( تكلم حتى أعرفك )  – طالب سعدون

338

نبض القلم

( تكلم حتى أعرفك )  – طالب سعدون

(تكلم حتى أراك)..  قول معروف ينسب الى  الفيلسوف سقراط  قاله لاحد تلاميذه عندما جاءه متبخترا في مشيه ، يزهو بشكله وملابسه .. قاله وذهب مثلا الى اليوم ..

وبالمعنى نفسه قال أخرون بعده (تكلم حتى أعرفك) ..

المظهر الخارجي والملابس والاناقة ، لا تعني شــــــيئا عند سقراط لمعرفة الشخص ..

هنا .. ليس المقصود بالكلام صوتا يصدر ، وانما هو جوهر .. هو أنت ..

الانسان أذا تكلم أفصح عما في داخله ..  والكاتب يفصح عن شخصيته من خلال كلمته ، والفنان من خلال فنه .. وهكذا كل مبدع  ..

وهذا يطابق  قولا أخر شائع أيضا للكاتب الفرنسي (جورج بوفون) الاسلوب هو الرجل ، قاله  في القرن الثامن عشر ، ويتردد الى اليوم،  يكشف طبيعة الشخصية وتميزها عن غيرها ..

باختصار .. يعني أن كل قول ،  أوعمل بما فيه الاعمال الفنية والادبية والابداعية بانواعها هو مرآة عاكسة لما في داخل الانسان ..

فإذا كانت المعاني والافكار واحدة ، (أو هي مطروحة في الطريق كما يقول الجاحظ) لكن الاسلوب يجعل هذا  الكاتب يختلف عن ذاك ، وثالث متميزا باسلوب خاص يعرف به ويمكن أن تعرفه من بين كم كبير من الاعمال  .. يمتاز بمهارة خاصة في عرض الافكار.

وتلك الفكرة يلخصها قول شائع عند العرب ويضرب مثلا ايضا  (لكل مقام مقال) ..

والكلام يكشف جوهر الانسان ..

وللامام علي قول مأثور أيضا في هذا الموضوع (الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها الكلام) ..

ويحضرني في هذا العرض لاقوال  خالدة الا سلوب الجميل  للعباس بن عبد المطلب عم النبي محمد (ص) عندما سُئل  : أيهما أكبر أنت أم النبي محمد (ص) ؟ أجاب.. هو أكبر مني ، بيد أني أسن منه ..

لقد أجاب العباس على السؤال بأدب رائع  ، وقدم المعلومة بحلة بهية حافظت على جمالها طول الدهر ، وأعطى فيها للنبي محمد (ص) ما يستحق من مقام كبير ، لا يمكن أن يقيس نفسه به ، لأنه منقذ البشرية من الشرك والضلالة والظلام ، ونقلها الى نور الأيمان والعلم ، ومكارم الاخلاق  ، وفي الوقت نفسه حافظ على مكانته هو شخصيا ..

بلاغة رائعة ، لخصت قيمة الرجلين  واستحقاقهما ، بكلمات معدودة راعت منزلة كل واحد منهما ، وموقعه  الاعتباري …

وخير الكلام ما كان على مقتضى الحال ..

وينسب الى الشاعر العباسي بشار إبن برد قول (لكل مقام مقال) وذلك عندما أثنى على جاريته (ربابة) لاعدادها طعاما شهيا فقال فيها ..

ربابة ربة البيت

تصب الخل في الزيت

لها عشر دجاجات

وديك حسن الصوت

فعاب عليه أحد جلسائه  من الشعراء ذلك ،  وتساءل كيف لشاعر كبير مثلك أن يقول هذا الشعر .. فقال بشار إن هذا الشعر عند ربابة أفضل من قول إمرىء القيس

مكر مقبل مدبر معا

كجلمود صخر حطه السيل من عل

 فهذا الشعر في مقامه أقوى .. ولكل مقام مقال

وعاش هذا القول حيا  الى اليوم ..

{ { { {

القاب  (فضائية)

أخذت الفضائيات اليوم دور المعاهد الستراتيجية في منح الالقاب !!..

فهي التي تطلق على هذا الضيف لقب (المحلل السياسي) ، وعلى ثالث (الخبير الامني) ، وعلى ثالث  (الخبير الستراتيجي) ، وإن لم يستحق ذلك ، خاصة عندما لم يكن قد عمل في القوات المسلحة برتبة عالية ، أوخاض حروبا ، أو شارك بوضع خطط عسكرية ، أو أجهض خططا مقابلة للعدو، أو درس علوم الاستراتيجيات في معاهد متخصصة ، أو درس فيها  أو على صلة بها ، لكي تمكنه من إعطاء الرأي والمشورة والتحليل  القريب من الواقع ، أو التحقق في الموضوع المعروض عليه ..

وبالتأكيد هناك من يستحق بجدارة واستحقاق عال هذه الالقاب وتكون ساعات مفيدة تلك التي يقضيها المتلقي معهم عبر الشاشة، يتعرف من خلال الاراء التي يطرحونها على الحقيقة والتحليل المبني على معطيات ووقائع واحداث يعرضها بدقة وتعليق وشرح معمق ..

ومثلما هناك من لا يستحق هذه الالقاب هناك بالتأكيد نخبة متميزة من المحللين والمتخصصين في العلوم السياسية ومن الصحفيين والاعلاميين يتمتعون بمهارة عالية في التحليل ومتابعة الحدث ودقة المعلومة ناهيك عن الثقافة والاختصاص والموضوعية ..

ومثلما هناك ساعات مفيدة في البرامج السياسية مع مثل هؤلاء الضيوف هناك ساعات ضائعة أيضا عندما يظهر  فيها ضيوف يأخذون فرصة  التقديم للجمهوربهذا العنوان ، وهم  يتحدثون حديثا عاما لم يضف شيئا لما يعرفه الناس .. أو يردد ون ما تتناقله وسائل الاعلام نقلا عن الاطراف المعنية بالازمة موضوع الحوار وتصريحاتهم ، وكأنهم  قد فتحوا فتحا مبينا في  العلوم الاستراتيجية عندما يقول  قائل منهم مثلا .. (كل شيء وارد في هذه الازمة)  ، ولكن لم يقل ايهما الاقرب للتـــــحقق ، وفي أي مسار تسير الازمة ، وكيف تنتهي …؟

لا يحتاج مثل هذا المحلل خاصة في  اللقاءات  القصيرة ضمن نشرة الاخبار أكثر من ترتيب  العبارات بعناية ، ومتابعة  الاخبار والاراء والبيانات والاحصاءات عن موضوع اللقاء وعرضها بشكل يوحي أن لديه رأيا خاصا ، فيكتشف المتابع أنه لم يقدم شيئا جديدا مفيدا ، فيضطر الى البحث عن قناة  أخرى أكثر معرفة في التحليل المستند الى حقائق ووقائع يبني عليها الخبير الاستراتيجي رؤيته ويخرج منها الجميع برؤية واضحة تنم عن فهم للازمة بكل ابعادها ومآلها ..

 تكاد البرامج الحوارية السياسية  تكون واحدة في أغلب القنوات التلفزيونية ، وحتى داخل القناة الواحدة أيضا ، وإن اختلفت التسميات ، لكن مقدم البرنامج بامكانه أن يكون هو المتميز فيها ، عندما يكون محاورا متمكنا ، وملما بكل أبعاد الحوار ومحاوره وخلفياته السياسية ، وجريئا في فتح تاريخ الضيف بايجابياته وسلبياته ، وماهرا في كشفها وتوضيحها للجمهور ، وليس في  تبريرها ..

وللتدليل على ما أقول .. كانت بعض البرامج السياسية في  شهر رمضان المبارك جريئة في فتح  تاريخ السياسي  والوقوف على مواقف معينة فيها ، فتحولت في جوانب منها الى محاكمة علنة للسياسي ، لا تخلو من جرأة إعلامية ، وموهبة صحفية كبيرة  (تحاكم)  المسؤول والسياسي  والشخصية العامة في (محكمة الرأي العام) التي تواصل جلساتها المفتوحة ، يتابعها المواطن على العكس عندما يكون البرنامج إستعراضا سياسيا للضيف ودعاية مجانية ، أو كأنها مساحات اعلانية خاصة بالسياسي ، يستعرض فيها تاريخه بما فيه من فضائح ، ويعطى كل هذا الوقت للتبرير ، وبذلك تكون قد قدمت خدمة له لبراءة ذمته مما علق بها منها بهذا التوضيح ، وإن لم يكن مقنعا ، أو يتحول البرنامج  الى ساعي بريد لينقل رسائل بين السياسيين ، وليس بين السياسي والمواطن ..

لا أريد أن اتوسع في هذا الموضوع إذ سبق أن تناولته هنا في (الزمان) ، بل مجرد اشارة سريعة علها تفيد ..

{ { { {

كلام مفيد :

من مفيد ما قرات  هذا الفرق بين (إن شاء الله) و (بإذن الله) كما وردت في القرآن الكريم .. إخترت من بينها هذه النصوص  :

– تستخدم  (إن شاء الله) عندما نقوم بانفسنا عمل شيء ما ، أو نتدخل به شخصيا ..(إن البقر تشابه علينا ، وإنا إن شاء الله لمهتدون) ..أي أنهم سيقومون بذبح البقرة بأنفسهم ..

– وقوله تعالى ( قال إدخلوا مصر إن شاء الله آمنين) أي أنهم سيدخلون ….

وقوله تعالى (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) أي هو الذي سيصبر ..

– أما ( باذن الله ) تكون في عمل ليس لنا  أي تدخل فيه ، بل هو تدبير خارج عن إرادتنا ..

–  كقوله تعالى (من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك باذن الله) .. فنزول القرآن على رسول الله (ص) ليس له دخل أو يد فيه .. هو من عند الله ..

– وقوله تعالى (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله) .. انتصر القلة بتدبير الهي والا فالمنطق يقول إنهم يهزمون ..

– وقوله تعالى عن جيــــش طالوت (فهزموهم باذن الله وقتل داود جالوت) .. النصر كان من عند الله تعالى فقط ..

– وقوله تعالى (وما هم بضارين به من أحد الا باذن الله) ..فالسحر لا يضر الناس الا بقضاء الله وإذنه فقط ..

مشاركة