توظيف المحيط و دلالات اللغة في نصوص الشاعرة

519

توظيف المحيط و دلالات اللغة في نصوص الشاعرة

الشفرة الخاصة في نصوص كه زال إبراهيم

 مهند صلاح

لن أكون هنا من القراء الذين يسطرون قراءات الفقدان لنصوص الشاعر بعد رحيله ؛ أو يحيكون من قناعات الفقد بعضا من ثمار إشتياقهم ؛ فيقعون في فخ العاطفة الذي سيجعلهم يشرعون بكتابة قراءات مبالغ بها .. أعترف بأن كوزال ابراهيم الإنسانة في تطلعاتها قبل كونها شاعرة قد أثرت في دوائر الطول و العرض للمشهد الثقافي خلال فترة قصيرة ، و هي بهذا قد حققت نجاحا مضاعفا ؛ مرة عبر الدفق الشعري الذي إحتوته ملامح نصوصها ، و مرة أخرى من خلال مثابرتها في الإستعانة بأصدقائها لترجمة نصوصها للعربية و لغات أخرى .. سأحاول عبر قراءتي وضع مخطط بياني لبعض من نصوص الشاعرة كوزال ، و هو يعتمد على الإستعمال الفطري للمحيط الجغرافي و توظيف دلالات اللغة بشكل بسيط و سلس ؛ لا يتطلب جهدا في التلقي ؛ ففي نص ( نظراتك تشبه النجوم ) و هو من ترجمة أحمد رجب ؛ تقول الشاعرة :

أنت في أيام الربيع

سقطت من عيون السماء

قطرة قطرة في حضن النرجس

و نظراتك تشبه النجوم

و أنفاسك مشبعة بعطر النرجس

و عيناك عاشقتان خضراوان

انا احب الربيع و النجمة

لأن شعاعهما يمتزج بقامتي

لذا وفي اي وقت تنتهي استراحة النجمة

أنا أأتي

حتى تشم طلعتي

و قامتي برائحة النرجس

تتوجه نحوك ..

إستعملت الشاعرة هنا مواد خام لم تفلترها اللغة أو تجعلها مغايرة بعد عمليات التكرير الكلامي ؛ فمفردات ( الربيع – السماء – النرجس ) ؛ جميعها من المحيط الجغرافي الذي لن تحتاج سوى أن تمد مستشعراتها لتتحسسه و تنقله كما هو نحو منطقة النص الشعري بأدواتها المتباينة على خط الشعر ؛ بالشكل الذي يسمح لنصوصها بأن تكون دافقة و مستمرة في تكوين هالات خاصة يسترشد القارئ منها على تكوين مساحة كافية تجعله قادرا على بناء بصمة خاصة بالشاعرة ؛ لن يكون بعدها بحاجة لمعرفة إسم ( الناص ) لأن جميع إشارات التلقي لديه ستكون مؤشراتها تتجه نحو كوزال التي أجادت في اللاوعي وضع بصمتها الخاصة .. كما إن إستعمال قصائد الهايكو تحت سقف عنوان واحد ؛ أتاح للشاعرة مساحة أخرى تمارس خلالها طقوس الكتابة بشكل إبداعي رغم الإنتكاسات التي وقع بها المترجمين بعد نقلهم للمادة الشعرية للغة العربية دون تصحيحها نحويا . ففي نص ( تُشبِهُ المرأةُ تلكْ ) و هو من ترجمة محمد حسين المهندس جاءت فيه :

1

تُشبِهُ المرأةُ تلكْ

دُميَةً زجاجيةْ،

دميةً ذاتَ رداءٍ أبيضَ،

إنها قلقةٌ مثلُ الظلالِ،

نَحيلةٌ كنَبتَةِ الراوَندِ،

سمراءُ مثلُ القرنفلِ،

وهي حزينةْ،

إنها مثلُ الموسمِ الراحلِ للمطرْ…

2

تُشبِهُ المرأةُ تلكْ

ضَباباً،

ضبابَ ثلوجِ أماسي الشتاءِ…

إنها مثلُ مِصطَبةٍ صامتةْ،

شَبّابَةٍ بينَ أنامِلِ موسيقارْ،

أحدِ أزقةِ قَلادزى،

إنها في المعمورةِ ينتابُها الأسى…

3

تشبهُ المرأةُ تلكْ

زهرةً،

تَتَعطّرُ بها لَوعَةً

أصابعٌ ناعمةٌ لفتاةٍ صغيرةْ…

تشبهُ شِعراً مليئاً بِسَلّة كلماتٍ

منْ تيجانِ زهرةٍ نَضِرَةْ…

تشبهُ تَنَفّسَ غديرٍ بلا ماءْ…

إنها تشبهُ أغنيةً مُحطّمَةْ…

4

تشبهُ المرأةُ تلكْ

شارعاً،

شارعاً في صيفٍ لاهِبْ…

تشبهُ غابةً جَدباءَ بلا ماءْ،

لا يسعُ العصافيرُ بناءَ الأعشاشِ فيها…

5

تشبهُ المرأةُ تلكْ

طائراً،

الطائرَ المهاجِرَ

في فصولِ الحرِّ والبَرْدِ…

تشبهُ رذاذَ المطرِ

وسَهلاً نَدِيّاً بزهورٍ بَرِّيةْ…

إنها تشبهُ عشقَ زوجٍ منَ الحمائمِ

حينَ يعودانَ الى أحضانِ بعضهما…

6

تشبهُ المرأةُ تلكْ

ضحكةً،

ضحكةً تلتَفُّ حولَ خدودِها…

المرأةُ تلكْ تَرتدي ثوباً خفيفاً

منْ صِغارِ خرزِ الأطفالِ،

وجيوبُها مَلأى بالعِطرِ الحرامْ،

تَمطُرُ منها البَسَماتْ…

وحينَ تَمضي بعيداً،

يَرشُقونَها بِحِجارةِ الكفرِ…

7

المرأةُ تلكْ

هِيَ هِيَ شَعرٌ ملونْ…

حروفُها مزرعةٌ،

إنها نغمةُ ألَمٍ

تَمطرُ منْ على شِفاهِها

في غيرِ أوانهْ…

وعلى حينِ غِرَّةْ،

تُضَيِّعُ نفسَها

وتَحتَضِنُ صُورَها…

إنها في كُل ِّ يومٍ وكل ساعةْ،

تَموتُ وتَحيا منْ جديدْ…

8

في قَسَماتِ تلكَ المرأةِ،

وطَلعَتِها،

ومُحيّاها،

غَمامَةُ امريءٍ رقيقِ الحالِ….

ثمةَ بسمةٌ ذاويةٌ ضيفةٌ لديها،

وزوجٌ منْ طائرِ الدمعِ….

وسِربٌ منَ التَّنَسُّمِ الأصفرِ

أضحى رفيقَها وأنيسَها…

هلْ تعلمْ، ماذا تُشبِهُ تلكَ المرأةْ؟

حينَ تَهزأُ أصواتُ الحراسِ

مِنْ أشعارِها،

أو حينَ يرشُقونَها هيَ بِحجارةٍ جارِحةْ،

ستغدو المرأةُ تلكْ

ثلجاً ذائباً،

ويغدو جَسَدُها امرأةً مُترمِّلَةْ…..

إستعملت كوزال كعادتها ثمارها الشعرية لصناعة نصها الخاص ؛ ففي المقطع الأول أدرجت مفردات ( الظلال – نبتة الراوند – زهرة القرنفل – المطر ) و جعلتها تحاكي لغة النص الذي اعتمد في ثيمته الأساسية على ( المرأة ) .. إنها تطرز قصائدها و كأنها ذاهبة نحو منصة ستعرضها بشكل نماذج لموسم جديد من ( أزياء الشعر ) ، و تربطها بشكل محكم مع اللون الأساسي لتتوحد ؛ ففي المقطع الثالث للنص آنفا تسلسلت لغتها لتعرج هذه المرة نحو هدير الماء و الطفولة الباهتة و العطر و الأغاني ؛ أنا لا أستغرب هذا الزخم العالي من الجمال مع بيئة كاللتي عاشتها الشاعرة في كردستان ، و جميعنا يعرف مدلولاتها الجمالية القادرة ذاتيا على فك كل عقد النص و جعله عائما بلا قيود أو حدود تؤطر عمليات ( التلقي / القراءة ) ؛ و عند الإنتقال الى المقطع الثامن من النص ذاته ؛ تبدأ كوزال بإستعمال كيمياءها الشعرية لتحويل الطبيعة الى كائنات زاخرة بالشعر ؛ فهي قد انتجت من النسمة شكلا ذاويا ، و من النسيم لونا ، و هي تدافع عن إمرأة صاخبة بالحب و هزيلة بمعتركات مجتمعها الذي يريد أن تكون انفاسها باهتة .. و في نص ( يدي مترعة بالمطر ) و هو من ترجمة غفور صالح عبدالله ؛ تبدأ الشاعرة بالنزوح نحو إحدى أهم لغات الجسد شعرا ، و هي ( اليد ) ؛ و لا تكتفي بجعلها ثيمة لنصها ؛ بل تصنع منها كائنا مليئا بالحياة و ناطقا بتعرجاتها ؛ فهي تقول :

1

يد مترعة بالمطر

واخرى ممتدة في صفحتي

تعكس سيماء الرماد

ولونها يشبه لون ارجوان

2

يدي مليئتان بالعطاء

ولون جمراتها المتقدة

بسيط كأنامل يد الموسيقي

3

يدي مليئتان بشعاع الشمس

تحشر في حضنها

حزمة من أشجار بنفسجية

وتنثر العطر

فوق أنفاس تعبة

لامراة الأنفال

ذات عيون السوداء الحزينة

خلل جقول الذكريات

4

يداي الخضروان وملونتان

احدى يدي مسرعة

وتستطيع ان تحمل من الأرض

رذاذ المطر نحو السماء

وتمنح نظرة طفل لامرأة ما

لملك الزهور

5

يدي الان

مثل العاصفة والطوفان

تدع شعاع

يدي الاخرى جانبا

وتمنح زوجاَ الحمام الأبيض

6

انا ويدي متشابكان على مدى ليال طويلة

جعلت من أغان في الليالي الؤرقة

الحانا لروحي

يأتون ولايدعون

ان أعود خالية اليدين مرة اخرى

ويضعونني معا واحمال من الذبول

في حضن الأخضر للأرض

7

انا ويدي

اصبحنا في اليباب

لمواسم السنة ،ورقة شائخة وذابلة

8

في موسم يدي

حديقة فؤادي

صارت جمرة لموسم الخريف

“”الخريف لايرأف بأحد

ولايسقط أوراقه لأي كان

سوى للأرض فحسب””

اذا لم يقدم الخريف

يجب ان تغرق وحشة البحار

في موقد شجرة مهجورة

إنها جعلت من اليدين في المقطع الأول نافذتان متعاكستان ؛ الأولى تمطرنا بالحياة ، و الأخرى تحول هذه الحياة لرماد مر ؛ و كأنها تحاول إخبارنا بأن كائناتها الشعرية لن تبقى في مراحل التكوين الأولى ؛ بل ستبوح لنا بنبوءات لم نك قادرين على هظم محتواها سابقا ؛ و في المقطع الرابع إستطاعت الشاعرة أن تصنع حدائقها الشعرية الخاصة ، و هي تهب لمخلوقات يدها بعدا اخر يحولها لمساحة لا متناهية من الإخضرار ، و تضع لنا كامرتان نتصفح من خلالهما جماليات إبداعها و نحن مخيرين حسب قناعتها في الرؤية التي سنختارها ؛ فهي توقد من اليدين إخضرارا لا متناهيا و مليئا بالندى الذي نبحث عنه بعد ليلة ماطرة ؛ و تجعل من اليدين ايضا فعلا معاكسا عندما تحولهما لكائنين يتلذذان بمن يقدم على التوغل في رؤيتهما ؛ أما في المقطع السابع ؛ فإنها تنتقل بنا لموسم اخر من بيئتها و هو ( الخريف الشعري ) ؛ عندما تعطي لليدين إستراحة من توقد الفصول بالحياة ، و تذهب بهما نحو الهدوء و الشيخوخة المؤقتة ..

كوزال إبراهيم ؛ رحلت بجسدها لكنها تركت لنا كنزا جماليا عظيما تتدفق منه روحها أينما حللنا بين جواهره الشعرية ؛ و هي بهذا قد أجادت ترك شفرتها الخاصة و هي تدلنا على فصول رحلتها اللامتناهية ، و كل ما تحتويه من الجمال …

مشاركة