تنفيذ القوانين بين الأمس واليوم

تنفيذ القوانين بين الأمس واليوم

عبد الامير كاظم الجوراني

  كانت بلدية كربلاء في السبعينيّات وما تلاها من سنيّ القرن العشرين تضطلع بدوْر أساسي وفعّال في ظهور هذه المدينة المقدسة بالمظهر اللائق الذي تستحقه من حيث كونها مدينة مقدسة يؤمها ملايين الزائرين المسلمين سنوياً ومن مختلف أصقاع العالم . فهي مدينة أبي الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما أفضل الصلاة والسلام) ،  وهي منار وقبلة للمسلمين والأحرار من مختلف الأعراق والأجناس .   لقد كانت هذه الدائرة سابقاً تمارس مهاماً كثيرة وكبيرة ،  ولكن تحت سلطة قانونية لا يستطيع أحد أن يتجاوزها مهما كانت الأسباب والمبررات ،  وفي مختلف مناطق وأحياء المحافظة . وأولى هذه المهام هي مهمة التنظيف ،  فقد كانت شعبة الأقسام في البلدية هي المسؤولة عن التنظيف والتجاوزات ،  وقد كان لدى أصغر موظف في هذه الشعبة وهو (المراقب) سلطة واسعة لردع التجاوزات لدرجة أنه لا يستطيع أحد مخالفتها أو الاستهانة بها . فقد كان هذا الموظف يمثل سلطة مدير البلدية في المحلة المسؤول عن مراقبتها ومتابعتها . وهذه السلطة مدعومة من سلطة القانون واحترام هيبته . لذا كنا نراه يؤدي عمله بكل اخلاص وتفاني وجدية في سبيل المصلحة العامة . وكان المواطن آنذاك ملتزماً هو الآخر بنظافة المدينة ولا يرمي الأوساخ إلّا في محلها المخصص لها ،  وليس بمقدور أي مواطن تشييد وبناء أي عقار له بدون أمر من البلدية ،  وذلك بمنحه اجازة بناء وضمن شروط ،  وأولى هذه الشروط ،  أنه لا يجوز له أن يشغل الشارع بمواد البناء ،  أو أن يقوم برمي الأنقاض في الشوارع بشكل عشوائي مما يعيق حركة المرور والسابلة ويؤثر على مظهر المدينة العام . ومن لم يلتزم بشروط اجازة البناء تقوم البلدية بواسطة مراقب المنطقة بسحب الإجازة وإيقاف عمل البناء لحين إزالة المخالفة ،  ويؤخذ من المواطن المخالف تعهد خطي بعدم تكرار هذه المخالفة . وثاني هذه الشروط أنه إذا قام المواطن بمخالفة أخرى ،  بإضافة بناء خارج ما مذكور في منطوق الإجازة فإن البلدية تقوم بإيقاف عمل البناء ،  ويوجه له انذار بإزالة هذه المخالفة وإذا لم يستجب لذلك تقوم البلدية بواسطة عمالها وبإشراف مراقب البلدية بتهديم البناء الإضافي ،  إضافة إلى تحمّل المخالف أجور تكاليف الهدم .

وعندما يقوم مراقب البلدية بتفتيش منطقته أثناء الدوام الرسمي ،  يقوم بإبلاغ أصحاب المعامل والمطاعم والمحلات التجارية بعدم رمي الأوساخ في الشارع ،  بل يجب عليه وضعها في أكياس خاصة للنفايات تقوم بتوزيعها البلدية على المواطنين مجاناً ومن ثمَّ يقوم بوضعها في الأماكن والحاويات المخصصة لها،  ليقوم عمال التنظيف بعد ذلك بحملها وإتلافها خارج المدينة.وكان مراقب البلدية كذلك يتابع مسألة عدم اشغال الأرصفة من قبل أياً كان ،  لأن الرصيف تابع إلى أملاك الدولة ومخصص لمرور السابلة فلا يجوز إشغاله لغرض العمل وكسب المال والتجاوز عليه ،  فذلك يشوه المظهر العام للمدينة . وكذلك عدم نصب كشك أو ما يطلق عليه الآن (بسطية) لممارسة الأعمال التجارية ،  وإذا لاحظ المراقب مخالفة أو تجاوز من قبل الكسبة أصحاب المحلات التجارية من خلال إشغالهم للرصيف في عرض سلعهم لبيعها ،  وأنهم غير مبالين لتوجيهات المراقب واحترام القانون ،  فإنه يقوم بكتابة تقرير يطلب فيه قطع التيار الكهربائي عن المحل أو الفندق أو المطعم المخالف . وفعلاً يتم قطع التيار ولا يعاد إلّا بدفع غرامة نقدية كرسم لصندوق البلدية . كما يقوم مراقب البلدية بإبلاغ دائرته بتقرير يكتبه عن العرصات المتروكة وغير المسيّجة ويطلب فيه توجيه الإنذارات إلى مالكي هذه العرصات بضرورة تسييجها وإلّا تتعرض عرصاتهم إلى المصادرة بعد إنتهاء مدة الإنذار الموجّه إليهم .أما البيوت التي يلاحظها مراقب البلدية وهي آيلة للسقوط فإنه يوجّه إلى مالكيها إنذاراً تحريرياً بإزالة الخطر عن المارة في حالة سقوط هذه الدار ،  وإذا لم يستجب مالك الدار إلى الإنذار القانوني ،  فإنّ البلدية تقوم بتهديمها وإزالة الخطر عن المواطنين وتكبيد المالك أجور الهدم .أما إذا لاحظ المراقب تسرّب ماء من بعض دور المواطنين أو المحلات التجارية إلى الشارع العام ،  فإنه يقوم بتبليغ هؤلاء المواطنين بضرورة منع تسرب الماء إلى الشارع ،  وإذا لم يتم الإستجابة لذلك فإن المراقب يطلب من دائرته قطع مجرى الماء عن المخالف وتكبيده غرامة إعادته ،  وهذه الغرامة تدفع أيضاً إلى صندوق البلدية وفق وصولات رسمية. ذلك أنّ تسرب الماء يعتبر هدراً في الثروة المائية إضافة إلى مظهره غير اللائق وتأثيره على حركة ومرور السابلة .ولا يفوتنا أن نذكر هنا أنّ مراقب البلدية كانت فوق سلطته هذه ،  سلطة أخرى تراقب تنفيذه لمهامه القانونية بصورة عادلة وسليمة ،  منعاً للمحاباة والمجاملة والإبتزاز . وكانت سلطة مراقبة ومتابعة عمل المراقب تبدأ من شخص المحافظ وتنتهي بملاحظ أقسام البلدية ،  مروراً بالسيد مدير البلدية ومن يعنيه هذا الامر من مسؤولي المحافظة .

   وكلنا يذكر أنه في فترة السبعينات قامت بلدية كربلاء وبالتعاون مع مرور كربلاء برسم خطوط عبور المشاة في أماكن متعددة من الشوارع العامة وكان يغرم بغرامة فورية كل مواطن لا يعبر من تلك الأماكن المخصصة للعبور ،  وقد التزام المواطنون الكربلائيون بذلك الأمر التزاماً كبيراً بسبب سلطة القانون وقوته وهيبته بحيث لا يتمكن أحد من أن يتجاوزها . وإنّ هذه الخطوط والإلتزام بالعبور عليها ما هو إلّا ظاهرة حضارية نراها في المجتمعات الأوربية المتحضرة .أما اليوم فنلاحظ شوارع المدينة وأرصفتها مكتضة الباعة والبسطيات وسلع المحلات التجارية لدرجة أضاعت معالم المدينة الجميلة وأثرت على شكلها ونظافتها ،  كما في شارع (سيدنا أبي الفضل العباس عليه السلام) ،  فأرصفة هذا الشارع الحيوي مشغولة من قبل أصحاب المحلات والمطاعم ابتداءً من التقاطع الإشارة الضوئية وحتى المصرف العقاري بمرأى ومسمع من بلدية كربلاء الواقعة بنايتها في نفس الشارع ،  وهذا الأمر يثير تذمر المواطنين لصعوبة السير على الأرصفة مما يجبرهم على السير في الشارع رغم المخاطر التي قد يتعرضون لها ،  فلا أدري هل أن بلدية كربلاء تبصر ذلك ام لا تبصر ؟؟ أو انها تخشى أحداً ولا تستطيع تنفيذ القانون أم لا ؟؟ أم هي مجاملات على حساب راحة وأمن المواطن الكربلائي !!

  لذا يجب العودة إلى تفعيل السلطة القانونية لدى مراقبي البلدية وحمايتهم من التعدي والتجاوز من قبل المخالفين من أجل إظهار مدينتنا المقدسة بأبهى صورها فاليوم وعند مرورك بأيّ حي من أحياء المدينة فإنّ قلبك يعتصره الألم من صور النفايات والأزبال والأنقاض المنتشرة في مختلف أحياء المدينة من دون أي رادع وتوجيه قانوني يمنع تشويه منظر هذه المدينة ،  بالرغم من قيام عمال البلدية بتنظيف أحياء المدينة يومياً ولكن دون جدوى بسبب عدم وجود المراقبين الكفوئين والمحميين بسلطة القانون .وهناك ملاحظة مهمة يجب ذكرها هنا ،  ألا وهي منصب مدير بلدية كربلاء ومن يشغله ،  فقد كان في السابق يشغل هذا المنصب الحيوي شخص معروف من بيوتات كربلاء القديمة والمعروفة ،  بحيث يكون على دراية تامة بكل صغيرة وكبيرة في المدينة ،  إضافة إلى قيامه بعقد اجتماعات دورية مع وجهاء وشخصيات المدينة للوقوف على ما تحتاجه المدينة من خدمات وما شابه ذلك قدر تعلق الأمر بالبلدية .وأخيراً هذه دعوة إلى أعضاء مجلس محافظة كربلاء المقدسة والإدارة المحلية ،  والبلديات للإلتفات إلى هذا الأمر الحيوي من أجل إظهار مدينتنا الحبيبة بمظهر جذاب وجميل يليق بماضيها وتاريخها وقدسيتها ،  وذلك من خلال الخروج من مكاتبهم والتجول في المدينة وضواحيها ومشاهدة الوضع المزري الذي تعانيه من كثرة رمي النفايات والأوساخ والأنقاض في أماكن غير مخصصة لها ،  إضافة إلى إشغال الأرصفة بالباعة والبسطيات وجزء من الشوارع المحاذية لهذه الارصفة ،  مما جعل المدينة تظهر بمظهر غير لائق . إضافة إلى كثرة عربات الدفع والستوتات والدراجات النارية والتي تثير تذمر المواطن بشكل كبير لما تسببه من إزعاجات ومخاطر .

فهل من مجيب لهذه الدعوة ؟؟

مشاركة