تفكّك دول وتغيّر ميزان القوى لصالح الشرق وإضمحلال العولمة الراهنة

270

 

 

 

 

كيف ينظر الخبراء الستراتيجيون لعالم ما بعد كورونا ؟

تفكّك دول وتغيّر ميزان القوى لصالح الشرق وإضمحلال العولمة الراهنة

بغداد -الزمان

توقع خبراء ومحللون ستراتيجيون ان يشهد العالم بعد زوال مخاطر وباء كورونا تداعيات جسيمة  تصل الى درجة تفكك دول وتغيير ميزان القوى في العالم وتغيير النظام العالمي وبروز الصين على حساب الغرب والولايات المتحدة وتفكك الاتحاد الاوربي جراء فشل اعضائه في مواجهة خطر الفايروس.

وقال النائب ورئيس كتلة (الوطن اولا) النيابية  محمد اقبال الصيدلي في رأي تلقته (الزمان)  أنه ( عندما نشاهد طوابير الناس وهي تقف أمام المتاجر وتتزاحم وتتخاصم في مختلف الدول ندرك بوضوح تقصير الحكومات بحق شعوبها، إذ ان ما يحصل اليوم هو نتاج طبيعي لسلوك اصحاب رؤوس الأموال ممن فضلوا كلفة الإنتاج والأيدي العاملة الرخيصة وحرموا الشعوب من الإنتاج المحلي، وانفقوا المليارات على صفقات السلاح طلباً للأمن ناسين أن الامن منهج حياة وليس سلاحا). وأضاف إن (تغافل الحكومات عن انفاق ملايين الدولارات لضمان أمنها غذائياً وتجارياً وصناعياً أوقعها في فخ انفاق المليارات الآن على وقاية شعوبها وتوفير احتياجاتها، فغدت الخسارة مضاعفة بعدم تشغيل المواطنين، ونقل الصناعات الى الدول ذات العمالة الرخيصة، فضلاً عن اخراج العملة الصعبة التي تعتبر اساس الرصيد الاقتصادي الضامن لرفاهية الشعوب).

اعتماد رؤى

 واعرب الصيدلي عن قناعته بأن (العالم بحاجة لإعادة النظر بهذه السياسات، واعتماد رؤى وبرامج جديدة تتناسب مع مرحلة ما بعد كورونا التي ستشهد اعادة حتمية في تشكيل الانظمة السياسية وفي ترتيب الأولويات). من جهتها وجهت مجلة فورين بوليسي العالمية سؤالا الى مجموعة من المفكرين  بشأن رؤاهم وتصوراتهم لعالم ما بعد كورونا  سياسياً واقتصادياً بعد الأزمة الحالية.فجاءت الاجابات كما يأتي:

يقول أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفرد ,ستيفن والت إن (الوباء سيدعم صعود الحركات القومية ويدعم سلطة الحكومات وقبضتها على مقاليد الأمور. وستتبنى الحكومات بمختلف اتجاهاتها إجراءات طارئة في محاولة لاحتواء انتشار الفيروس ولن يتخلوا عن تلك السلطات بسهولة فور انتهاء الأزمة) مضيفا ان ( الفايروس سيؤدي كذلك إلى سرعة انتقال ميزان القوى العالمية من الغرب إلى الشرق وإلى دول استطاعت تدارك الأزمة بشكل سريع نسبياً ككوريا الجنوبية وسنغافورة والصين في وقت تباطأت فيه الحكومات الغربية الأوروبية ودخلت في طرق عشوائية لاحتواء الأزمة وهو ما سيؤدي في النهاية إلى زوال عصر سطوة العلامة التجارية الغربية). وتابع ان (الأمر الذي لن يتغير، هو الطبيعة المتصارعة في السياسة العالمية، إذ إنّ الأوبئة السابقة التي حلّت بالعالم مثل الإنفلونزا الإسبانية عامي 1918 و1919? لم تُنهِ النزاع بين القوى العالمية المتصارعة، ولم تبشّر بعصر جديد من التعاون العالمي، ولن يؤدي فيروس كورونا إلى نمط مختلف في العلاقات الدولية، إذ من المرجح أن يشهد العالم مزيداً من التراجع في العولمة المفرطة، لأنّ المواطنين سينتظرون حمايتهم من حكوماتهم الوطنية، وستسعى الدول والشركات إلى الحد من إمكانية تعرضها لهجوم مماثل أو انتكاسات مشابهة في المستقبل. وفي كل الأحوال، سيخلق وباء كورونا عالماً أقلّ انفتاحاً وحرية وازدهاراً. وعلى الرغم من أنّ الأمر لم يكن بهذا السوء، فإنّ الجمع بين فيروس قاتل وتخطيط غير ملائم وإدارات غير كفوءة، وضع البشرية على مسار جديد مثير للقلق). وتوقع المدير التنفيذي للمعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن (تشاتام هاوس)،   روبين نيبلت ان ( يكون كورونا القشة التي تقصم ظهر العولمة الاقتصادية،  اذ أثارت القوة الاقتصادية والعسكرية المتنامية للصين، عزماً لدى الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة على منع بكين من الحصول على التكنولوجيا الفائقة التطور الأمريكية المصدر وحقوق الملكية الفكرية، بل ومحاولة إجبار الدول الحليفة على أن تحذو حذوها. واستدعت الضغوط السياسية والشعبية المتزايدة من أجل خفض الانبعاثات الكربونية، تساؤلات حول تأثير اعتماد الغرب على سلاسل التوريد البعيدة الموجودة في الصين وشرق آسيا، خصوصاً بعدما أرغم فيروس كورونا الحكومات والشركات والمجتمعات على تعزيز قدرتها في مواجهة اوقات طويلة من العزلة الاقتصادية الذاتية) مستطردا ( لهذا، من المحتمل إلى حد كبير أن يعود العالم إلى فكرة العولمة المفيدة للطرفين التي تأسست في أوائل القرن الحالي، لأنه من دون وجود حافز لحماية المكاسب المشتركة من سلبيات الاندماج الاقتصادي العالمي، ستتدهور بسرعة بنية الحوكمة الاقتصادية العالمية التي تأسست في القرن العشرين. وحينئذ، سيتطلب الأمر من القادة السياسيين جهداً هائلاً للحفاظ على التعاون الدولي وعدم الانزلاق من جديد إلى المنافسات الجيوسياسية).  ويرى كيشور محبوباني، وهو زميل في معهد البحوث الآسيوية في جامعة سنغافورة، أن (جائحة كورونا لن تغير الاتجاهات الاقتصادية العالمية، وإنما ستُسرّع التغيير الذي بدأ بالفعل، وهو الانتقال من العولمة التي تتمحور حول الولايات المتحدة إلى عولمة تتمحور حول الصين اذ فَقَدَ الشعب الأميركي ثقته بالعولمة والتجارة الدولية التي بات يعتبرها سلبية، سواء كان ذلك بوجود الرئيس دونالد ترمب أو لا) موضحا انه ( في المقابل، فإنّ الصين لم تفقد إيمانها بالعولمة لأسباب عدّة، منها تاريخية عميقة التأثير، إذ يدرك القادة الصينيون أن ما عُرفَ بقرن الإذلال الذي عاشته البلاد بين عامي 1842 و1949 كان نتيجة عزل الصين عن العالم.أما الآن، فإن الانتعاش الاقتصادي المستمر منذ التسعينيات، يعود إلى انخراط الصين في الاقتصاد العالمي، كما تمتع الشعب الصيني بثقة واسعة في مجال التعاون الثقافي مع دول العالم حتى أصبح الصينيون مؤمنين بقدرتهم على المنافسة في أي مكان على سطح الكرة الأرضية).

ريادة عالمية

ورأى انه (في ظل هذا الوضع، يصبح أمام الولايات المتحدة خياران، الأول أنها إذا أرادت أن تحافظ على تفوّقها وريادتها العالمية، عليها الانخراط في مواجهة جيوسياسية صفرية مع الصين على المستويين السياسي والاقتصادي، والثاني أنها إذا كانت تريد تحسين مستوى حياة الأمريكيين، فيتعيّن عليها التعاون مع بكين.ولكن، نظراً إلى البيئة السياسية السامّة في الولايات المتحدة حيال الصين، فقد لا تسود نصيحة التعاون الأكثر حكمة). من جهته يقول  أستاذ السياسة بجامعة برينستون,  جون إيكنبري، إن ( الوباء سيؤدي إلى صعود القومية والسلطوية حتى بين أكثر الأنظمة ديمقراطية في العالم ولكنه سيكون صعوداً مؤقتاً مثل ما حدث خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي قبل أن تصل تلك الدول إلى الديمقراطيات الحقيقية التي سادت فيها لعقود طويلة. أي أن ما سيحدث هو إكتشاف تلك الدول لدميقراطياتها الحقيقية عبر مرحلة انتقالية من السلطوية).ويضيف أنه( مثلما كانت الحال في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، فقد ينشأ تيار معاكس من المناصرين بقوة لسياسة التعاون الدولي المشابهة لتلك التي بدأها الرئيس فرانكلين روزفلت وعدد من رجال الدولة قبل الحرب العالمية وخلالها، إذ كشف انهيار الاقتصاد العالمي في الثلاثينيات، عن مدى ارتباط المجتمعات الحديثة ومدى ضعفها تجاه ما أطلق عليه روزفلت “السياسات المُعدية”. وكانت الولايات المتحدة أقل القوى المهددة من القوى العظمى الأخرى، وما فعله روزفلت وغيره من المؤيدين للتعاون الدولي، هو تأسيس نظام ما بعد الحرب، يهدف إلى إعادة بناء نظام عالمي مفتوح بأشكال جديدة من الحماية والقدرات لإدارة الترابط بين الدول).

وتؤكد  المختصة في الصحافة العلمية والحاصلة على جائزة بوليترز العلمية وخبيرة الصحة الدولية في مجلس العلاقات الخارجية الامريكي لوري غاريت ان ( الفايروس سيؤدي إلى خلق مرحلة جديدة من الرأسمالية العالمية ستخشى فيها الشركات والحكومات من نظم التجارة الحالية العابرة للحدود وخاصة بعدما اظهر الفيروس أن هذا الانفتاح الكبير قد يجلب معه أمراضاً مميتة في غضون أيام وساعات) مرجة ان ( تسعى تلك الشركات والحكومات – بعد الخسائر التي تتكبدها حالياً ومستقبلاً بسبب الفيروس، إلى الانطواء داخلياً وتتبع نهجا يقضي بالاعتماد على الإنتاج والتوزيع والربح الداخلي كوسيلة أكثر أماناً من الانفتاح العالمي الهش). ويؤكد كبير الباحثين في مجلس العلاقات الدولية في واشنطن،شانون أونيل  ان (أزمة كورونا ستقوّض المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التصنيع العالمي حالياً، إذ ستعيد الشركات العالمية النظر في سلاسل التوريد متعددة الخطوات والبلدان التي تسيطر على عمليات الإنتاج والتوزيع اليوم، ومن ثم ستعمل على تقليصها ) متوقعا ان (نخفض الربحية مقابل زيادة الاستقرار في العرض).ويقول شيفشنكار مينون، زميل معهد (بروكينغز) ومستشار الأمن القومي السابق لرئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ، إن( كورونا يكشف بوضوح عن ثلاثة أمور، أولها، أنه سيغير السياسات المتّبعة بين الحكومات أو داخل الدول، وسيؤدي النجاح النسبي للحكومة في التغلب على الوباء وآثاره الاقتصادية إلى عودتها للعب دور أكبر من الذي لعبته في الماضي. والثاني هو  إنّ ما يجري الآن ليس نهاية عالم مترابط، فالوباء نفسه يُعدُّ دليلاً على ترابط دول العالم، على الرغم من أن جميع الأنظمة السياسية تشهد تحوّلاً إلى الداخل، ولكننا متّجهون نحو عالم أقرب وأصغر، لكنه أكثر فقراً وبخلاً حين تنكفئ الدول إلى شواغلها الداخلية) موضحا ان( الامر الثالث هو إنّ هناك علامات من الأمل، إذ عقدت الهند مؤتمراً مع جميع قادة جنوب آسيا عبر تقنية الفيديو كونفرنس للاتفاق على استجابة إقليمية لتهديد كورونا. وهو ما يُعدُّ دليلاً على التعاون الدولي في مواجهة الأخطار العالمية لأغراض مفيدة).

قوى عظمى

ويشير  الأستاذ في جامعة (هارفارد) جوزيف ناي، أنّ ( ترامب أعلن عام 2017 استراتيجية جديدة للأمن القومي الأمريكي تركز على منافسة القوى العظمى، لكن فيروس كورونا كشف عن أن هذه الاستراتيجية غير كافية، وأن الولايات المتحدة لا يمكنها حماية أمنها بالتعامل مع التهديدات بشكل منفرد، حتى لو حافظت على مكانتها كقوة عظمى وحية في العالم). ورأى  انه (حينما يتعلّق الأمر بالتهديدات العابرة للحدود، لا يكفي التفكير في القوة الأمريكية مقابل الدول الأخرى، إذ تبيّن أن مفتاح النجاح يكمن في إدراك أهمية القوة بالتعاون مع الآخرين، وليس أن تكون المصلحة الوطنية أولاً. والظاهر للعيان، أنّ الولايات المتحدة فشلت في تعديل استراتيجيتها في هذا العالم الجديد) من جهته يرى الجنرال جون ألين، رئيس معهد بروكينغز والقائد السابق للقوات الأمريكية في أفغانستان وقائد قوات الناتو هناك، إنّه (كما كانت الحال دائماً، فإنّ تاريخ كورونا سيكتبه المنتصرون في الأزمة) مضيفا ان ( الدول التي تمكنت من احتواء نتائج الأزمة سواء بسبب نظمها السياسية والاقتصادية أو من منظور الصحة العامة، ستدّعي النجاح والانتصار على الدول التي تعاني من نتائج أكثر تدميراً وقد تدّعي بعض الدول، أنّ ما حدث يُعدُّ انتصاراً نهائياً  للديمقراطية والتعددية والرعاية الصحية الشاملة، بينما ستدّعي الدول الأخرى، الفوائد الواضحة للنظام الشمولي. وفي الحالين، ستنتهي الأزمة بتعديل بناء السلطة في العالم بشكل يصعب تخيله). ورأى إنّ (خطر تفكّك بعض البلدان يُعدُّ كبيراً وبشكل خاص في الدول النامية وتلك الدول التي تضمّ نسبة كبيرة من العمال. وسيتعرض النظام الدولي لضغوط هائلة، ما سيؤدي إلى عدم الاستقرار واندلاع نزاعات واسعة النطاق داخل البلدان وعبرها) ِويتوقع  رئيس مركز العلاقات الخارجية في واشنطن، ريتشارد هاس (تحوّل معظم الحكومات حول العالم إلى الداخل وتحركها نحو الاكتفاء الذاتي. وستتزايد المعارضة للهجرة وتتراجع الرغبة في معالجة المشاكل الإقليمية والعالمية والالتزام بها، نظراً إلى الحاجة  لتكريس الموارد من أجل البناء الداخلي في كل دولة والتعامل مع العواقب المترتبة على الأزمة الاقتصادية) مرجّحا أن ( تجد بلدان عدّة صعوبة في التعافي من الأزمة وأن تصبح الدول الفاشلة، الأكثر انتشاراً في العالم. ويتوقع استمرار التدهور في العلاقات الأمريكية الصينية وتزايد ضعف التكامل والاندماج للاتحاد الأوروبي).

مشاركة