وقواعد لها تتميز بها عن فنون القراءة في البلاد والاقاليم العربية الأخرى وتعطيها خصوصية إبداعية بأنغامها ومقاماتها وطرائق أدائها وأساليبها الفنية وصولا بها الى ما يمكن أن نسميه ب(النغمية القرآنية الحجازية) بما يؤسس لمدرسة الإقراء الحجازية تعبيرا عن بلاد الحرمين الشريفين عامة وليس إقليم الحجاز فقط – كما أن مقام الحجاز لا يعني أنه خاص بأرض الحجاز إنما يؤدى في بلاد العرب والعجم – سيما وأن بلاد الحرمين الشريفين تتوافر في تراثها الغنائي والموسيقي على مقامات وأنغام أفادت منها الموسيقى العربية قديما وحديثا فضلا عن مبدعيها المعاصرين من أعلام الموسيقى والغناء في هذه البلاد المباركة وهذا يمثل رصيدا ومنهلا ثرًا (من صور الثراء الموسيقي والغنائي في أرض الحرمين التنوع البيئي الموزع بين البادية ونجد والحجاز والسواحل الشرقية والغربية والحواضر المنتشرة في هذه البيئة وما ينتج عنه من ذوق سمعي ومزاج وجداني لدى المتلقي) يمكن أن يفيد منه قارئ القرآن في بلاد الحرمين الشريفين بوعي منه فيما يأخذ من مقامات وأنغام يوظفها جماليا وفنيا بما ينسجم مع التلاوة القرآنية ويحفظ لها خشوعها وقدسيتها في إطار النغمية القرآنية ويسعى الى تأسيس ذائقة سمعية متطورة لدى المتلقين ولا يخرج بها ناحية التطريب والتلحين الغنائي او التوسع بأداء العِرَب والتلوينات الصوتية فضلا عن أنه يحقق لقراءته خصوصية أدائية – تشم منها رائحة الحرم وتذوق فيها طعم ماء زمزم – تتميز بها كما أنه يطمح الى انتشارها خارج بلاد الحرمين الشريفين.

وفي معاينتنا لواقع قراءة القرآن الكريم في الحرمين الشريفين من خلال تلاوات أئمة الحرم المكي والحرم المدني وبوساطة التسجيلات الصوتية السمعية والمرئية نجد أن أقدم تسجيل هو لقراءتين في الحرم المكي مؤرختين في عام 1885م – 1302هج تتضمن إحداهما ترتيلا لسورة الضحى مدته دقيقة وخمس وعشرين ثانية تقريبا لقارئ لم يذكر اسمه وتلاوة أخرى تم تسجيلها من قبل المستشرق الهولندي المسلم الدكتور كريستيان سنوك هورخرونيه تتضمن تجويدا للآيات 30-32 من سورة فصلت مدته 1.36 دقيقة تقريبا . وبعد أن توافرت أجهزة التسجيلات المسموعة والمرئية وأصبح من اليسر تسجيل تلاوات أئمة الحرمين الشريفين أمكن التعرف الى أشهرها وأكثرها تداولا بين المستمعين وتقييمها بعيدا عن الاعتبار التاريخي للقراءة واقترابا من التقييم الفني الجمالي لها لأن ذلك غايتنا ومدار بحثنا واهتمامنا بطبيعة القراءة القرآنية ومدى تأثيرها في المتلقي استنهاضا لمشاعر الخشوع والتأمل لآيات كتاب الله والتدبر لمعانيه.

يتبين من خلال تحليل التلاوات القرآنية لأشهر أئمة الحرمين الشريفين من قبل متخصصي الموسيقى وخبراء المقامات والأنغام أن أغلب المقامات المعتمدة في التلاوات هي الحجاز والرست والبيات والصبا وبدرجة أقل العجم والسيكاه والنهاوند والكرد – وهذه هي المقامات الأصول في الموسيقى العربية المجموعة بجملة صنع بسحرك – مع تداخل بين هذه المقامات الأصول بمقامات فرعية والانتقال من نغم الى آخر بتوافق وانسجام مثل أن يخرج القارئ من مقام الرست الى الاستقرار على مقام النهاوند أو ينتقل من الحجاز الى البيات أو من البيات الى الرست وهلما جرى ويجتهد بعض الأئمة في تلاوتهم لبعض المقامات مثل الشيخ عبدالله خياط بمقام الحجاز وعلي جابر بمقام الرست والشيخ محمد أيوب بمقام الركبي والشيخ بندر بن ليله بمقام الحجاز الغريب والشيخان الحذيفي والسديس بمقام الرست والشيخ ياسر الدوسري بمقام اللامي العراقي وغيرهم بما اشتهروا به. فضلا عن القراءة النجدية التي هي تلاوة على نغَم معين درج عليه أهل نجد منذ عشرات السنوات، وبتعبير آخر هي مقام لحني ليس من المقامات السبعة الرئيسية المعروفة، لكنه يتوسط مقام “البيات” و”الصبا”، وهو إلى “البيات” أقرب كما قرر ذلك بعض الباحثين.