تنومة: استعادة الزمن الجميل في سيرة المكان والانسان

522

تنومة: استعادة الزمن الجميل في سيرة المكان والانسان
عطوان..خبرة السينارست في كتابة الرواية
حسين سرمك حسن
أخيرا، أصدر مبدع عراقي رواية سيرته الذاتية، وهي خطوة مهمة لأننا في الثقافة العراقية نعاني ضعفا كبيرا في أدب السيرة الذاتية قد يكون راجعا إلي قيم العيب والخوف من “الإنكشاف”، أو إلي أننا في تربيتنا العامة لسنا معتادين علي تدوين وقائع حياتنا منذ مراحلها المبكرة، بل لا نحترمها. وقد يعود هذا إلي نقصان الإعتبار الذاتي، وإلي فقدان “التدريب” التربوي الصحيح. وهو جزء من حالة عربية عامة اشار إليها عطوان في “التمهيد” لروايته حين قال أننا أمة لا تقرأ ولا تدوّن، أمة شفوية المعارف. يقول صباح في مقدمة روايته »تنومة« ــ رواية ــ دار جدل ــ دمشق ــ 2011 : »لنأخذ مثلا كتاب »تجاربي عن الحقيقة« للمهاتما غاندي وهو سفر يزيد عن ألف صفحة، ولنفترض أنك انتهيت منه بعد أربعة أيام. تأكد نك ستجد نفسك ملزما أن تعاود قراءته لتري الهند علي حقيقتها في أعوام الأربعينات من القرن العشرين من خلال مؤتمرات حزب المؤتمر وجولات غاندي ولقاءاته بالناس البسطاء وتحمله لتخلف وجهل السياسيين الذين يتغوطون في بلكونات الفنادق الرخيصة التي ينزلون، فيصعد الرجل القديس ليغسل غائطهم بمكنسته، ومن ثم يترفق فينزل إليهم طالبا النزول للاجتماعات.. أي قديس هذا الرجل؟! ــ ص 13«. ثم يدعو بحماسة إلي »أن نشجع أولادنا علي تدوين يومياتهم إن كنا نحن لا نفعل؟ فحين نذهب لا تبقي من خلفنا غير ذكريات بسيطة لأهلنا المعاصرين، سرعان ما تتلاشي بتلاشي الأفراد حين يطويهم الموت تباعا، فندخل بعدها معهم عالم المجهول والعدم، بينما تبقي المذكرات اليومية هي التاريخ المكتوب الذي لن يموت. فالحياة المكتوبة حياة مستديمة، متي ما شاء من هم بعدنا استحضارنا وعايشونا علي ضوء التفاصيل التي نذكر ــ ص 13«.
إن تدوين ذكرياتنا هو عمل خلودي مقاوم ضد الفناء. ومن هذا المنطلق تصدي المبدع صباح عطوان لكتابة سيرته الذاتية، وقد جاءت هذه الرواية ضخمة جدا في »445« صفحة قياسا إلي المرحلة التي يعالجها وهي مرحلة عمرية قصيرة تمتد من الطفولة إلي سن العاشرة. بدءا من طفولته المبكرة في “الزبير” حيث يستدعي بأسلوب رائع وسرد سلس ولغة بسيطة أيام السنوات الخمس الأولي التي عاشها هناك قبل أن ينتقل إلي »التنومة« العزيزة. يتذكر أناسه بدفئهم وعبق أشيائهم.. يتألقون كقطع اللؤلؤ المغسول بالماء لينبجسوا جاذبين زمنهم من قوة الفيزياء في محيط جيلاتيني من العطر ونداوة الأرض، وسنا السندس، وروائح القرنفل، وطعم رشّاد البرّ ورائحة شمّام البطيخ وسكّرية تمر »الديري« الذي يشبه »الشكرلمة« وطعم التراب الندي ومر »الحند?وك« الشهي »ص 44«.
لقد استخدم صباح اللغة العامية العراقية ــ التي كتب بها أجمل المسلسلات والمسرحيات العراقية ــ والتي يعرف روحها وأسرارها بدقة ليعبر أروع تعبير عن آمال وإحباطات شخوصه البسطاء الذين لا يمتلكون خلفيات ثقافية كبيرة تبرر استخدام التعبيرات الفصحي العالية علي ألسنتهم. كما غاص صباح برؤية وخبرة أنثروبولوجي “فطري” مختص في ثقافة المجتمع العراقي ممثلا في مجتمع الزبير والتنومة.. لتصبح رواية سيرته هذه وثيقة لدراسة الشخصية الوطنية والثقافة القومية في ما أسماه »الأنثرويولوجيا الشعبية«. اذهلتني معرفية صباح التفصيلية بأدق النباتات والحيوانات والأماكن والملابس والطقوس والسلوكيات إلي حد أدق لتفاصيل.
لقد قدم الروائي صورة حية نابضة وشديدة المرارة لحيوات أناسه المسحوقين الذين سوف تتعرقهم، فهم، أهلنا في ذاك العراق المذل المريض الجائع : هضيمة وبنتيها وقسمة وعمران ابو زيدان ورابحة وغيرهم.. بشر مذلون مهانون يعيشون علي طريقة كالعيس في الصحراء يقتلها الظما.. لقد صمم صباح مشهدا هائلا لاحقه بعين سينمائية يلخض عذابات العراقيين ومهانتهم آنذاك، وهم يقفون ينتظرون الجنود الإنكليز كي يرموا لهم عطايا أزبالهم جنوب معسكرات الشعيبة بالبصرة، وغرب بيوت مدينة الزبير : »اشرأبت أعناق الكلاب تطاول أكداس النفايات معاينة قدوم سيارة الإعاشة البريطانية المترنحة كبطة عجوز، وطارت الغربان السود، بفزع كاذب أمامها، وتنشق الجميع رائحة حساء العدس والرز المتبل الحار في القزانات.. وحالما توقفت السيارة، وأعطت المزابل مؤخرتها، تدافع نابشوا الزبالة نحوها بحذر وتردد كما تفعل الكلاب، وهم يرقبون عملية التفريغ، وأنا مستثار انبجس برأسي من بين زحامهم القليل. مرت دقائق، ظلت عيوننا ترنو بشغف، وصبر نافد إلي مجرفتي الجنديين وهما تهيلان نفايات الطعام إلي عفن المزابل وأكوام الصفائح وقناني الشراب المحمض ودوائر الذباب الأزرق المطن، وبعض الخيول النافقة ممن كان يستخدمها الجيش البريطاني.. فقد تحفز الجميع باقدامهم العارية المفطرة علي خط شروع وهمي واحد كمن ينتظرون صافرة الحكم لركض المسافات القصيرة،بصدور متقدمة، ووجوه مبوزة مشعرة، ورؤوس معفرة بالقشرة، وبذور الطحالب الطائرة، والقمل والصواب… وضيم الله كلّه ــ ص 63 و64«.
مأزق الوجودية
.. ثم هذا الأب الذي يمثل الصورة المؤمثلة العظيمة للأبوة العراقية المكافحة المقهورة الطيبة والتي يرقي بها صباح إلي مستوي الأسطورة خصوصا وهو يري ــ مثلا ــ جهد الأب الخرافي وهو يتصدي لإخراج الناقة الباركة في طين النهر. لقد آمن صباح ــ كما يقول ــ بأن الله ما هو إلا أب كبير ــ في القرآن يدعو الله عباده إلي أن يذكروه كذكرهم آبائهم ــ في عائلة ملكوته اللانهائي. وكلما مضيت مع ملاحقة علاقة صباح الطفل بابيه الطيب تأكدت من إن القناعة بأن الله الذي في السموات ما هو إلا أب كبير، نابعة من قناعة صباح والإنسان الطفلي المتصالح مع أبيه في الأرض وليس العكس.
وبين موضع وآخر يتوقف الكاتب لـ “يتأمل” التجارب المحيطة به، والمآزق الوجودية المرعبة، وصروف الحياة القاهرة.. يتأملها بروح “فلسفية” عميقة تغوص في أعماق الظواهر وتمسك بجذورها. وهذه اللحظات التأملية العميقة هي روح أي رواية ومعقد قيمتها. يقول صباح :
»كلما قرأت “ألم نشرح لك صدرك”، ينتابني رعب لا من الآية ذاتها، وإنما من الدين برمّته. خاصة عندما يتوازي ذكره مع رؤي متخيلة لآيات تصوّر يوم الحساب وجهنم المستعرة للكافرين، بمشاهد مهولة علي مخيلة طفل رقيق الإحساس مثلي، خصوصا حين كنت أقرأ »خذوه فغلّوه، ثم الجحيم صلوه.. « كنت أجدها شدة بالغة، فأحذر الوقوع بالذنب، لكي لا تنالني تلكم السلاسل.. إنها قسوة غير مبررة أن يشرح صدر الإنسان بالمناشير لأي ذنب كان.. كنت أجهل أسباب العقوبة جهلي التام بمعني الآية. فلدي رؤيتي للفقر والفاقة والتعب والمسغبة التي يتمرغ فيها أبناء آدم، في الحياة الدنيا وقسوة المواقف، التي تفرض عليهم.. تلك التي لا حول لهم، ولا قوة ازائها من خلال ضعفهم الانساني المعهود..كلها كانت موجبات رأفة مخففة للذنب، وبالتالي تخفيف العقاب، خاصة بعد ان أخضعته صروف الحياة، بمغرياتها وتحدياتها بعوامل من رقته، وهشاشة مشاعره، إلي اللجوء إليها. والتي باتت في النهاية لا طائل من ورائها، غير العقاب المنتظر، بالنار، بعد كل ما عاناه في دنياه الفانية من »شلعان ?لب، ومهانة، وطيحان حظ«، وهي النار، التي سيقال لها هل امتلأت؟ فتقول : هل من مزيد؟ ــ ص 103 و104«. وقد أترع الكاتب رواية سيرته هذه، بمشاهد ومواقف حيّة، مررنا بها جميعا في طفولتنا المبكرة، إلا أننا نستحي استدعاءها الآن، بفعل المقاومات انفسية المعروفة، وهي التي تتعلق بالأمور الجنسية.. ومن أين يأتي الطفل؟.. وأين يكمن شرف المرأة، الذي تسيل من أجله الدماء في التنومة، والذي اتضح لصباح الصغير، أنه هو نفسه [= شرف الأنثي] كامن في مجري البول، بسبب تبرير أمّه المسكينة الهروبي بعد أن تورطت وقصة عليه قصة متخيلة عن الإمرأة والبلّام الذي تستوي شهوته فيحاصر المرأة، في الزورق، في عرض النهر، وتحاول الأم عبثا تصبير أسئلة ولدها الملحة علي نتائج الإنهواس الجنسي من لهفة البلّام المسنونة؟!.. ثم المشهد الجنسي الأولي بين الأم والأب والذي يحدد حسب معطيات التحليل النفسي الكاشفة، الصلة المستقبلية بموضوع الحب… إلخ.
لقد عشت في “التنومة” سنة كاملة، خلال الحرب الإيرانية العراقية، إلا أنني لم “أرها” ــ لم أرَ التنومة الحقيقية ــ بصورة صحيحة، ببشرها وعلاقاتها وبيوتها ونباتاتها ونخيلها وطقوسها وجوامعها وصراعها المذهبي المستتر ــ إلا من خلال رواية سيرة صباح عطوان هذه.. وهذه واحدة من أهم عطايا الأدب الكبير
ومن خلال تأمل منحي الوقائع التي يسردها الكاتب، وتصوّره، لعواملها المحرّكة الأصيلة، نتأكد أنه ــ أي الكاتب ــ يمنح العامل الروحي، المباشر المفسر، وغير المباشر والغير مفسر مما ينطوي الآن ضمن علم »الباراسيكولوجي« ــ أهمية قصوي في تحديد سلوكيات الإنسان واستجابات الموجودات من حوله. ولعل الدليل الأهم هو عقدة »مرزوك« الشائكة، والذي حدّثنا عنه بصورة تضعه في مصاف الأساطير العاتية.. وبسماتٍ قريبةٍ من سمات الإنسان ــ واحيانا تفوقها.. فهو يفتتح روايته، بقسم، مستقل عنوانه »تنويه عنه : البعيد القريب«، ليتحدث إلينا، في ثلاث عشرة صفحة، من مجموع ست عشرة عن ما يعدّه »بطله« و »بطل روايته«.. »مرزوك«.. يتحدث عنه بطريقة مربكة تجعلنا في حيرة من أمرنا في تحديد خصائص هذا »البطل«:
».. فقد تطاول بطلي كما كان يفعل علي الدوام شاخصا في عمقي. ممتدا مع قامتي، طائشا في نسيجي كالغاز. فماذا بوسعي أن أفعل أزاء هذا المارق؟ الصلف، العنود، المرود، الطارق، المارق، العزوم، الغروم، المكابر؟ عن كل ما أعرفه فيه من ضعف، هو ليس في حقيقته بأقل قوة، من زلازل الجبال إذا اهتزت. ماذا أفعل حيال هذا الجبروت المستأسد بين أضلعي، السابر الغامر من أدمعي؟ ــ ص 22 و23«.
وتكفي أسماء »التعظيم« هذه لإرباك القاريء، فمن هو هذا البطل ذو السمات الخارقة التي سطرها صباح؟ وما هو سرّ هذا الولع المميت منه تجاه هذا الكائن الذي سيأتي الفصل العاشر من الرواية وعنوانه »مرزوك« ويظهر أنه »غراب« صغير؟ وسأترك للقاريء الكريم مهمة فك سرّ هذا التعلق من خلال قراءة واحد من أمتع فصول الرواية.
تنومة ــ صباح عطوان ــ رواية ــ دار جدل ــ دمشق ــ 2011
/2/2012 Issue 4127 – Date 20- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4127 – التاريخ 20/2/2012
AZP09