تعزيز قيم المساواة والمواطنة وتحريم الظاهرة قانونياً

 

 

الطائفية وأسئلة الضرورة (1-2)

تعزيز قيم المساواة والمواطنة وتحريم الظاهرة قانونياً

عبد الحسين شعبان

ما السبيل للخروج من الشرنقة الطائفية التي لفّت المشهد العربي طوال العقود الثلاثة ونيّف الماضية؟ ثم من أين نبدأ؟ هل من النخب أم من القوانين أم من المجتمع؟ وما هو تأثيرات القوى الأجنبية الإقليمية والدولية في تغذية هذا الواقع؟ وأين تكمن مسؤولية المثقّف؟ وهل هناك من يمثّل الطائفية أو ينطق باسمها؟ وما الفرق بين الطائفة والطائفية؟ وكيف تتحدّد الهويّة وأين موقع المواطنة فيها؟ والسؤال الأخير ما هي مستلزمات مشروع نهضوي عربي لمواجهة هذا الواقع؟

الطائفي يتبرّأ من الطائفية

ابتداءً أقول لا أحد يجاهر أو يعترف بأنه “طائفي” فحتى الطائفيون أنفسهم يلومون الطائفية أحياناً ويعتقدون أن خصومهم وحدهم هم الطائفيون، وهكذا يبرّىء الطائفي نفسه من تهمة الطائفية أو يحاول إلصاقها بالآخرين، أو إنسابها إلى سلوك وتصرف فردي أحياناً، أو إيجاد ذرائع ومبررات تأريخية “بادعاء المظلومية” أو “الحق في التسيّد”، أو إدعاء امتلاك ناصية الدين والحفاظ على نقائه إزاء محاولات الغير للنيل منه أو من تعاليمه، الأمر الذي يخوّله ادعاء تمثيل الطائفة أو النطق باسمها، مع تأكيدات بملء الفم بنبذ الطائفية أو رميها على الطرف الآخر أو استنكارها، لكن دعاوى تحريم الطائفية وان اقترن بعضها برغبات صادقة، إلاّ أنها تعود وتصطدم بوقائع مريرة وقيود ثقيلة، تكاد تشدّ حتى أصحاب الدعوات المخلصة إلى الخلف، إن لم تتهمهم، أحياناً بالمروق والخروج على التكوينات والاصطفافات المتوارثة.

ولعلّ بعض العلمانيين والحداثيين، انساقوا وراء مبررات أو تسويغات تقضي بانخراطهم في إطار الحشد الضخم للكتل البشرية الهائلة ما قبل الدولة أحيانا، والتي تذكّر بعصر المداخن في أوروبا إبان الثورة الصناعية، التي تحرّكها زعامات مستفيدة من بعض الامتيازات أحياناً، بإثارة نزعاتها البدائية إزاء الغير أو الرغبة في الهيمنة، وذلك تحت شعار “الواقعية” السياسية والاجتماعية، وأحياناً بدعوى التميّز والهويّة الخاصة، التي غالباً ما تكون على حساب الهويّة الوطنية الجامعة، التي بإمكانها احترام الخصوصيات والهوّيات الفرعية. وبودّي أن أشير إلى أن الطائفية تختلف اختلافاً جذرياً عن الطائفة، ذلك أن الأخيرة هي تكوين تاريخي وامتداد اجتماعي وإرث طقوسي تواصل عبر اجتهادات فقهية ومواقف نظرية وعملية، اختلط فيها ما هو صحيح ومنفتح، بما هو خاطئ وانعزالي أحياناً، لكنها تكوين أصيل وموجود وتطور طبيعي، وليس أمراً ملفّقاً أو مصنوعاً، في حين أن الطائفية هي توجّه سياسي يسعى للحصول على امتيازات أو مكافآت باسم الطائفة أو ادعاء تمثيلها أو اثبات تمايزات عن الطوائف الأخرى، حتى وإنْ كان بعضها فقهياً أو شكلياً، وأحياناً مفتعلاً وإغراضياً بهدف الحصول على المكاسب.

وإنْ أدّى مثل هذا السلوك إلى التباعد والافتراق والاحتراب، ناهيكم عن زرع الأوهام حول “الآخر”، بصورة العدو أو الخصم، وبالتالي خلق حالة من الكراهية والعداء، في رغبة للإقصاء والإلغاء، بعد التهميش والعزل، مروراً بالتحريم والتأثيم، وإنْ تطلب الأمر التجريم أيضاً، فتراه لا يتورّع من التوّغل حيث تتحقق المصالح الذاتية الأنانية الضيّقة، وإن تعارضت مع مصلحة الوطن والأمة.

والغريب في القضية أن بعض هؤلاء المنخرطين في البغضاء الطائفية أو إشعال نار الحقد والكراهية لا علاقة لهم بالدين، فهم غير متدينين فكيف يتعصّبون للطائفة، إنْ كانوا غير متدينين أو حتى غير مؤمنين أصلاً، وهو ما أطلق عليهم عالم الاجتماع العراقي الكبير علي الوردي إنهم “طائفيون بلا دين”، وبذلك تكون الطائفية عامل تفتيت وانقسام للمجتمع وواحداً من أمراضه الاجتماعية الخطيرة، إذا ما استشرت.

في بعض أسباب الطائفية

عانت بلادنا العربية من هذه الظاهرة الطائفية الانقسامية، بسبب ضعف الثقافة الإسلامية من جهة وشيوع الكثير من الأوهام والترهات إزاء الطوائف الأخرى، لاسيّما بالتعصب والتطرّف والغلو، ويعود ذلك أيضاً إلى الموروث التاريخي، والقراءة المغلوطة للتراث الإسلامي بفرقه وفقهه وجماعاته المجتهدة، بل أن هناك حقول ألغام تاريخية يمكن أن تنفجر في أية لحظة إذا ما تم الاقتراب منها، فبعض مفاصل التاريخ بما فيها تاريخ الخلفاء الراشدين الأربعة وما بعدهم، يظل مسألة احتكاك مستمرة يريد البعض تغذية نيرانها باستمرار.

وينسى هؤلاء أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (الفاروق) كان يردد: لولا علي لهلك عمر، لاسيّما استشاراته في الكثير من القضايا القضائية وما يتعلق بالحُكم والسياسة ودلالاتهما وأبعادهما في ظرف ملموس. ولعل تأييد الإمام علي للخليفة عمر لم يكن بمعزل عن شعوره بالقربى الفكرية، خصوصاً في الموقف من العدالة وتجلياتها على صعيد الدولة الإسلامية الناشئة والمجتمع الجديد، ووفقاً لكتاب الله “القرآن الكريم” وسنّة رسوله.كما أن ضعف الثقافة المدنية الحقوقية، وبالأخص ثقافة الاختلاف وحق الرأي والرأي الآخر، وعدم الإقرار والقبول بالتعددية والتنوّع، أسهم في تكريس الطائفية السياسية.

قراءة التاريخ

            لقد نشأت المذاهب الفقهية الإسلامية متقاربة، وانتقلت بعض الأحكام من هذا المذهب إلى ذاك، تبعاً للظروف من جهة، ومن جهة أخرى للتأثيرات التي قد تقع عليها، فقد كان الفقيه والعالم الكبير أبو حنيفة النعمان تلميذاً نجيباً للفقيه الضليع الإمام جعفر الصادق، وهما قطبان لمذهبين أساسيين في العالم الإسلامي، المذهب الحنفي (السني) والمذهب الجعفري (الشيعي الإثني عشري) حيث يشكل الأول أغلبية ساحقة، في حين يشكل الثاني “أقليّة” متميزة، لا سيّما في بعض البلدان التي يكون فيها أكثرية، أما المذهب الشافعي والمالكي فلهما حضور في شمال أفريقيا وبلدان أخرى، في حين أن المذهب الحنبلي هو خامس هذه المذاهب الأساسية.

وإذا كان الاصطفاف عقلياً واجتهادياً، فإن العلاقة التي ينبغي أن تسود بين المذاهب والطوائف ينبغي أن تكون هي الأخرى عقلية وسلمية وعلى أساس المشترك الإنساني والوطني والعروبي والإسلامي والمسيحي، وليس وفقاً لمصالح سياسية أنانية ضيقة، تريد دفع الأمور باتجاه الافتراق الذي لا عودة فيه ولا إمكانية لإعادة لحمته، ولعل بعض أمراء الطوائف سيكونون هم المستفيدون من هذا الانقسام والتناحر، طالما يؤمن لهم زعاماتهم وامتيازاتهم، وحتى تفاهماتهم مع أمراء الطوائف في الأطراف الأخرى.

المواطنة والطائفية

بين الطائفية والمواطنة فرق كبير وشاسع، والمواطنة ليست طائفية حتى وان انتمى المواطن إلى طائفة، إلاّ أن الأساس الذي يربطه بالمواطن الآخر هو الوطن والمواطنة والحقوق المتساوية، المتكافئة، والمشترك الإنساني في إطار سيادة القانون، وإذا ما أقرّ الجميع ذلك وفق دستور ينظم علاقة المواطن بالدولة، فالأمر يقتضي أن تكون هي المرجعية وليس غيرها، وهو ما يتطلب التصدي لمرتكبي الطائفية، طبقاً لقانون يحظرها ويعاقب من يدعو أو يروّج أو يتستر عليها، أو يتهاون في مكافحتها أو يخفي معلومات عنها وذلك بهدف تعزيز المواطنة وتعميق أواصر اللحمة الوطنية والوحدة الكيانّية للمجتمع والدولة.

وإذا ما اقترنت الطائفية والتمذهب بأفعال وأنشطة من شأنها أن تؤدي إلى انقسام في المجتمع ونشر الفوضى والاضطراب، واستخدام العنف والقوة والتمرّد، وقد تقود إلى حرب أهلية، فإن ذلك يرتقي إلى مصاف جرائم أمن الدولة الكبرى، بما فيها جرائم الإرهاب، وقد تصل إلى جرائم الخيانة العظمى إذا ما ترافقت مع تحريضات لجهات خارجية وفقاً لأجندات أجنبية، خصوصاً في ظل استفزاز المشاعر الخاصة، ودفعها باتجاه عدواني ضد الآخر، الأمر الذي قد يصل إلى ما لا يُحمد عقباه.وإذا كان الانتساب إلى الطائفة أمر طبيعي، مثل الانتساب إلى الدين وهي فرع منه، أو الانتساب إلى الوطن، أو الأمة، لاسيما وان الإنسان غير مخيّر فيها، فقد يولد الإنسان مسلماً أو مسيحياً، أو عربياً أو غير عربي، ومن منطقة معينة ومن طائفة معينة حسب الآباء والأجداد، في لبنان أو المغرب أو الصومال أو المملكة العربية السعودية أو العراق أو إيران أو أفغانستان أو الهند أو إندونسيا أو في بعض بلدان آسيا الوسطى، ولم يسأله أحد عن رغبته وقد لا يجوز له تغيير ذلك لو أراد بحكم قيود وضوابط قد تؤدي إلى هلاكه، لاسيّما في ظل النزعات المتطرفة والمتعصبة السائدة، لكن التمترس وراء طائفته ومذهبه ضدّ الآخر، وبهدف الحصول على امتيازات، فهذا شيء آخر، خصوصاً إذا كان على حساب المواطنة والمساواة، بما يؤدي إلى التمييز لأسباب طائفية، الأمر يلحق ضرراً بحقوق الطائفة ذاتها وأفرادها مثل يلحق ضرر بحقوق الطوائف الأخرى، وبالوطن والأمة ككل، جماعات وأفراداً وبقضية حقوق الإنسان ككل.

تطويق الطائفية

ولتعزيز قيم المساواة والمواطنة وتطويق الطائفية سياسياً واجتماعياً بعد تحريمها قانونياً، ينبغي حظر العمل والنشاط السياسي، وتحت أية واجهات حزبية أو اجتماعية أو مهنية أو نقابية أو ما شابه ذلك، إذا كانت تسعى لنشر الطائفية أو المذهبية (التمييز الطائفي أو المذهبي)، بصورة علنية أو مستترة، خصوصاً بحصر الانتساب إلى ذلك الحزب أو المنظمة أو الجمعية أو تلك، بفئة معينة، بادعاء تمثيلها أو النطق باسمها أو التعبير عنها.كما لا بدّ من منع استغلال المناسبات الدينية للترويج للطائفية أو المذهبية، بغية إثارة النعرات والعنعنات بين الطوائف وإضعاف مبادئ الوحدة الوطنية والهوية الجامعة المانعة، التي أساسها الوطن والإنسان، ويقتضي ذلك أيضاً منع استخدام الطقوس والشعائر والرموز الدينية بما يسيء إلى الطوائف الأخرى، خصوصاً من خلال الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي والالكتروني، الأمر الذي يتطلب على نحو مُلح إبعاد الجيش والمؤسسات الأمنية ومرافق الدولة العامة عن أية انحيازات أو تخندقات طائفية بشكل خاص وسياسية بشكل عام.وإذا أردنا وضع اليد على الجرح فلا بدّ من حظر استخدام الفتاوى الدينية لأغراض سياسية، لاسيما انخراط رجال الدين فيها، خصوصاً إذا كانت تتعلق بالشأن العام السياسي، وهذا الأمر ينطبق أيضا على الجامعات والمراكز المهنية والاجتماعية والدينية والأندية الرياضية والأدبية والثقافية، التي ينبغي أن تكون بعيدة عن أية اصطفافات طائفية أو مذهبية. إن بناء دولة مدنية دستورية عصرية واحترام حقوق المواطنة كاملة (أي دولة تستند إلى حكم القانون)  يقتضي وضع حدّ للطائفية السياسية تمهيداً لتحريمها ومعاقبة القائمين عليها أو الداعين لها أو المتسترين عليها، وهي الطريق الأمثل للوحدة الوطنية والهويّة الجامعة – المانعة وحسب زياد الرحباني “يا زمان الطائفية.. خليّ إيدك على الهويّة”.

الدولة والتوازن المجتمعي

تقوم الدولة العصرية على قاعدة المواطنة  وهذه تشمل مبادىء الحريّة والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة. ولا يمكن الحديث عن مواطنة دون الحديث عن المواطن أو الشخص الطبيعي المجرد، الأمر الذي يدفع للحديث عن المجتمع المدني والبنية الاجتماعية المتطورة قياساً بالبنية التقليدية، وتمتاز الأولى عن الثانية، في كون المجتمع المدني يقوم على أساس منظمات مدنية طوعية يكون الانتساب إليها وفقاً لاختيارات حرة واعية وهي منظمات غير حكومية وغير إرثية، أي أن العضوية فيها لا تتوارث عن العائلة أو العشيرة أو الطائفة أو الدين أو غير ذلك، وهي منظمات غير ربحية وهو ما يميّزها عن القطاع الخاص، فضلا عن أنها منظمات حداثية وديمقراطية، أي تمارس الديمقراطية في جميع أعمالها وعلاقاتها الداخلية، بين هيئاتها وأفرادها وبينها وبين محيطها الخارجي.

كما يفترض فيها قبول التعدّدية والاختلاف والتنوّع في حين أن البنية التقليدية، يمكن أن تشكل مجتمعاً أهلياً عشائرياً وراثياً أو دينياً أو طائفياً أو جهوياً، ينتمي إليه الفرد بصورة أوتوماتيكية وليست طوعية اختيارية.            وإذا كانت الدولة العصرية قد استقرّت وأصبحت كياناً قائماً ومعترفاً به لا يمكن إلغاؤه، لأنه “معطى تاريخي” يقوم بوظيفتين أساسيتين هما: حفظ وصيانة أرواح وممتلكات المواطنين، وضبط النظام والأمن العام، فإن هذه الدولة لا يمكنها أن تستقيم دون وجود مجتمع مدني حر ومستقل وفاعل يسهم في الرصد والمراقبة والشراكة، خصوصاً وان وظيفتها اتسعت وتشعبت مدنياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، وفيما بعد تفرّعت عنها ما يمكن أن يطلق عليه “دولة الحماية” أو “دولة الرعاية” أو”دولة الرفاه” بتشعب وتنوّع وتوسع مهمات وواجبات ووظائف الدولة، تلك التي يمكن تطويرها من خلال الدور الذي يقوم به المجتمع المدني لتعديل التوازن الاجتماعي مع الدولة، عبر الضغوط المتواصلة وتوازن القوى للجماعات والفئات الاجتماعية، التي يمكن أن تسهم في تأمين احترام حقوق الإنسان وحرياته المتطورة والمتوالدة.      وقد تمكّنت الدولة العصرية من تحقيق عدد من المنجزات السياسية (التعايش والصراع السلمي بين الطبقات والفئات والمراتب الاجتماعية، ولاسيما في ظل اتخاذ الصراع الطبقي إشكالاً جديدة) والاجتماعية والاقتصادية (اكتساب الصراع بُعداً تنافسياً بين الفئات والتيارات الاجتماعية، لاسيّما من خلال الخدمات والضمانات والبرامج والاقتصادية وارتفاع مستوى الأجور وتحسين شروط العمل واستثمار أوقات الفراغ والراحة) والثقافية (بالاستفادة من منجزات الثقافة والفن والأدب والعمران والجمال وغيرها) .

وقد خفّت حدّة النزاعات القومية والإثنية والدينية في الدول المتقدمة، وأصبحت المواطنة قيمة عليا، تقوم عليها القاعدة الدستورية للدولة وهي العنصر الناظم للكيان الاجتماعي، وهو ما زالت الدول النامية تفتقر إليه ومنها في عالمنا العربي والإسلامي، لاسيما وأن بنيتها الدستورية والقانونية، فضلاً عن أساسها الاجتماعي ضعيفاً، وكذلك ضعف تأثير المجتمع المدني.

بنية الدولة العربية

إن البنية السياسية العربية ما تزال محكومة بقواعد أخرى بعضها ما زال بعيداً عن التطور الدولي سواءً على الصعيد الدستوري والقانوني، أو على الصعيد السياسي والمدني، أو على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فضلاً عن قصور نظرته إلى المشترك الإنساني، بحيث يعتبر البعض هذا التطور مجرد بدعة وضلال يستهدف الأمة ودينها وقيمها وتراثها.وإذا كان الناظم الدولي ذو الأبعاد الإنسانية يقوم على مبادئ المشاركة بإجراء انتخابات حرّة ودورية سواءً على مستوى الحكومة أو البرلمان، فإن الكثير من البلدان العربية ما تزال مستغرقة بمقاربات أخرى، وحتى لو أجرت انتخابات فإنها ستكون شكلية في الكثير من الأحيان أو أن الدولة تتدخل في التأثير على نتائجها، خصوصاً في الدول الشمولية أو التسلطية أو المنغلقة، أو توظّفها على شكل سلطوي لامتصاص النقمة وللتساوق مع التطور الدولي، والظهور بمظهر المستجيب للضغوط الدولية.

الهويّة والمواطنة بضدِّهما

أحياناً لا نتحدّث عن الشيء إلاّ بضدّه، وحتى فهم التاريخ حسب ألتوسير المفكر الماركسي غير التقليدي، هو قراءة الوعي بضدّه، وكما يقول الشاعر علي بن جبلة: ضدّان لما استجمعا حُسناً    / والضدّ يكشفُ حسنهُ الضدُّ

 ذلك إن غياب أو تضبّب مسألة الهويّة والتباس وتشوّش مسألة المواطنة عندنا، ناهيكم عن اختلاطهما في المنافي والمهاجر ودخول عوامل جديدة عليهما سلباً وإيجاباً، لا زال يثير هواجس وتداعيات كثيرة، سواء على الصعيد الفردي أو على الصعيد الجماعي، وفي الوطن والمنافي على حدّ سواء، خصوصاً في ظلّ بدائل ملتبسة، دينية أو طائفية أو إثنية أو غير ذلك، حيث يصبح التذرّر عائقاً حقيقياً أمام الدولة وفي طريق المواطنة، بما يؤدي إلى تعثّر مشروع الحداثة، باستمرار القَدامة لمرحلة ما قبل الدولة وتشظياتها وتقوقعها.

 إن الإحساس المتنامي لدى فئات غير قليلة بالاغتراب أو الشعور بالحيف أو الغبن أو التهميش أو الاضطهاد، لهوّياتها الفرعية، ولّد لديها حاجة متنامية ورغبة ملحّة في التعبير عن نفسها، وإظهار خصائصها وتميّزها، وسعيها لتأسيس كيانّية خاصة، تمثّل هوّيتها سواءً كانت دينية أو قومية أو لغوية أو غير ذلك.

وفي بعض الأحيان خلق مثل هذا الإحساس لدى هذه الفئات شعوراً بالانعزال وضيق الأفق جرّاء سياسات الاستعلاء الطويلة الأمد ومحاولات الهيمنة من جانب هوّيات أخرى تحت عناوين مخادعة مثل “الأغلبية” أو “الأكثرية” التي تفترض التسيّد لعددها أو حجمها، بحيث تكون بمكانة علوية أو سامية أو حتى “شرعية” باستخدام المسطرة الديمقراطية على نحو يتعارض مع جوهرها، ونعني بها مبادئ المساواة، لا سيّما عندما يتصرّف من يزعم تمثيل هذه “الأغلبيات” أو الأكثريات العددية لإخضاع “الأقليات” (الأقل عدداً أو الأصغر حجماً)، سواءً بمحاولة الاستقواء عليها أو تذويبها أو تهميش هوّيتها الفرعية أو عدم الاعتراف بها على قدم من المساواة وعلى أساس المواطنة مع الهوّيات الأخرى، أو محاولة احتوائها وتدجينها تحت ذرائع ومبرّرات مختلفة. ومهما كانت المزاعم فإن مثل هذا الأمر يتعارض مع مبادئ الديمقراطية والمساواة المفترضة بين الهوّيات بغض النظر عن نسبتها العددية، طالما تمثّل خاصيّات معينة تختلف عن الخاصيات الأخرى، إثنياً أو دينياً أو لغوياً أو غير ذلك، وتفترض هذه الخصوصية التعامل على نحو متساوي، ومن مسافة واحدة من جانب الدولة مع الهوّيات المختلفة دون تمييز أو محاباة تحت أية حجة كانت، فالدولة ينبغي أن تكون محايدة إزاء الأديان أو القوميات أو اللغات أو أية خصائص مشتركة لجماعة من الناس، مثلما عليها أن تتعامل مع الجميع على أساس المواطنة دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو اللون أو الأصل الاجتماعي أو غير ذلك.وقد أعادت حركات الاحتجاج الشبابية والشعبية أو ما أطلق عليه “الربيع العربي” هذه الإشكالات إلى الواجهة على نحو صارخ، سواءً ما يتعلق بالهوّيات، ولا سيّما الفرعية أو ما يتعلق بمبادئ المواطنة التي ظلّت منقوصة في عالمنا العربي بسبب نهج الاستبداد والتسلّط وشحّ الحريات في ظلّ الأنظمة التي حكمت ما بعد فترة الاستقلال وزيادة الشعور بضرورة تحقيق المساواة والكرامة الإنسانية، وصولاً إلى مواطنة يحميها القانون الذي لا يميّز بين المواطنين لاعتبارات دينية أو إثنية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو لغوية أو سلالية أو جنسية أو لأي سبب كان.

{ مفكّر وأكاديمي

مشاركة