تعريض الرجل العظيم إلى السخرية – عـلاء لازم العيـسى

كتابة السيرة والخوف من صراحة البوح

تعريض الرجل العظيم إلى السخرية –  عـلاء لازم العيـسى

 منذ  (50) سنة أو أكثر ، طرح أحد أدباء مصر هذا السؤال : كيف نكتب عن العظماء ؟ ما الذي نظهره ، وما الذي نخفيه ؟ هل نؤلههم فلا ندخل غرف نومهم ، أم نؤنسنهم فنتعامل معهم كبشر يخطئ ويصيب ، ويحبّ ويكره ، ويضحك ويبكي ، ويمدّ يده ويخلع بنطلونه؟ .

     وتعددت الإجابات ، فكان عباس محمود العقاد يرى أنه لا يكتب إلا عن عبقرية العبقري ، نبوغه ، علمه ، ويكفيه أن يجد مفتاحاً لشخصيته يحلل منه وبه هذه العبقرية ، وعارضه الدكتور أحمد زكي ـــ الذي رأس جامعة القاهرة ـــ بقوله : إن من خلال هذا المنهج نبرر أخطاء العبقري ونجد له الأعذار ، فإذا كانت الشعوب أسقطت حقّ الملوك الإلهي ، فلا يجب أن نعطي هذا الحقّ للعباقرة.   والحقيقة أنّ كثيراً من الكتّاب ، من العرب ومن غيرهم ، يتجنّبون الصراحة ، ونزع الأقنعة أثناء كتابة سيرهم الذاتية ، أو عند كتابة سير الزعماء والمشاهير والرموز الدينيّة أو القوميّة ، بحجج وأسباب كثيرة ، ذاتية وموضوعية ، أهمّها : أنّ أكثر الناس يودون أن يسمعوا ما يُحبون عن زعمائهم ، فالنفس تأنس لما تهواه ، وتتعشّق ما استقرت عليه  ويصعب عليها أن تستوعب غيره ، حتى لو تبينت أنه الحقّ ، ولهذا لا يمكن للكاتب أن يسبح عكس التيار ، فيخسر سمعته ، ويهــــــدم ما بنى من أمجاد .

    وربّما أحجم بعضهم عن هذا النوع من الكتابة لظنّه أن الصراحة الزائدة في كتابة سير الآخرين ، وكشف المستور من خفايا شخصياتهم ، تعدّ من المجاهرة الممقوتة ، لأنها تعتمد نشر فضائح الآخرين ، وتتبع عوراتهم ، وملاحقتهم بما يكرهون لو كانوا أحياء بيننا ، كما أنّ استخدام تلك الطريقة في الكتابة عن بعضهم ، سيسيء إلى أهل وزوجة وأبناء ما زالوا أحياء  ، وهذا مخالف للنبالة والمروءة ومخالف للذوق العام .

اخفاء حقائق

    ومن الأسباب الرئيسة ، في عدم ذكر بعض الحقائق ، ومحاولة إخفائها ، عند كتابة السيرة ، والسيرة الذاتية بصورة خاصة ، أنّ أكثرنا ـــ وبسبب حبّ النفس المركوز في داخله ـــ يحرص على أن يقدّم نفسه ، أو من يتبع ، للآخرين في صورة تكفل قبوله ورضاءهم عنه ، بصرف النظر عن حقيقته ، أو عمّا يؤمن به ، ويمارس حياته على أساسه ، فيستطرد في ذكر مآثره ، في مواقف ووقائع ، يضخّمها وينفخ فيها صدقاً وكذباً ، مبتلعاً كلّ سيئة تقع في طريقه ، ومضفياً طابع العصمة عليه .

   إن مهمة كاتب السيرة هي أن يرسم صورة صادقة عن نفسه ، أو عمّن يكتب عنه  وذلك من خلال البحث المتسم بالاستقلالية والتأني وعدم الانفعال ، وأن يحافظ على الدوام على روح التحري الحر ، بعيداً عن التعصّب ، وأن ينتقي من السيرة ما هو ضروري منها ، والاستغناء عمّا هو غير مفيد ، مع التركيز على أصغر وأدق التفاصيل ، وعلى كلّ ما يوفر لنا فكرة عمّا كان يبدو عليه الشخص المعني ، كالتقاط تصرفاته الصغيرة ، وانفعالاته العابرة ، ونبر صوته ، ولون بشرته ، وسمة بدنية معيّنة ، أو علامة فارقة في وجهه ، وأسلوب محادثته ، لأنها تكون أكثر التفاصيل إثارة للاهتمام والمتعة ، إضافة إلى أنها تؤدي دوراً كبيراً في تكوين فكرة عن شخصية المترجم ، وعن صورته البدنية ، على أن يكون وصفنا لهذه التفصيلات الصغيرة غير مضجر للقارئ ، وغير مشتتة لانتباهه ، ولا تحتاج إلى تركيز عالٍ للجهد من أجل دمج تفاصيلها .

    وكلّما كانت شخصية المترجَم معروفة في الحقل السياسي ، أو في مراكز صنع القرار ، اكتسب الكلام عنها حساسية أكثر ، واحتاج الكاتب إلى شجاعة أكثر ، وهذا ما حدث حينما أصدرت الأديبة اللبنانية غادة السمان كتابها (( رسائل غسّان كنفاني إلى غادة السّمان )) إنّ هذا الكتاب قلب الدنيا ، وهزّ الوسطين الأدبي والسياسي ، وأثار ضجة كبيرة ترددت أصداؤها في كل مكان من العالم ، وانتشرت في كافة الصحف والمجلات العربية ، وبين مستنكرين ومؤيدين ومتفرجين.

حب وغرام

    فالمستنكرون رأوا في نشر هذه الرسائل جريمة لا تغتفر ، إذ لا يصح ربط اسم مناضل وبطل فلسطيني معروف ، وشهيد بعد ذلك ، بقضايا الحب والغرام ، والهوى وعذابات الشكوى ، واتهموا غادة بتلفيق هذه الرسائل ، وبالتآمر مع الصهيونية العالمية ، على رمز من رموز النضال ، دفع دمه وحياته ثمناً لما يؤمن به .

    أما المؤيدون فقد رأوا في نشر غادة لتلك الرسائل شجاعة كبيرة ، وثقة متجددة بالنفس ، في إبداء آرائها الصريحة دون لف أو دوران أو نفاق ، وأنها بنشرها تلك الرسائل كشفت مشكورة (( عن وجه آخر ، وجه إنساني عميق وصادق لغسان كنفاني ، الذي لطالما اختفى خلف قناع المناضل وسمات الشهيد )) ، كما طالب بعض الكتّاب بضم كلّ رسالة وجوابها ، وعلّقت الأديبة العراقية إنعام كجه جي    ـــ وكانت من المؤيدين ـــ بقولها : (( كلّ جريمة غادة أنها امرأة عربية خرجت عن المألوف فنشرت رسائل أديب هام بها ، مع كلّ ما في الهيام من خيلاء … ، ومن لحظات ، ومن كان منا بلا ضعف فليرمِ غادة بحجر)).

    أما غادة السمان فقد كتبت في مقدمة كتابها تقول : (( للحقيقة سطوة ترفض مجاملة الزيف ، وركوعاً منّي لسطوتها سأنشر رسائل زمن الحماقات الجميلة دون تعديل أو تحوير ، لأن الألم الذي قد تسببه لآخرين عابرين مثلي هو أقلّ من الأذى اللاحق بالحقيقة إذا سمحتُ لقلمي بمراعاة الخواطر ، والحقيقة وحدها تبقى بعد أعوام حين أتحول وسواي من العابرين إلى تراب كغسّان نفسه )).

    إنّ الخوف من البوح بمكنونات النفس ، وخصوصيات الآخر ، لا تقتصر علينا نحن العرب فقط ، بل تشمل الإنسان الأوروبي أيضاً ، وهذا ما ذكرته الدكتورة والأكاديمية المتخصصة بعلم النفس ( كاي ردفيلد جاميسون ) ، التي كانت تقدم خطوة إلى الأمام ، وترجع خطوتين إلى الخلف ، عندما أرادت نشر كتابها ( عقل غير هادئ ) ، لكنها قررت في لحظة صدق ، أن تخلع الأقنعة ، وتمزق الأحجبة ، وتخرج على الملأ لتحكي تجربتها الرهيبة مع مرضٍ قاسٍ يطلق عليه ( ذهان الهوس الاكتئابي ) أو( الاضطراب الوجداني ثنائي القطبين ) ، غير مبالية بما يجره عليها ذلك البوح من سمعة سيئة نتيجة اتهامها بالجنون مثلاً ، قد تكلفها خسارة عملها الأكاديمي والعلاجي ، وخسارة موقعها الاجتماعي واحترام الناس لها ، إذا سردت سيرتها الذاتية ، وصراعها الرهيب مع المرض ، بكل شفافية وصدق وصراحة : (( لقد كانت هناك أمور عديدة تقلقني بخصوص تأليف كتاب يشرح    ـــ بصراحة وبدون تحفظ ـــ نوبات الهوس والاكتئاب والذهان التي كانت تصيبني ، بالإضافة إلى مشاكلي في الاعتراف بالحاجة إلى العلاج المستمر ، الأطباء كانوا ، لأسباب واضحة تتعلق بالترخيص وامتيازات المستشفيات ، مترددين في كشف مشاكلهم النفسية للآخرين ، هذه الأمور المقلقة كانت مبرراً جيداً لعدم النشر ، ليست لديّ أية فكرة عن الآثار طويلة المدى لمناقشة أمور علانية ـــ على هذا النحو ـــ على حياتي الشخصية والمهنية ، ولكن مهما كانت العواقب ، فإنها ستكون أفضل من الاستمرار في الصمت ، لقد تعبت من الاختباء ، تعبت من التمثيل ، كما لو أن عندي شيئاً أخفيه)).

 أخيراً ، فإنّ كاتب السيرة الذي يتصور أن بوسعه تحسين عمل الطبيعة مما يعرّض الرجل العظيم إلى السخرية ، وذلك بحذف رسالة حبّ كتبها في لحظة ضعف ، أو بإنكار تغيير في الموقف أو في العقــــيدة ، هذا الكاتب ـــ كما يرى اندريه موروا ـــ إنما يمسخ بطله ويشوهه ، وفي نهاية المطاف يقزمه .