تطوّر التعاون الأمني بين الدول العربية – عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي

1

تطوّر التعاون الأمني بين الدول العربية – عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي

اولاً // قبل تأسيس جامعة الدول العربية ، كان التعاون الامني بين الدول العربية قد

         اخذ صيغة التعاون الثنائي على وفق اتفاقيات امنية خاصة ، نذكر منها على   سبيل المثال :-

  • الوفاق المصري السوداني سنة 1902 .
  • الاتفاق المؤقت بين مصر وحكومة فلسطين سنة . 1931
  • المعاهدة المصرية العراقية سنة . 1931

وقد اشير الى هذه الاتفاقيات في صفحة 136 من كتاب وثائق جدول اعمال المؤتمر الثاني لوزراء الداخلية العرب – بغداد – 2 – 4 تشرين اول 1978) اصدار المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي – امانة المنظمة) .

  •         اتفاق بين العراق وسوريا ولبنان في عام 1922 بشأن جلب الشهود وتبادل الاوراق العدلية .
  • اتفاق مؤقت لاسترداد المجرمين بين العراق وسوريا ولبنان سنة 1929 .
  • معاهدة تسليم المجرمين بين العراق والحجاز ونجد وملحقاتها في 8 نيسان 1931 .

(وقد اشير لهذه الاتفاقيات الثلاثة في كتاب الدكتور رشدي خالد – اتفاقات التعاون القانوني والقضائي بين العراق والدول الاخرى – منشورات مركز البحوث القانونية – وزارة العدل – بغداد – 1982 – الصفحات 7 –  . 9

  • معاهدة الاخوة العربية والتحالف المنعقدة بين مملكة العراق والمملكة العربية السعودية سنة . 1936
  • اتفاق حسن الجوار بين العراق وسوريا للتعاون الامني على الحدود لسنة 1937  اشير لهاتين الاتفاقيتين في كتاب وجيه يونس واسماعيل الراشد – المحيط في تشكيلات الشرطة العراقية – الجزء الثاني – بغداد – 1955 صفحات 541 – . 547

ومن المؤكد وجود اتفاقيات امنية عربية ثنائية اخريات لم تتوفر لدينا مصادر عنها .

ثانياً // وقبل تأسيس الجامعة العربية ايضاً كانت الدول العربية قد اتجهت للتعاون

          الامني فيما بينها بصيغة الانضمام للاتفاقيات الدولية …. ونذكر من تلك   الاتفاقيات ما يأتي :-

  • الاتفاقية الدولية حول تحريم الاتجار بالرقيق الابيــــــض لسنة . 1910
  • الاتفاقية الدولية المعقودة حول تحريم الاتجار بالنساء والاطفال لسنة1921  .
  • اتفاقية الافيون والبروتوكول الموقع عليها في جنيف عام . 1925
  • الاتفاقية الدولية حول تحريم الاتجار بالنساء البالغات المعقودة عام . 1933
  • الاتفاقية الدولية لمعاقبة الارهاب المعقودة في جنــــيف عام . 1937
  • الاتفاقية الدولية الخاصة بمرور السيارات الموقعة في باريس عام . 1926
  • الاتفاقية الدولية لتحديد صناعة العقاقير الخطرة وتنظيم توزيعها لسنة 1931
  • اتفاقية مكافحة الاتجار غير المشروع في المواد المخدرة لسنة . 1936
  • الاتفاقية الخاصة بالرق الموقعة في جنيف عام . 1926
  • اتفاقية برن بشأن حماية المصنفات الادبية والفنية لعام 1886 والتي مـــــازالت نافــــــذة .
  • الاتفاقية الدولية لمراقبة المتاجرة بالاسلحة والاعتدة والادوات الحربية الموقعة في جنيف سنة . 1925
  • الاتفاقية الدولية بشأن الجولان على الطرق الموقعة في باريس عام 1926
  • الاتفاقية الدولية المتعلقة بتوحيد اشارات الطرق الموقعة في جنيف عام 1931 .
  • الاتفاقيات الدولية الخاصة بالنقل (جوي ، بري ، بحري) ومنها اتفاقية بروكسل لعام 1924 بشأن سندات الشحن للبضائع بوسائل النقل البحري ….

ثالثاً // اول تعاون امني عربي في مجال ادارة وتنظيم المرور تم باطار نشاط اللجنة الدائمة للمواصلات المنبثقة عن ادارة النقل والمواصلات في جامعة الدول العربية … وذلك في اجتماعاتها ، العاشر المنعقد في تونس عام 1964 ? والحادي عشر المنعقد في الجزائر عام 1966 ? والثاني عشر المنعقد في القاهرة عام 1970 . كما كان لجهود ادارة النقل والمواصلات في جامعة الدول العربية اثرها البالغ في عقد المؤتمر العربي الاول للمرور في القاهرة خلال الفترة من 20 – 25 ايار 1972 ? حيث التقى لاول مرة مدراء شرطة المرور في الدول العربية ، وناقشوا مختلف الجوانب القانونية والهندسية والتربوية ذات الصلة بحوادث المرور وخطط الوقاية منها .

  رابعاً // انضمام عدد من الدول العربية الى منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الانتربول) قبل تأسيس جامعة الدول العربية …. صورة من صور التعاون الامني العربي باطار المنظمات الدولية ، ومن الثابت ان مصر انضمت في عام 1935 الى الانتربول حينما كان يعمل تحت اسم (القومسيون الدولي للشرطة الجنائية) .

خامساً // كان تأسيس المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة سنة 1960   باطار جامعة الدول العربية … وبدأ نشاطاتها عام 1964 من خلال ثلاثة مكاتب مرتبطة بها هي :-

  • مكتب شؤون المخدرات .
  • المكتب العربي للشرطة الجنائية .
  • المكتب العربي لمكافحة الجريمة .

بداية مرحلة جديدة في التعاون الامني العربي … وكانت المؤتمرات الدورية والندوات العلمية والدراسات والبحوث التي انجزتها المكاتب الثلاثة ، ومازالت ثروة قومية في المعرفة الامنية ، ووسيلة فعالة في تبادل المعلومات بين الاجهزة الامنية العربية . (جامعة الدول العربية – المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة – قائمة بالمطبوعات والدراسات واللقاءات – 1960 – .(1985

سادساً // مجلات الشرطة العربية من اهم وسائل تبادل المعلومات بين الاجهزة  الامنية العربية …. ويمكن القول ان جميع الدول العربية اعتنت باصدار   مجلة باسم (مجلة الشرطة) او (مجلة الامن) او (مجلة الداخلية) ….. ومازالت هذه العناية متصاعدة .

   ومن الثابت ان (مجلة الشرطي) العراقية الصادرة في شباط 1927 هي اقدم  مجلة شرطة عربية …

ومن المجلات العربية الواسعة الانتشار في الوقت الحاضر بالاضافة الى مجلة الشرطة العراقية كل من مجلة (الامن العام) المصرية ومجلة (الفكر الشرطي) في دولة الامارات العربية – الشارقة ، ومجلتي (الامن والحياة) و (المجلة العربية للدراسات الامنية والتدريب) اصدار اكاديمية نايف العربية للعلوم الامنية .

وتميزت جمهورية اليمن باصدار مجلة (الحراس) الشهرية وجريدة (الحارس) الاسبوعية . (للمزيد من التفاصيل … تراجع دراستنا (الشرطة والصحافة في الوطن العربي – تموز 2002م – مجلة الفكر الشرطي – الشارقة) .

سابعاً // من معالم تطور مسيرة التعاون الامني العربي في مجال تبادل المعلومات وغيرها من مجالات التعاون الامني العربي ، المنجزات التي تحققت بعد تأسيس مجلس وزراء الداخلية العرب في سنة 1982 بعد ان عقد السادة وزراء الداخلية العرب ثلاثة مؤتمرات لهم الاول في القاهرة عام 1977 والثاني في بغداد عام 1978 والثالث في الطائف عام 1980  ومؤتمر استثنائي في الرياض عام 1982 الذي صادق على تأسيس المجلس المذكور وعقد دورته الاولى  بالمغرب عام 1982 ودورته التاسعة عشر في بيروت عام 2002 . ومن تلك المنجزات :-

  • تأسيس المكتب العربي للحماية المدنية والانقاذ في المغرب .
  • تأسيس المكتب العربي للاعلام الامني في القاهرة .
  • اصدار مجموعة قوانين نموذجية عربية موحدة للمخدرات وللمرور ومشاريع اخرى للحماية المدنية ، ولمكافحة الارهاب ، وللاسلحة والذخائر والمتفجرات والمواد الخطرة ، ولحماية وتنمية البيئة .
  • اعداد خطط امنية ، واستراتيجيات عديدة ، كانت ومازالت من اهم انجازات التعاون الامني العربي . وأرست قواعد ممتازة لتبادل المعلومات الامنية .
  • توسيع دائرة الندوات والمؤتمرات والاجتماعات في اطار مكاتب الامانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب ، ومؤسسات اكاديمية نايف العربية للعلوم الامنية ، لتشرك في اعمالها مختلف صنوف قوى الامن الداخلي العربية ، بل وتطور الامر لاشراك مسؤولين عرب من وزارات اخرى كالعدل والصحة والشؤون الاجتماعية والتربية والاعلام ، وهذا بحق نهج سديد  ، يعد في تقديري ، سمة جديدة في العمل الامني العربي تقوم على توطيد التكامل ليس فقط بين رجال الامن العرب وانما بينهم وبين المؤسسات الامنية ذات الصلة …. وبذلك تنامت جذور ، ورسخ مفهوم (الامن العربي الشامل) في تبادل المعلومات الامنية . (انظر مجلس وزراء الداخلية العرب – الرؤى والطموحات – الامانة العاملة – تونس – شباط 2001م) .

ثامناً // لو بذل احد الباحثين في احد المعاهد الامنية العربية جهداً لدراسة دور كليات الشرطة والمعاهد والاكاديميات الامنية في الدول العربية بتعزيز مسيرة العمل الامني العربي في مجال تبادل المعلومات عن طريق الدورات التدريبية لضباط شرطة عرب لاكتشف انه دوراً كبيراً ومهماً ، وبخاصة في مصر (كلية الشرطة + معهد تدريب ضباط الشرطة + معهد القادة + قسم الدراسات العليا في اكاديمية الشرطة المصرية) .

 وكذلك في العراق ، حيث تخرج من كلية الشرطة والمعهد العالي لضباط الشرطة (المعهد العالي للتطوير الامني) عدد ليس قليل من ضباط شرطة من اقطار عربية اخرى …

    اما بعد تأسيس اكاديمية نايف العربية للعلوم الامنية والتدريب ، فقد تحملت بجدارة امانة المسؤولية الاولي في هذا الشأن ، ومازالت تواصل اداء رسالة مهمة في التنمية البشرية في القطاع الامني العربي  باقتدار مشهود يعزز مفاهيم الرابطة القومية من اجل ان تؤدي امتنا العربية دورها الحضاري العالمي في خدمة الانسانية ، على طريق العلم والايمان .

تاسعاً // رسائل الماجستير والدكتوراه في العديد من الجامعات العربية ، تناولت  خلال الخمسين سنة الماضية عشرات الموضوعات ذات العلاقة بالقضايا الجنائية والامنية والادارية والاعلامية والاقتصادية ذات الصلة بالتعاون الامني العربي .

 وانجزت في العراق دراسات اكاديمية عن (جرائم المخدرات) و (جرائم الدعس) و (الانتربول) و (الاسباب الاجتماعية والنفسية لحوادث المرور) و (دور المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة) و (تسليم المجرمين) و (الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي) و (استغلال النفوذ) و (المسؤولية الادارية لقوى الامن الداخلي) و (طاعة الاوامر واثرها في المسؤولية الجنائية) و (دور التلفزيون في نشر الوعي المروري) وغيرها  ولاشك انه في جامعات جميع الدول العربية رسائل اكاديمية مماثلة . ولان  الدراسات الاكاديمية في اغلبها دراسات مقارنة ، فانها تعد باعتقادي من صيغ   التعاون الامني العربي في مجال تبادل المعلومات .

عاشراً // في الوطن العربي تأسست جمعيات اجتماعية اهلية ليست حكومية ، اعتنت بجانب او اكثر من جوانب العمل الامني بمفهومه الشامل ، ومنها جمعيات السيارات والوقاية من حوادث الطرق ، ورعاية وحماية الاطفال ، والرعاية اللاحقة للسجناء وعوائلهم ، ومكافحة العلل الاجتماعية ، والهلال الاحمر ، وحماية وتحسين البيئة ، والارشاد الديني ، والتربية الاسلامية …. واغلب هذه الجمعيات الاهلية لها دوريات منتظمة ، واسهمت في التعاون الامني العربي ….. ودورها المستقبلي اكبر من دورها في الحاضر ، وهي تستحق الدعم والمساندة الرسمية ، وهي صيغة من صيغ التعاون في تبادل المعلومات .

واخيراً …. ومثلما اتضح ان التعاون الامني العربي في مجال تبادل المعلومات كان جيداً في الماضي القريب ، وجيد جداً في الحاضر ، فاننا نطمح ان يكون ممتازاً في القرن الحادي والعشرين ….

ومما يسهم في تحقيق هذا الطموح ، كما نرى ما يأتي :-

  • ان نوحد باقصى ما نستطيع بين الجهد الامني العربي الرسمي والجهد الامني العربي الشعبي …. فالعدل الاجتماعي او الجنائي لا يمكن ان يبحث مستقبلاً بمعزل عن نقابات المحامين او جمعيات الحقوقيين .

و (الاعلام الامني) لن يتحقق بمعزل عن اشتراك (نقابة الصحفيين) . و (قضايا المرور) يجب ان يشترك في بحثها  (نقابة المهندسين) و (نقابة السواق) …. الخ ، وكذلك لابد من ان تشترك معهم (الجمعيات الاهلية) ذات العلاقة .

  • السعي لاعتماد (الانترنيت) بين شعب اتصال الامانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب . وكذلك بين الكليات والمعاهد والاكاديميات الامنية العربية …. وما يقتضيه ذلك من تهيئة وتجميع القوانين والنظم الخاصة بالعمل الامني العربي ، وزيادة العناية بالاحصاءات الامنية العربية … لكي نستطيع ان نواكب تطور التقنية الحديثة في تبادل المعلومات الامنية وتطوير صيغ التعاون في هذا الشأن .
  • كان التعاون الامني العربي في الكفاح ضد الجريمة قد بدأ باطار الجرائم الجنائية التقليدية كالمخدرات والبغاء وجنوح الاحداث وجرائم المرور والجرائم الاقتصادية ، والان تطور باطار مجلس وزراء الداخلية العرب ، ليهتم بالجرائم الجنائية المستحدثة كالارهاب ، وجرائم الحاسوب ، وغسيل الاموال ، والمتاجرة بالاطفال ……وهذا التطور جيد .

ولكن العمل العربي بقى متحفظاً في مناقشة ودراسة (الجرائم الماسة بامن الدول العربية) بجانبيها (جرائم امن الدولة الخارجي) و (جرائم امن الدولة الداخلي) …. كما لم تحظى لحد الان (الجرائم الدولية) كجرائم الحرب ، والابادة الجماعية ، وجرائم العدوان ، والجرائم ضد الانسانية بالعناية التي تستحقها …..

مما جعل الفكر الامني العربي قاصراً عن استيعاب احكام القانون الدولي الجنائي وما ينبغي اتخاذه من مواقف عربية موحدة تجاه الجرائم التي ترتكبها دول اجنبية ضد دول عربية …. مما يوجب المعالجة .

  • التراث الامني العربي الاسلامي ، ثروة مادية ومعنوية ضخمة ، وفيه دروس وعبر ومعاني ومناهج عمل ، لا يمكن لامتنا ان تفرط به او ان تستغني عنه .

فالدول الاجنبية مازالت منكبة على دراسته والاستفادة منه … ونحن اهله واحق من غيرنا باستثماره لصالح حاضر الامة ومستقبلها … وبنفس الوقت ، وبذات العناية ، علينا ان نتابع وندرس ونحلل اتجاهات الفكر الامني العالمي ، سواء باطار (مؤتمرات الامم المتحدة لمنع الجريمة) او باطار (الجمعية الدولية لقانون العقوبات) او (الجمعية الدولية للدفاع الاجتماعي) او (الجمعية الدولية لعلم الاجرام) وغيرها كثير .

بشرط ان تكون دراستنا للتراث الامني العربي الاسلامي ، ولاتجاهات الفكر الامني العالمي ، قائمة على اساس (النقد الاجتماعي والامني) و (التحليل العلمي الموضوعي) ، بما يكشف الصلة الحية بين المشاكل الامنية والجنائية باسبابها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ….

وبذلك نضمن في فكرنا الامني العربي في الوقت الحاضر والمستقبل ، التكامل بين الاصالة والمعاصرة ، وبين النظرية والتطبيق ، وبين العلم والايمان . (عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي – الرؤية المستقبلية للتراث الامني العربي الاسلامي – مجلة الامــــــــن والحياة – العدد .1997/183

{ لواء شرطة حقوقي متقاعد