تونس والعراق.. أشواكٌ أم ياسمين ؟ – طالب الأحمد

65

تونس والعراق.. أشواكٌ أم ياسمين ؟ – طالب الأحمد

حين كنت أعمل في دولة خليجية، قال لي صديقي التونسي قبل ان تعصف ببلاده “رياح الربيع العربي”: يا أخي ما يحدث في بلادك أمر عجيب يفوق الخيال.. كيف تتم سرقة مليارات تكفي لتعمير قارّة دون أن تتم أية محاسبة عليها؟..هل هذا معقول؟!..

وشعرتُ يومها بخجلٍ شديد لم أشعر به طيلة حياتي..لم يكن بوسعي تفسير اللامعقول في المسرح السياسي العراقي وعجزت عن الجواب حينها، فماذا بوسع المرء أن يقول عن “حرامي البيت”؟..

بعد عام واحد من تساؤلات صديق التونسي انطلقت رياح التغيير في تونس في انتفاضة شعبية أسموها “ثورة الياسمين”..وابتهج العرب لأول “ثورة” في تاريخهم المعاصر تحمل لون الورود وليس الدم.

كان صديقي التونسي محتفياً ومنتشياً بزوال الديكتاتورية،..غبطته على ذلك لأن التغيير في بلاده تم بدون الحاجة إلى دبابات أو”إحتلال” أو تدخل خارجي، وبقيت انتظر معه أن تكتمل أطوار مخاض “ثورة الياسمين” ليخرج الوليد من رحم المرحلة الإنتقالية سالما معافى كما نأمل، لكن بعد عشر سنوات على “مخاض الياسمين” جاء الوليد شائهاً بلا هوية واضحة،  ثم تبيّن أن عنقاء الثورة ليس بوسعها تجاوز إرث الرماد..وإن تجار السياسة بوسعهم سرقة الثورات بحرفية من يسرق الكحل من العين!.

اليوم أصبحت تونس تعاني مما يعانيه العراق منذ2003  طغى الفساد في البرّ والبحر مما جنته أحزاب لا برامج لها ولا أهداف سوى الإقتتال على المغانم واقتسام كعكة السلطة، وبالتالي لم تتشكل ثقافة سياسية جديدة تنظر للسياسة والسلطة على أنها وسيلة لخدمة الناس والمصالح العامة..وحتى الذين أرادوا الإصلاح في كلاً من تونس والعراق إرتكبوا الخطأ القاتل وهو السعي لبناء تجربة ديموقراطية عربية قبل بناء الدولة المقتدرة، كانوا يقولون أن “الديمقراطية هي الحل”، ومارسوا التجريب السياسي في تونس بطريقة تعسفية أحيانا كما مارسه الأميركيون واتباعهم في العراق، وهاهم يدركون في الوقت الضائع أنه لا يمكن بناء تجربة ديموقراطية من دون أن يسبق ذلك بناء دولة قوية تحمي التجربة وتوفّر لها مقومات الإستمرار والنجاح.

إجراءات الرئيس

لقد شاهدنا جماهير غفيرة في تونس تبتهج بإجراءات الرئيس “قيس بن سعيّد” رغم كونها متناقضة مع قيم الديمقراطية، وتمثل إنقلاباً على “حلم الياسيمن” حتى لو سلمنا بمصداقية النوايا التي أعلنها في خطاباته الأخيرة.

على أن اللافت للنظر هو أن الجماهير في العراق ابتهجت أكثر من الأشقاء التوانسة بما جرى، واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي العراقية بتعليقات تحيي “بن سعيّد” وتدعو الله تعالى أن يحقق في بلاد الرافدين ما أسموه “المعجزة التونسية” لإزاحة طبقة السياسيين المفسدين!..فماذا يعني ذلك؟

إنه تعبير عن عمق ثقافة الإستبداد في المخيال السياسي العربي، تلك الثقافة التي تربط الخلاص والإنقاذ بالشخص وليس بالمشروع، بالفرد وليس بالجماعة، بالكارزما وليس بالمؤسسة، وقديما قال كونفوشيوس “الشعب الجيد لايحتاج إلى قائد جيد”.

من يتحمل مسؤولية استمرار هذه الثقافة؟..ليس الناس بكل تأكيد، بل النخب السياسية التي عجزت عن إحداث تغيير جوهري في الثقافة السياسية السائدة في عالمنا العربي.

المطلوب الآن هو أن تدرس الطبقة السياسية ، في تونس والعراق، بعمق أسباب تغيّر المزاج السياسي للشارع في البلديّن الشقيقيّن، أكرر التأكيد على أن العلة لا تكمن في الجمهور، فحتى في البلدان التي نسميها متقدمة ولها تجارب ديموقراطية عريقة تشهد تقلبات حادة أحيانا للجمهور من اليسار إلى اليمين وبالعكس، لأن التغيير هو الثابت في الديموقراطية -إذا جاز التعبير-..فحتى لو حكم الأتقياء سيحتاج الناس إلى تغيير ولو في الوجوه.

إذن لابد للطبقة السياسية في البلديّن من مراجعة الأداء في السنوات السابقة ومكافحة فايروسات الفساد والإفساد التي نخرت المشهد السياسي من الداخل، فبدون المراجعة والاعتراف بالأخطاء الكارثية والسعي بجدية وواقعية لتجاوزها..وبدون السعي لنيل شرعية رضا الجمهور بالعمل وليس بالشعارات، لن يكون بوسعنا أن نقطف ثمار انتفاضات وثورات الياسمين، بل سنجد أيادينا مرة أخرى مُدماة بالأشواك، والجميع يعلم أن الشعوب الحية لا تريد أن تزرع الشوك، وستواجه وتُحاسب – عاجلاً أم آجلاً- من يدفعها إلى ذلك.

تلك هي رسالة ما جرى في تونس، فهل من مُعتبر؟.

مشاركة