تنظيف البنادق الأمريكية – كاظم المقدادي

تنظيف البنادق الأمريكية – كاظم المقدادي

كنت اتساءل دائما..

كيف تستقيم الديمقراطية الامريكية مع وجود حزبين فقط  اصحاب الفيل،  واصحاب الحمار.. وكيف يستقيم الاقتصاد الامريكي  مع وجود كوكا كولا، وبيبسي كولا، وكنتاكي وماكدونالد..؟؟

هذه الثنائيات الامريكية التي يهيمن عليها  الدولار وحده.. تتعرض اليوم الى انقسام حاد، وهزات سياسية حقيقية.. فترامب الذي كان مهوسا ومهرجا ومشاركا لعروض المصارعة الامريكية، وكان من ابرز مشجعيها.. حول تجربة امريكا  الانتخابية وكانها  تجربة تحصل في دول العالم الثالث..  ولم يبق له سوى ان يهتف (ما ننطيها) بعد ان استطاع تحويل موسم الانتخابات، وفرز الاصوات.. الى حلبة كبيرة للتنافس المشحون بالعنصرية، والغرائز الامريكية السائدة.

المحللون السياسيون في العالم انشغلوا.. بالرئيس بايدن  وسياساته المرتقبة لاصلاح العلاقات الدولية، والعودة الى الاتفاقات ومنها اتفاقية المناخ ، ومراجعة مجمل السياسات في العالم التي اصابها العطب وبشكل خاص مع الدول الاوربية بسبب حماقات ترامب وتهوره .. لكن يظل  الموقف المتشدد من ايران وسلسلة العقوبات القاسية التي فرضها ترامب على طهران الموضوع الاهم بالنسبة للعرب.. واعتقد ان بايدن سيخفف الضغط على الحكومة الايرانية..  بالشكل الذي لا يزعج العراق والدول الخليجية، وربما ستكون ايران المحاصرة  من قبل ترامب اكثر عقلانية.. واقل عدوانية، في سياستها مع الدول المجاورة لها.

في الداخل الامريكي وبعد فوز بايدن..  تبدو الصورة اكثر  تعقيدا.. بسبب التاثيرات الجانبية الخطرة التي سيتركها الصراع على البيت الابيض، لتاخر اعتراف ترامب بفوز خصمه، واحتمال عدم خروجه من البيت الابيض بشكل سلس.. لعدم اعترافة بنتائج الانتخابات، ومهاجمة بعض المراكز الانتخابية من قبل انصاره، ومنها مركز ولاية مشيگان.. تؤشر جميعها بداية انتكاسة حقيقية للحياة الديمقراطية في الولايات الامريكية.

والسؤال الذي يطرح  اليوم.. الى اي مدى يمكن احتفاظ الولايات بوحدتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. وهل وصلتها  عدوى التفكك الذي مارسته على دول العالم..؟

الثابت.. ان الدول العظمى.. تتفتت، ثم تضعف، وتتآكل  من الداخل ويتم اغتيالها من الخارج.. هذا ماحصل للاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي.. وهذا ما حصل  ايضا للامبراطوريات   القديمة الفارسية والرومانية والعثمانية.

الغريب.. ان  وسائل الاعلام الدولية، وجمهرة المحللين  السياسيين انشغلوا جميعهم بتسمية الرئيس القادم.. وفاتهم ان هذه الانتخابات ومهما تكن نتائجها، تعد من المؤشرات الخطرة لتفكيك الولايات المتحدة الامريكية.. تماما كما حصل للاتحاد  السوفيتي.. فترامب  يقترب في جنوحه، وبلادته السياسية من الرئيس يلتسين، الذي كان سببا حقيقيا في تفكك المنظومة الاشتراكية.

ربما سينتهي ترامب سياسيا..

لكنه سيخلف من ورائه تيار (الترامبية) الذي بدأ (بتنظيف البنادق) من اجل الدفاع عن العنصرية الامريكية البائدة،  وسياسة  منع   المهاجرين الملونين من دخول امريكا، وقد تجسد ذلك  ببناء  الجدار العملاق، الفاصل بين المكسيك والولايات المتحدة الامريكية، وهذه الخطوة  وحدها  تعد انعاطفة خطيرة، لم يفكر بها احد من الرؤساء الذين  تداولوا  السلطة في امريكا.. الغريب  ان هذه الفكرة، قوبلت  بترحاب وتاييد من قبل الامريكيين الذين يصوتون اليوم لترامب.

لنتذكر.. عالم المستقبليات ، وصاحب كتاب (صدمة المستقبل) الفن توفلر.. وكتابه الاخير (الموجة الثالثة) الذي  يعد الاكثر اهمية وجدلا من كتبه الاخرى.. شرح فيه  طبيعة الموجات الثلاث، الزراعية، والصناعية، وثورة المعلوماتية  التي اطلق عليها (الثورة الصناعية الثالثة)  ومعها  اعتمدت امريكا على (الفكر العسكري) وتكنولوجيا السلاح، كاستراتجية  ثابتة، وتسليع الانسان الامريكي،  الذي  لم يعد مهتما بالحياة السياسية.. وكان توفلر يتساءل:

عن المصير الذي ستنتهي اليه الولايات الامريكية.. وهو الذي تنبأ، وشهد عن كثب تفكك الاتحاد السوفيتي، و يوغسلافيا وانهيار الحكم في رومانيا، وجاء لبغداد ليسأل المسؤولين العراقيين، ما اذا كان الامريكيون يسعون لتقسيم العراق قبل احتلاله في سنة  2003 وتوفلر  ايضا.. هو الذي كتب و تنبأ بانهيار  الولايات المتحدة الامريكية قريبا.

ويبدو ان مؤشرات السياسة العنصرية التي رافقت حكم ترامب.. تجعل مثل هذا الاحتمال قائما، بعد قتل العديد من الزنوج على يد الشرطة الامريكية.

نحن اليوم..امام حقيقة واحدة.. وهي (نهاية المجتمعات السياسية التقليدية ) في العالم، والجنوح الى تغييرات درامتيكية في طبيعة الخرائط السياسية.. وكان الشرق (الاوسخ) وكما هي العادة، المجال الحيوي لتطبيق هذه المحاولات الخطرة.. بعد ان تمت تهيئته سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.. بثورات الربيع العربي..التي تم التخطيط لها بذكاء في دهاليز المخابرات الامريكية والاسرائيلية.

مشاركة