تفاقم ظاهرة المخدرات في العراق

1771

تفاقم ظاهرة المخدرات في العراق

 عماد علو

  كان من تداعيات الاحتلال الامريكي للعراق في 2003 ، أن أصبح العراق ممراً لتهريب المخدرات الإيرانية والأفغانية والباكستانية إلى دول الخليج العربي، وبالذات إلى الكويت والسعودية، لكنه تحول حالياً إلى بلد مستهلك للمخدرات ، خصوصا” العقاقير الطبية المخدرة التي باتت تباع حالياً على الأرصفة، وهناك إقبال شديد على تعاطيها، كما تروج جهات كثيرة بشكل خفي لمواد مخدرة غريبة على المجتمع العراقي، أبرزها مادتي الحشيش والكوكايين، الامر الذي أدى الى تفاقم حالات الإدمان وبالذات بين أوساط المراهقين .

ومن الجدير بالذكر أن ظاهرة انتشار المخدرات تعد من الظواهر الأكثر تعقيداً وخطورة على الإنسان والمجتمع ،  وتعتبر هذه الظاهرة إحدى مشكلات العصر ،  ومما لاشك فيه أن ظاهرة إدمان المخدرات بدأت تحتل مكاناً بارزاً في اهتمامات الرأي العام المحلي والعالمي ،  وتكمن خطورة هذه الظاهرة في كونها تؤثر سلبا” على الطاقة البشرية في المجتمع بصورة مباشرة وغير مباشرة ،  وبصفة خاصة الشباب من الجنسين ،  وتؤثر على موارد الثروة الطبيعية والبشرية مما يعرقل أي جهود خاصة بالتنمية الشاملة في المجتمع . وعليه فأن مشكلة تعاطي المخدرات وإدمانها من أكثر المشاكل الاجتماعية خطورة ولها تأثير قوي على تقدم أي مجتمع كماً وكيفاً ،  وتستنفذ معظم طاقات الفرد والمجتمع وإمكانياتها ،  وتعتبر من أعقد المشاكل التي تواجه المجتمعات اليوم ولاسيما المجتمعات النامية . ويعتبر تقدير الآثار السلبية لاستخدام المواد المخدرة على الأفراد وانعكاس ذلك على مجتمعنا العراقي مهمة صعبة ،  وتكمن الصعوبة في السرية التامة التي تحيط بعملية تداول هذه المواد وتناولها ،  فضلا عن قصور الإحصاء والمتابعة في مجتمعنا العراقي .

ويعتقد العديد من المراقبين أن حالة الانفلات الامني الذي شهده العراق عام 2005 كانت محطة الانطلاقة لتفاقم وتنامي ظاهرة تعاطي وتجارة المخدرات في البلاد بالإضافة الى اتساع حالة البطالة وانحسار فرص العمل أمام الشباب العراقي . وهناك تقارير تحدثت عن زراعة المخدرات في المحافظات التي تشهد توترا امنيا منها محافظة ديالى. ويؤكد مسؤولون عراقيون أن تعاطي المخدرات الآن يتركز في المناطق الحدودية مع إيران وبعض المدن المقدسة في العراق كمدينتي كربلاء والنجف بالإضافة الى اقليم كردستان. ويعتقد البعض بأن الثقافة الاجتماعية وتقاليد المجتمع العراقي تلعب دورا مهما في الحيلولة دون معرفة واقع تعاطي وإدمان المخدرات في العراق. الا أن الاسماء الغريبة التي بات المدمنون يطلقونها على العقاقير المخدرة ، تدل على شيوع وانتشار هذه الظاهرة السلبية في المجتمع العراقي .. فعلى سبيل المثال لا الحصر فقد اطلق على عقار ريفوترين اسم أبو الصليب، وعقار ماكدون اسم أبو الحاجب، وبالنسبة إلى عقار الباركيزول فإنهم يسمونه أبو الجمجمة، أما عقار فاليوم 10، فيطلقون عليه اسم دموي ، كل ذلك من اجل تسهيل سرية تداول هذه العقاقير المخدرة ..

ومن اسباب تفاقم ظاهرة تعاطي المخدرات في المجتمع العراقي ازدياد الضغوط النفسية والاجتماعية التي يعاني منها أفراد المجتمع نتيجة حالة التوتر الامني و الحروب والأزمات التي يشهدها المجتمع العراقي ،  وما ترتب عليها من شعور بالخوف والقلق أحياناً واليأس والاكتئاب أحيانا أخرى كل ذلك أدى الى أن خطورة تعاطي المخدرات تمتد أثارها السلبية إلى المجتمع ،  فالمتعاطي للمخدرات يصبح عضواً غير منتج وغير قادر على كسب معيشته بمستوى مقبول كما قد يهدد المجتمع بالفساد والجريمة ،  وبالمثل فان المجتمع الذي يكثر فيه المتعاطون للمخدرات يهبط مستوى انتاجه ويضعف اقتصاده وقد يعتريه التفكك ويصبح مسرحاً للمشاكل والصعوبات التي يولدها الأشخاص المتعاطون للمخدرات . ومن هنا لابد أن تتضافر الجهود للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة والدخيلة على المجتمع العراقي .

وتلعب الأسرة الدور الأهم في الحفاظ على أبنائها من السلوك المنحرف ومن تعاطي المخدرات فعليها تقع المسؤولية بالدرجة الأولى من توعية الأبناء وتوجههم وإرشادهم من خلال زرع بذور الثقة بالنفس واتخاذ القرارات المبنية إلى حسن التقدير وعدم التأثر والانصياع للضغوط التي يمارسها أصدقاء السوء لغرض إخضاعهم إلى تعاطي المخدرات وكلما كان تأثير الأسرة قويا على الفرد قل تأثير أصدقاء السوء علية . كما لا يخفى علينا دور المدرسة في توعية وتوجيه الناشئين من اجل خلق جيل واع لمخاطر الانحراف والتسيب حيث يأتي المعلم كمرب ثان بعد الأب وألام وربما يفوق تأثير المدرسة تأثير الأسرة بما يستحوذ المعلم من تأثير على طلبته .

و للأعلام دور هام في توعية الشباب بخطورة تعاطي المخدرات وضررها الهائل على المجتمع والأسرة والفرد ، كما يبرز دور الأعلام في الحد من النماذج السلبية التي تقوم بها الدراما والتي تسبب في انتشار هذه الظاهرة  .

وتلعب الجوانب الدينية دورا” كبيرا” في تحريم كل ضرر يصيب الإنسان في عقلة أو نفسه أو دينه أو ماله ،  ولذلك يكون تعاطي هذه المخدرات محرماً للضرر الناشئ عن تعاطيها . فالمقاصد التي تؤكد عليها الشرائع السماوية هي :  حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال ،  وبما أن تناول المخدرات فيه ضرر مبين بهذه الضروريات والمقاصد ،  فيكون تعاطي المخدرات وإدمانها حرام بلا جدال .

وعلى منظمات المجتمع المدني المهتمة بالشباب  أن تبذل الجهود الحثيثة إلى أعداد البرامج التي تنطوي على معالجات غير مباشرة لظاهرة تعاطي الشباب للمخدرات والعمل على توعيتهم بمخاطر هذه الظاهرة الوافدة ،  فضلاً عن تعزيز القيم الاجتماعية الرافضة لهذا السلوك المنحرف .