تنظيم المؤسّسة العسكرية والأمنية – عماد علوّ

ملاحظات على الأسس الدستورية

 تنظيم المؤسّسة العسكرية والأمنية – عماد علوّ

المقدمة

لم يعد خافياً على أحد أن الحرب ضد تنظيم داعش الارهابي وما افرزته من دروس مستنبطة، وفي ضوء التهديدات الداخلية والخارجية، قد أبرزت الحاجة الى ضرورة اعادة النظر بالهياكل التنظيمية للمؤسسة العسكرية والأمنية العراقية، من خلال استحضار  مرتكزات الأمن الوطني العراقي ، لغرض تقليص الترهل والازدواجية في عمل الوحدات والقيادات داخل الهيكل التنظيمي للمؤسسة العسكرية ، بما يعزز مبدأ وحدة القيادة والسيطرة في ادارة الموارد البشرية والمادية المتيسرة للدولة العراقية لضمان استدامة واستقرار الأمن الوطني العراقي في مواجهة التهديدات الأمنية الداخلية والخارجية.

وقد أهتم الدستور العراقي النافذ لسنة 2005 بهذه المسألة عندما نص في ” المادة (9) أولا: أ ـ تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييز أو اقصاء وتخضع لقيادة السلطة المدنية وتدافع عن العراق ولاتكون اداة لقمع الشعب العراقي ولاتتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها في تداول السلطة.” وهنا لابد أن نتسائل عن الخيارات المطروحة لاعادة تنظيم المؤسسات العسكرية والأمنية العراقية في اطار ما ورد في الدستور العراقي لسنة 2005 لتكون قادرة على تنفيذ المهمات الموكلة إليه بدون أن تشكل تهديدا” للسلطات المدنية التي اسند الدستور العراقي لها قيادة المؤسسات العسكرية والأمنية العراقية؟

تنظيم القوات المسلحة العراقية في الدستور

استندت سلطة الاتلاف المؤقتة في حل المؤسسات العسكرية والأمنية العراقية الى خطة كانت قد أنيطت إلى معهد جون هوبكنز في واشنطن، أطلق عليها أسم (العراق بعد الحرب، ثم تغير إلى، العراق الجديد)، حيث استغرق إعدادها عامين كاملين وقد اشتملت على (17)  مجلد”. شارك في إعدادها خبراء عرب وعراقيون ومخططون ومفكرون أمريكان. سلمت المجـلدات الـ (17) إلى البيت الأبيض في شهر كانون الثاني2003 أي قبل شهرين ونصف الشهر من الغزو الامريكي للعراق (انظر بول بريمر، عام قضيته في العراق، ص17 وص38 وص157) استنادا” لتلك الخطة فقد حلت في عام 2003 بأمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (2) الصادر في 7 أب 2003 المعني بحل الكيانات العسكرية والأمنية العراقية. ثم أعادت سلطة الاتلاف المؤقتة تشكيل جيش عراقي جديد بموجب أمر سلطة الاتلاف المؤقتة رقم (22) في 8/8/2003 بهدف توفير قدرة تدعم الأمن الداخلي العراقي، إثناء فترة الاحتلال الأمريكي للعراق. وتعتبر عملية اعادة بناء وتسليح القوات المسلحة العراقية، في مرحلة ما بعد الاحتلال الامريكي للعراق في العام 2003 عملية شابتها الكثير من الأخطاء البنيوية، بسبب غياب دستور عراقي متفق عليه، مما جعل من الصعب الوقوف على تصور عراقي موحد ازاء اتجاهات ومديات تسليح وبناء الجيش الجديد، وعندما أعيد تأسيس وزارة الدفاع ، في مطلع كانون الثاني 2004 خضعت هذه الوزارة لنظام المحاصصة الطائفية المقيت الذي بني على اساسه نظام الدولة العراقية الحالي فهي الند لوزارة الداخلية حسب التقسيمة الطائفية البشعة فاذا كان وزير الداخلية شيعيا بالضرورة يقابله وزير دفاع سني والعكس بالعكس. هذا الاتجاه يتعارض مع ما ورد لاحقا” في المادة التاسعة من الدستور العراقي لسنة 2005 عندما استخدمت عبارة ” تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييز أو اقصاء “. كما أن سلطة الاحتلال الأمريكي حاولت تطبيق التنظيم الأمريكي بتشكيل رئاسة اركان مشتركة في وزارة الدفاع ولكن ذلك لم يحدث فبقيت القيادات والتشكيلات الأدنى التي استحدثت لهذا الغرض عبئا” على الهيكل التنظيمي لوزارة الدفاع، ولا تتسق مع نظام معركتها، من ضمن تشكيلاتها الاساسية..

القوات المسلحة والسلطة المدنية

ومن الجدير بالذكر أن المادة التاسعة من الدستور العراقي أخضعت القوات المسلحة لقيادة السلطة المدنية، دون توضيح أسس تنظيم وشكل وصلاحيات هذه القيادة المدنية للمؤسسات العسكرية والامنية، كما لم توضح المادة التاسعة مفهوما” محددا” لـ(القوات المسلحةالعراقية) وماذا يشمل هذا المصطلح! خصوصا” أن الدستور وفي الفقرة (ب/أولا”) من المادة التاسعة قد حظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات المسلحة (دون أن يعطي تعريفا” واضحا” لمصطلح الميليشيات المقصود في البيئة السياسية والأمنية العراقية)، وخصت المادة التاسعة، جهاز المخابرات الوطني العراقي بجمع المعلومات وتقويم التهديدات الموجهة للأمن الوطني وتقديم المشورة للحكومة العراقية. ويكون تحت (السيطرة المدنية)، دون أن تستخدم مصطلح (قيادة السلطة المدنية).

والغريب أن الفقرةالفرعية(هـ/أولا”) من المادة التاسعة وضعت قيودا” على تطوير القدرات التسليحية للقوات المسلجة العراقية بسبب مفهومها المتعدد التفسيرات والتأويلات عندما ربطت بين احترام الحكومة العراقية لالتزاماتها الدولية بمنع انتشار وتطوير وإنتاج واستخدام الاسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية وبين كل ما يتصل بتطوير وتصنيع وانتاج واستخدام معدات ومواد وتكنولوجيا وأنظمة للاتصال يمكن لاي كان تفسيرها بانها ذات استخدام مزدوج لانتاج واستخدام الاسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، وهذا قد يشمل المقذوفات البالستية والطائرات والمدفعية وغيرها من افرع الصناعات الحربية، مما قد يجعل عمليات اعادة تسليح وتجهيز القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية مرهونة بالارادة الخارجية الأجنبية.

توزيع المناصب القيادية

لغرض تعزيز قيادة السلطة المدنية على القوات المسلحة العراقية فقد فوض الدستور العراقي لسنة 2005 مجلس النواب العراقي في المادة (70) انتخاب رئيس الجمهورية وهو القائد الاعلى للقوات المسلحة (للاغراض التشريفية والاحتفالية)، بحسب الفقرة (تاسعا) من المادة (73). كما فوض الدستور مجلس النواب أيضا” في المادة (76) بالموافقة على مقترح رئيس الجمهورية تعيين رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة العراقية بحسب المادة (78) من الدستور. وقد منحت الفقرة(اولا”) من المادة (81) الحق لرئيس الجمهورية بان يقوم مقام رئيس مجلس الوزراء عند خلو المنصب لأي سبب كان. وهذا يعني ضمنيا” قيامه بمهام القائد العام للقوات المسلحة.  كما فوض الدستور العراقي لسنة 2005 مجلس النواب العراقي في الفقرة (ج/خامسا”) من المادة (61) والفقرة (خامسا”) من المادة (80) الموافقة على تعيين رئيس اركان الجيش، ومعاونيه، ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق، ورئيس جهاز المخابرات، بناء على اقتراح من مجلس الوزراء. ولكن لم يعمل بشكل واضح بهذه السياقات وبقي شغل المناصب القيادية مرهونا” بالمحاصصة والتوفقات السياسي، مما انعكس سلبا” على الأداء في الميدان والدليل على ذلك ما حصل من كارثة في حزيران 2014.

ومن الجدير بالذكر أن الدستور العراقي لم يحدد أو يتطرق بالتفصيل لصلاحيات (القائد العام للقوات المسلحة)، وهو شخصية مدنية قد تكون بعيدة عن معارف وسياقات عمل المؤسسات العسكرية والأمنية، ولم يخصص له هيئة ركن واضحة لتقديم المشورة له في قيادة القوات المسلحة، الامر الذي أتاح الفرصة لمن تسنم منصب القائد العام للقوات المسلحة مستندين الى المادة(110) من الدستور بتشكيل عدد من قيادات العمليات في بغداد والمحافظات دون وضع أسس واضحة لعمل وصلاحيات هذه القيادات وعلاقاتها مع السلطات المدنية(المحافظ ومجلس المحافظة)، مما ولد ارباكا” في الصلاحيات انعكس سلبا” على الأداء، في حين خصص الدستور العراقي المواد (84) و(99) لتنظيم عمل جهاز المخابرات الوطني والقضاء العسكري، على أن تحدد واجباتها وصلاحياتها بقوانين تصدر لاحقا”، وأخضعها لرقابة مجلس النواب، والغريب أيضا” أنه لحد الان لم يصدر قانون وزارة الدفاع العراقية رغم مرور ما يقارب (18) عاما” على إعادة تشكيلها.

صلاحيات السلطة الاتحادية

حصر الدستور العراقي لسنة 2005 في المادة (110/ثانيا”) صلاحية وضع سياسة الامن الوطني وتنفيذها، بما في ذلك انشاء قوات مسلحة وادارتها لتأمين حماية وضمان امن حدود العراق، والدفاع عنه بالسلطة الاتحادية حصرا”، أي برئاسة مجلس الوزراء الاتحادي والوزارات والاجهزة الامنية الاتحادية، فبالإضافة الى (12) قيادة عمليات، تدير 14  فرقة عسكرية من نظام معركة وزارة الدفاع، و(6) فرق من نظام معركة وزارة الداخلية، ذهبت الحكومات المتعاقبة الى تسويغ تشكيل واستحداث قيادات عسكرية وأجهزة وقوات أمنية، مثل ( البيشمركة ، الشرطة الاتحادية وفرقة للرد السريع ، و 116 فوج طوارئ تابعة لوزارة الداخلية ، و67 لواء من الحشد الشعبي ، و جهاز مكافحة الارهاب) الامر الذي انعكس سلبا” على دور وأداء وزارتي الدفاع والداخلية، كما أدى الى هدر غير مبرر في الموارد البشرية والمادية، نجم عنه معاضل كثيرة في القيادة والسيطرة بسبب تباين واختلاف التدريب والاعداد القتالي، تباين التسليح والتجهيز، اختلاف في الولاءات، ضعف وغموض سلسلتي القيادة والارتباط ، اختلاف عقائد القتال ، عدم وضوح وتداخل ساحات العمل والمهام المكلفة بها تلك القيادات والتشكيلات، وضعف بل وغياب دور رئاسة أركان الجيش في أدارة الحرب مع المقرات الميدانية (قيادات العمليات والفرق العسكرية المرتبطة بها) ، بالإضافة الى غياب التنسيق الفعال مع الخليط غير المتجانس من القوات المشتركة الأخرى. فعلى سبيل المثال لاتزال عملية تحد?د الارتباطات الأمنية لحكومة إقليم كردستان (المؤسسات الأمنية والعسكرية والعدلية في الاقليم)، وبق?ة المحافظات العراقية، تشكل معضلة في تنظيم تراتبية القيادة والسيطرة على القوات المسلحة وبقية الاجهزة الأمنية العاملة على امتداد الجغرافية العراقية! كما أن الدستور العراقي لم يتطرق في أي فقرة من فقراته الى مصطلح (البيشمركة) واستناداً الى الفقرة (خامسا) من المادة (121) من الدستور العراقي لسنة 2005  فان مصطلح (حرس الإقليم) هو المصطلح الذي استخدمه الدستور، وهو مصطلح يختلف في معناه كثيرا” عن مصطلح (البيشمركة)، من حيث الارتباط والمهمة والتاريخ. وكان الاجدى العودة الى نظام الفيالق، انطلاقا” من مبدأ وحدة القيادة والسيطرة.

اليات صنع واتخاذ القرار الأمني

ان فهم موضوعي ورؤية واضحة لطبيعة التهديدات والتحديات التي تواجه الامن الوطني العراقي وبحسب الظروف والمعطيات الجيوبوليتيكية للدولة، يتطلب وجود آليات ووسائل تنظيمية تمكن القيادتين السياسية والعسكرية للدولة من تحشيد وتطوير عناصر قوتها الشاملة من خلال امتلاك قوة الردع العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والتهديد باستخدامها لحماية سيادتها ومصالحها وأمنها تجاه أي تهديدات قائمة او محتملة او غير متوقعة. وهذا يتم من خلال آليات صنع واتخاذ القرارالاستراتيجي في المستويات العليا (((( Grand Strategy وهذه الآليات التي نقصدها هي: –

1- القائد العام للقوات المسلحة (منصب دستوري بدون قانون يحدد الصلاحيات).

2-المجلس الوزاري للأمن الوطن/ أو اللجنة الوزارية للامن الوطني (تشكل بموجب امر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 68 لسنة 2004).

3- قيادة العمليات المشتركة (تشكلت في 26/6/2014 ثم اعيد تشكيلها بموجب الامر الديواني المرقم (328) في 14/9/2019).

4- جهاز المخابرات الوطني (تشكل بموجب أمر سلطة الاتلاف المؤقتة رقم 69 لسنة 2004).

5- مستشارية الامن الوطني. تشكل بموجب امر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 68 لسنة 2004).

ان العمل والأداء التكاملي للآليات اعلاه المستند الى نظرية أمنية وطنية واضحة ومتفق عليها من قبل كل الاطراف السياسية الفاعلة في العملية السياسية ستؤمن عملية صنع واتخاذ القرار الأمني، وفق معايير استراتيجية وعلمية مستندة ومنبثقة من دراسات مستفيضة لبيئة التهديدات ومتطلبات حماية مصالح البلد العليا. وعلى الرغم من اعادة تشكيل قيادة العمليات المشتركة بتاريخ 26  حزيران 2014 الا انها واجهت صعوبات ومعوقات تنظيمية وضغوطات سياسية في اداء الدور القيادي المطلوب لمواجهة تحديات خطيرة كالتي شكلها هجوم تنظيم داعش الارهابي في حزيران 2014.  وعليه فان الامر يستدعي اليوم أهمية دراسة تطوير قيادة العمليات المشتركة باتجاه جعلها (القيادة العليا للقوات المسلحة) لتقديم المشورة ومساعدة القائد العام للقوات المسلحة لاتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب ، ولغرض تسهيل وتيسير الاستخدام الامثل للقوات المسلحة (بمختلف مسمياتها) وموارد الدولة اللوجستية المتاحة ، وتوحيد مصدر القرار العسكري الاستراتيجي في السلم والحرب ، وخلال الازمات وادارتها وتماشيا” مع المواد (9) و (78) و (80)  من الدستور العراقي لسنة 2005  وتعتبر اعلى سلطة في زمن الحرب وتحدد صلاحياتها ومسؤولياتها بناء على توجيهات وتوصيات مجلس الامن الوطني وتحدد بقانون يصدر عن مجلس النواب العراقي.. وبما يتسق مع ما ورد في الدستور العراقي لسنة 2005 لتلبية متطلبات الامن الوطني العراقي.

الخاتمة

لاشك أن هذه المقالة لاتتسع لكل ما يمكن أن يقال ويبحث في موضوع إعادة تنظيم القوات المسلحة العراقية، حيث أن التوجهات الحالية في تطوير وإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية لا تعكس اتجاهاً استراتيجياً واضحاً في ضوء التهديدات الداخلية والخارجية الراهنة لغرض تلافي الاخطاء والإخفاقات التي وقعت في السابق ومستفيدين من دروس التجربة التي مر بها العراق في حربه ضد الارهاب وخصوصاً ضد تنظيم داعش الإرهابي ، لذلك بات من الضروري اعادة النظر في البناء المؤسسي للقوات المسلحة العراقية من خلال استحضار مرتكزات الأمن الوطني العراقي ، وإعادة بناء مفاصلها التنفيذية القوات المسلحة الحالية (بمختلف مسمياتها ) وقواعدها المادية التدريبية والتسليحية ونظام معركتها ، بعيداً عن المحاصصة الطائفية والعرقية  على ان تحدد المهام والغايات والأغراض التي من اجلها شكلت تلك القوات ، وساحة عملها وارتباطها ضمن سلسلة قيادة وسيطرة موحدة .

{ لواء ركن المتقاعد

مشاركة