تعليم الجهل و تجهيل الأجيال – عباس الحسيني

عباس الحسيني

لم تك يوما فاجعة الحسين بن علي في كربلاء اداة لكي يتربح بها الساسة والسفلة والمتواطئون مع الشيطان، كما قال محمد مهدي الجواهري:

لعل السياسة فيما جنت
على لاسق بك او مدع

حيث تحول الرمز الحسيني جيلا بعد آخر إلى اداة لجمع الأموال وتجهيل الناس وبث الخطابات الخرافية وتحميل المأساة الحسيني اكبر وأكثر مما تحتمل ، حتى خرجت الحادثة عن متنها التاريخيّ للتحول إلى مجرد ملهاة وفلكلور شعبي يجمع بين التفاهه والتسفيه تارة، وبين الغلو والمكابرة تارة أخرى ، فيما تحول الشعب الحسيني الشيعي في جنوب العراق وبقية وجوده الحياتي إلى افقر شعب منبوذ مكروه لا إرادة له سوى تخبطات الفقهاء المزيفين وكوارث الكذب المنبري التي تجعل من الحسين مرة إلها ، او شبه إله يعبد ، او قتيلا مهمشا لا يكاد أهله يذكرون في مآدب توزيع الثروات والغنائم.

والأمر الملفت اليوم هو توجه الخرافات الشعائرية إلى الجيل اليافع من الأطفال الأبرياء ، ظنا منهم ان هذا الجيل يمثل مستقبل الولاء الحسيني ، حيث يعمدون إلى تعليم الأطفال وقائع حز الرؤوس والتطبير والسحل والضرب والقتل والترويع التمثيلي ، بدلا من تعليم الأطفال معالم الجمال والحكمة وحب الإيثار والشهادة النقية والمواقف الأخلاقية التي تبني مجتمعا متماسكا بلا طغاة ولا لصوص.

ان تحويل الثورة الحسينية إلى مسرحيات مضحكة وملهاة للتندر وذر الرماد في أعين الازمنة السوداوية كلها ادواة تجهيل ممنهجة مارستها وتمارسها السلطات الحاكمة عبر التاريخ للظفر بالبطولة القيادية ونهب خزائن الدول وتشريد الناس في بقاع الأرض.

ان صمت المراجع والحكام دليل على التواطئ اللا اخلاقي في اعادة قتل وذبح الحسين نفسه، فلم تك مهمة الحسين إيقاف يزيد عن شرب الخمر او اللعب مع القرود ، كما يذهب جهلاء المنابر ، بل كانت لرد الظلم عن الناس من بطش الحكام وعدم تشويه الرسالات السماوية وإيقاف الغزوات التي تحولت إلى حركات استعمار للشعوب انذاك وهدر لكرامات الناس ومعتقداتهم .

ان المضي في تشويه معالم النهضة الحسينية تحول إلى تجارة نفسية للجهلاء والأميين وارباب المواكب التي دمرت الشوارع والأحياء وهدرت اموالاً طائلة اغلبها من وزارة الأوقاف وتبرعات البسطاء في مسعى لا أساس له في القران ولا في الفتاوى ولا حتى في السرد التاريخي ، وهو ما يمثل ابتداعا خطيرا صار يتجلى في دوائر الدولة ووزاراتها وأعمالها وسلوكياتها والنتيجة فساد شامل وخراب كامل وتردٍ مرعب في الخدمات والواجبات وعلى حساب ازمنة من التخلف وعدم التقدم ومواكبة شعوب الأرض المتقدمة علينا علما ووعيا وتكنولوجيا وسلوكا ومبادئ.

لقد اصبح التبرير الحسيني علاجا للنفاذ إلى السلطة ومعيارا لتقييم الأفراد وفلسفة عليا عمياء تنتهجها الدولة والقائمون زيفا على خدمة الوطن.

فباي مبدأ يقدم مديرا عاما على طرد موظفات غير محجبات وبأي سلطة ربانية ؟

وبأي حق يعاقب الوزراء والمدراء موظفيهم ممن لا ينخرطون في المواكب والشعائر ؟

لقد تحولت القضية الحسينية من مرضع أمام مظلوم مذبوح إلى سيف بيد ظالم يذبح ملايين الناس يوميا ظلما وعدوانا وضمن عناوين وظيفية وسيادية ما انزل الله بها من سلطان .

ان غياب الدولة والسلطة الأخلاقية عما يحدث سيحول دون مواكبة البلاد لمسيرات التقدم والخير والنماء وسيحول العراق إلى قرية منسية ، كما ذكرها القران : ربنا أخرجنا منزعجه القرية الظالم أهلها . حيث ان الظالم لا يمكن ان يشعر بما دونه من المظلومين على يديه.

في بلد لا ماء يشربه الأطفال في المدارس ولا طعاما زكيا يملؤون به بطون الجياع والمحرومين ولا مشاريع لبناء الإنسان المهزوم والمحاصر، فلم ولن نجد اي تحول إلى نهاية النفق حيث الغياب التام للكهرباء والماء والزراعة والخدمات العامه ، وحيث الاستشراء الممنهج للفساد والعنف وإرهاب المجتمع غير الموالي ، كل هذه المصائب ستحول العراق إلى بلد مهجور مقهور معزول لا أفق فيه للصلاح ولا للنجاح، وكل أسباب الفساد دينية في مجلس نواب قاعدته دينيه يقوم بتعيين وزراء بخلفيات دينية ورئاسات بمباركات دينية ، ونهب ضمن أسس محمية بالخجل الديني ودمار شامل يذود عنه مزيفون من طبقات دينية قوتها السلاح، لا المنطق ، وتوجهاتها التخريب، لا البناء، وديدنها التجهيل لا التنوير .

كل الأمور باتت تبدو وكان العراق يتجه إلى مواجهات دم وعنف وخراب ابدّي لا يبقي ولا يذر.