تفاقم أزمة اللاجئين السوريين في مصر ومنظمات حقوقية تدعو لوقف التهجير القسري

القاهرة‭- ‬مصطفى‭ ‬عمارة

كانت‭ ‬مصر،‭ ‬وحتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب،‭ ‬الملاذ‭ ‬الآمن‭ ‬للسوريين،‭ ‬اذ‭ ‬توافد‭ ‬الآلاف‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬مصر،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬تجاوز‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬مواطن‭ ‬لجأوا‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬هربًا‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والمذابح‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬ضد‭ ‬السوريين،‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الامة‭ ‬السنية‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬غالبية‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬سوريا‭. ‬ومما‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬عدد‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬المعاملة‭ ‬الطيبة‭ ‬التي‭ ‬وجدوها‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬المصري،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬هؤلاء‭ ‬اللاجئون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬نسيج‭ ‬المجتمع‭ ‬المصري،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬شجع‭ ‬السوريين‭ ‬على‭ ‬إقامة‭ ‬مشروعات‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬نهضة‭ ‬المجتمع‭ ‬المصري،‭ ‬فقد‭ ‬افتتح‭ ‬هؤلاء‭ ‬اللاجئون‭ ‬مطاعم‭ ‬وورشًا‭ ‬ومصانع،‭ ‬والتحق‭ ‬أبناؤهم‭ ‬بالمدارس‭ ‬والجامعات،‭ ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬الوجود‭ ‬السوري‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬جزءًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المعاملة‭ ‬تغيرت‭ ‬كثيرًا‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الأخير،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬وصول‭ ‬نظام‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬ذا‭ ‬توجهات‭ ‬إسلامية،‭ ‬ورغم‭ ‬انفتاح‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬السعودية،‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬ومنحه‭ ‬مساعدات‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬استقراره،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬العكس‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬حيث‭ ‬خشي‭ ‬النظام‭ ‬المصري‭ ‬امتداد‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬إلى‭ ‬مصر،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المصريين‭ ‬هربوا‭ ‬إلى‭ ‬سوريا‭ ‬إبان‭ ‬حكم‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬محمد‭ ‬مرسي،‭ ‬وانضموا‭ ‬إلى‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬التي‭ ‬تقاتل‭ ‬نظام‭ ‬بشار‭ ‬الدموي،‭ ‬اذ‭ ‬اعتبر‭ ‬النظام‭ ‬المصري‭ ‬الحكومة‭ ‬السورية‭ ‬الجديدة‭ ‬حكومة‭ ‬أمر‭ ‬واقع‭ ‬وليست‭ ‬حكومة‭ ‬شرعية‭.‬

ونُظمت‭ ‬حملات‭ ‬شرسة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬مدعومة‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬حكومية‭ ‬وأمنية‭ ‬ورجال‭ ‬أعمال،‭ ‬ضد‭ ‬تواجد‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬متهمين‭ ‬إياهم‭ ‬بالإرهاب‭ ‬وارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬جنائية‭ ‬وأخلاقية،‭ ‬والتسبب‭ ‬في‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬مصر،‭ ‬داعين‭ ‬السلطات‭ ‬المصرية‭ ‬إلى‭ ‬ترحيلهم‭ ‬في‭ ‬أسرع‭ ‬وقت‭. ‬وانعكست‭ ‬تلك‭ ‬الحملات‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬حيث‭ ‬شددت‭ ‬السلطات‭ ‬المصرية‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬الإقامة،‭ ‬ووضعت‭ ‬شروطًا‭ ‬قاسية‭ ‬جعلت‭ ‬إقامة‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬أمرًا‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة‭. ‬وتطور‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬شن‭ ‬حملات‭ ‬أمنية‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬والمحافظات‭ ‬للقبض‭ ‬على‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬والمنازل،‭ ‬والقبض‭ ‬على‭ ‬السوريين‭ ‬الذين‭ ‬انتهت‭ ‬مدة‭ ‬إقامتهم‭ ‬وترحيلهم‭ ‬قسرًا‭ ‬إلى‭ ‬بلادهم‭ ‬أو‭ ‬سجنهم،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬منهم‭ ‬توجهوا‭ ‬إلى‭ ‬مفوضية‭ ‬اللاجئين،‭ ‬والتي‭ ‬حددت‭ ‬لهم‭ ‬مدة‭ ‬عامين‭ ‬على‭ ‬البطاقة‭ ‬الصفراء‭ ‬لتجديد‭ ‬إقامتهم‭. ‬ويواجه‭ ‬السوريون،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬التحق‭ ‬أبناؤها‭ ‬بالمدارس،‭ ‬ظروفًا‭ ‬مأساوية‭ ‬وحالة‭ ‬من‭ ‬الفزع‭ ‬والرعب‭ ‬من‭ ‬ترحيلهم‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭.‬

وناشد‭ ‬هؤلاء‭ ‬اللاجئون‭ ‬السفارة‭ ‬السورية،‭ ‬كما‭ ‬ناشدوا‭ ‬الخارجية‭ ‬السورية‭ ‬ورئيس‭ ‬الجمهورية،‭ ‬التدخل‭ ‬لإنقاذ‭ ‬آلاف‭ ‬الأسر‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬التشرد‭ ‬والضياع‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أمام‭ ‬السوريين‭ ‬إلا‭ ‬مفوضية‭ ‬اللاجئين‭ ‬باعتبارها‭ ‬المسار‭ ‬الوحيد‭ ‬لتقنين‭ ‬أوضاعهم،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬المفوضية‭ ‬حددت‭ ‬موعدًا‭ ‬بعد‭ ‬عامين‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬لتقنين‭ ‬أوضاعهم‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬بقيت‭ ‬الإقامة‭ ‬الاستثمارية‭ ‬متاحة‭ ‬نظريًا،‭ ‬لكنها‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬مكلف‭ ‬للغاية‭.‬

وأمام‭ ‬تلك‭ ‬الظروف‭ ‬المأساوية‭ ‬التي‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬أبسط‭ ‬الحقوق‭ ‬الإنسانية‭ ‬والقوانين‭ ‬الدولية،‭ ‬حذرت‭ ‬عشر‭ ‬منظمات‭ ‬حقوقية،‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬تلقينا‭ ‬نسخة‭ ‬منه،‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬غير‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬تمارسها‭ ‬السلطات‭ ‬المصرية‭ ‬ضد‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬لإجبارهم‭ ‬على‭ ‬التهجير‭ ‬القسري،‭ ‬ودعت‭ ‬هذه‭ ‬المنظمات‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬مسارات‭ ‬قانونية‭ ‬عادية‭ ‬وواضحة‭ ‬لتقنين‭ ‬أوضاعهم،‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالمستندات‭ ‬المؤقتة،‭ ‬وضمان‭ ‬رقابة‭ ‬قضائية‭ ‬فعالة‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬احتجاز‭ ‬متصل‭ ‬بالهجرة‭ ‬أو‭ ‬اللجوء،‭ ‬وتمكين‭ ‬المفوضية‭ ‬السامية‭ ‬لشؤون‭ ‬اللاجئين‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬المحتجزين‭ ‬وتقديم‭ ‬المشورة‭ ‬القانونية‭ ‬لهم‭.‬

وأكد‭ ‬مصدر‭ ‬قانوني‭ ‬مسؤول‭ ‬للزمان‭ ‬أن‭ ‬الممارسات‭ ‬الحكومية‭ ‬ضد‭ ‬اللاجئين‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬التزامات‭ ‬مصر‭ ‬بموجب‭ ‬اتفاقية‭ ‬عام‭ ‬1951‭ ‬الخاصة‭ ‬بوضع‭ ‬اللاجئين،‭ ‬وبروتوكول‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬الخاص‭ ‬بمبدأ‭ ‬عدم‭ ‬الإعادة‭ ‬القسرية‭ ‬لأي‭ ‬شخص‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬يشعر‭ ‬فيها‭ ‬بأن‭ ‬حياته‭ ‬أو‭ ‬حريته‭ ‬في‭ ‬خطر‭. ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬طالبت‭ ‬المنظمات‭ ‬الحقوقية‭ ‬بالامتناع‭ ‬الكامل‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬قرارات‭ ‬خاصة‭ ‬بالإبعاد‭ ‬أو‭ ‬المغادرة‭ ‬القسرية‭ ‬بحق‭ ‬السوريين،‭ ‬ووضع‭ ‬مسارات‭ ‬قانونية‭ ‬واضحة‭ ‬لتقنين‭ ‬أوضاعهم،‭ ‬وتمكين‭ ‬المفوضية‭ ‬السامية‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬الكامل‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬المحتجزين‭ ‬من‭ ‬طالبي‭ ‬اللجوء‭ ‬لضمان‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬المشورة‭ ‬القانونية‭.‬