توظيف الفولكلور سردياً – إبراهيم رسول

قراءة في رواية العربانة لحميد الحريزي

توظيف الفولكلور سردياً – إبراهيم رسول

نعم, قد يشير العنوان إشارة فولكلورية واضحة, إلا أن له دلالات وأمثلة كثيرة, أظهرت قيمة الفولكلور كتراث يعتز به الفرد العراقي عبر نصوص سردية, ولعل رواية العربانه من الروايات التي اشتغلت على توظيف الفولكلور سردياً, وربما تعد من أكثر الروايات التي وظفت اللغة الشعبية بهذه الكثافة, فقد وظفَ الأديب اللغة المحلية توظيفاً سردياً صرف, وهي ميزة غالبة على ثلاثيته الشهيرة, ربما فاقت هذه الرواية الغارقة بمحليتها روايات نجيب محفوظ على فارق بينهما, إذ لكل منهما صفات أسلوبية واضحة في سردياتهما, ففي رواية العربانه التي تبدو للوهلة الأولى أنها تبحث عن طبقةٍ فقيرةٍ, والتي شكلت العربانه وهي آلة يبيع فيها الباقلاء والحمص, عبر تجوال في داخل أحياء أو بين سكان القرية, فهي محلٌ متنقلٌ للكسب, الرواية اقتربت من السيرة الذاتية لمحنة الشخصية التي شكلت متوالية من الألم والعذاب إضافة إلى قسوة الظروف, وشظف العيش التي عانى منها الفرد في ريف العراق, والذي تقلبت على سياسته أنظمةٍ شتى, فلم يكن من  بينهما نظام يرعى هذه الشريحة التي تشكل أكثر من ثلثي سكان العراق وتلك مفارقة تدعو للتساؤل! الروائي يعالج هذه الاشكالية عبر توظيف تراكمات كبيرة وكثيرة من المأساة التي عانى منها أبناء الريف, هذه التراكمات أنتجت رواية محكية بلسان شخوصها, الكاتبُ حسناً قد فعل, وذلك عندما ترك الشخصيات تتحرك بفضاء رحب وواسع وبحرية واسعة جداً, فقلمه كان ناقلاً لما يُملى عليه, وهي ميزة طغت وهيمنت على كل الثلاثية, ضاق الريف وشح الرزق فيه و انتقل  مظلوم إلى المدينة, عسى أن يجد فرصة لحياةٍ حرةٍ كريمةٍ, الرواية نسيج أفقي, الخطابُ الذي اشتغلت عليه هو نقد الحالة التي عاشها العراق, ونقد لأنظمة الحكم التي استولت على البلد وأخذت مقدرات الناس, وصار الحياة أسوأ مما كانت, الواضحُ أن الرواية يسارية الفكر, وتجلّى هذا عبر خطاب الكاتب الذي أوضح الآيديولوجية الخاصة المبطنة والظاهرة, فهو اتخذ فكر اليسار سياسياً, وأراد من خلال هذا الفكر أن يسبغَ على الرواية نزعة يسارية, اتضحت لاحقاً بسلوك شخصية مظلوم, الذي هو حمل دلالة الظلم والتهميش والقهر في أغلب سنين حياته.

خطاب مضمر

الحربُ وما تمثلهُ في نفسية الأديب, إذ أظهر الخطاب المضمر للرواية على أن الأديب, كان كارهاً للحرب, وما تخلف من آثار, فلم يعد بالإمكان اعتبار العمل الأدبي أصلياً ولو كان الأمر كذلك, لما كان له معنى بالنسبةِ لقارئه ( قول), وانطلاقاً من مبدأ وحدة الفكرة, فإن الرواية كلها تدور في سياق الفكر النقدي, الرافض لكل مظاهر استغلال البشر لغاياتٍ دونية, النقم على الحرب, الديكتاتورية, الاقطاع, الفقر… كل هذه وغيرها من أمور تجلّت في نفسية الكاتب, وصار يقدم عرضاً ناقداً ناقماً على كل هذه المظاهر السلبية, لعل العمل الذي قاد الكاتب أن يستنطق الشخصيات بلغتها, هو محاولة منه, أن يعيدَ لشخصية المعذبة بعض كرامتها, وما هذه المحاولة إلا انتفاضة قوية بوجه الاستبداد والاستغلال الذي فُرضَ على الشخصيات الأقل حظوة في سبيل الحياة الحرة الكريمة, وكما يقر ميشيل فوكو: إن حدود أي كتاب ليست أبداً واضحة المعالم, إنه _ خلف العنوان والسطور الأولى وآخر نقطة_ خلف ترتيبه الداخلي وتشكله المستقل_ ملحق بنظام من الاحالات لكتب أخرى, ونصوص أخرى وجمل أخرى: أنه عقدة في شبكة.نعم, هذه السلسلة من الأحداث التي يرويها لنا الروائي حميد الحريزي, هي سرديات الكل في الكل, لا بدَّ أن تقرأ العمل السردي كاملاً حتى آخر سطر منه بل أخر جملة, لكي تستطيع أن تمسك بخيط السلسلة السردية التي تكاملت عناصرها بالاشتغال على بث السرد بالأحداث والمواقف التي نمت وتطورت بفعل طبيعة الأشياء, فالأحداث جرت نحو سلم تصاعدي, نحو غايةٍ يعرفها المتلقي في نهاية القراءة. الحلمُ بحياةٍ حرةٍ, هو الشغلُ الشاغل الذي اشتغلَ الكاتب عليها كثيراً, فيذكر في صفحة 27: ( أحلام أتذكرين كم وردة غرسنا على شاطئ دجلة, فما من مكان جمعنا إلا وزرعنا وردة, ألا تذكرين كم فرخ عصفور أعدناه إلى عشه الصغير…) هذا النص هو أمنية والأمنيات من المستحيلات, على بساطة هذه الأمنيات إلا أنها تكون بالكاد مستحيلة ! هذه التفاتة تُحسب للكاتب, فالقضيةُ هي كيفية التنظير لهذه الحياة, اختيار الاسم ( كفاح) للشخصية الرئيسة, لم يكن اعتباطياً بل كان بمهارةٍ عاليةِ الدقة, والاتقان وهي اشارة  إلى حزبٍ يساريٍّ معروف برؤاه وآيديولوجيته الواضحة. اللهجةُ المحلية قد تكون غير مفهومة في بيئاتٍ أخرى غير بيئة اللهجة, وهنا تدخل عملية تلاقح الأفكار والثقافات لتكون بوابة على مزج هذه الرؤى عبر لقاحات تأتي بمفعولها المؤثر. فقد أبرز الروائي في روايته ( العربانه) الهوية المحلية لشعب العراق, بل إنه اشتغل على إحياء الكثير مما له صلة بالتراث, وما هذا إلا تأكيد لتأصيل هذه الهوية ونقلها إلى المتلقي جاهزة وذلك عبر اشتغال كثيف على كافة تقنيات السرد, من لغة وشخصيات وحتى أحداث.. كل هذه كانت في ذهن الكاتب لحظة خلق النص السردي كاملاً, المادة خصبة ومتفاعلة في ذهن القاص, ولكنها تحتاج إلى فنان ليُّصيرَ خلقاً جديداً, نعم الأديب الحريزي كان خالقاً وليس مجرد سارداً, إنه خلق الأحداث وأحيى هوية شعبية مسحوقة وهامشية في نظر السلطة التي حكمت, نجد أن ام كفاح وهي المرأة الطيبة الحنون, تعطي دلالات على عن المرأة العراقية الريفية التي هي جبلٌ من القوة والصبر( ها يمه, صمله..) وغيرها من الكلمات التي لن يفهمها إلا ابن تلك المناطق ! لكن توظيف هذه الكلمات روائياً وجعلها لسان الحكي للشخصية جعل القارئ يتتبع دلالة هذه الكلمات ووظيفتها هنا في الرواية, استدعاء اللسان الشعبي وبهذه الكثافة الغارقة في محليتها تحتاج إلى وضع قاموس يعرف هذه المصطلحات للمتلقي الذي قد يفوته منها الكثير, ثم ظاهرة الأمثال الشعبية التي وردت بكثرة في الرواية حتى قام باحث بتأليف كتابٍ

فكرة جديدة

كامل حولها يستدعي أن ندققَ في هذه الفكرة الجديدة ! كيف نجح القاص برسم الاحداث من وحي واقعٍ عاشه, ونقله عبر مخيلته التي كانت حافظة لهذا التراث ! وكأنه أراد بهذا الخلق إحياء ما يُراد له أن يندثر من تراث شعبي, وقد يأتي اليوم التي تعتز الدولة بتراثها الشعبي فتقوم مؤرشفة وحافظة لهذه الهوية التي تمثل الشعب أو تمثل شريحة كبيرة فيه.

الهويةُ المحلية, كانت تظهر عبر أسماء مدن أو تاريخ مدن أو علامة أخرى تظهر هذه الهوية, لكن في رواية العربانه, يبرز العنوان كعتبة أولى يمثل هوية, وهذه الهوية تجلت عبر تكثيف اللهجة المحلية هيمنة كبيرة, فكانت الرواية عبارة عن حكاية شعبية صرفة, وقد اختفى الكاتب وراء أقنعةِ شخصياته, وتظهر شخصية الكاتب عندما يخاطب المتلقي, فنرى شخصية المؤلف تظهر في لحظة التنظير لتختفي لحظة السرد, وهذه ميزة خطابية تميزت في الثلاثية كلها, إذ كثيراً من تذوب شخصية الكاتب, تاركاً الحكي والصراع للشخصيات أن تخوض حياتها بنفسها, على الرغم من أن الكاتب هو الخالق والمؤلف إلا إن ميزة السرد أن لا يحتكر القاص الحكاية كلها فتكون الرواية عبارة عن سيرة شخصية.

مشاركة