تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬8‭)‬ – حسن النواب

عندما‭ ‬يحلُّ‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء‭ ‬أذهب‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر‭ ‬إِلى‭ ‬مسبح‭ ‬قريب‭ ‬للاسترخاء‭ ‬بغرفة‭ ‬ساونا‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬الوقت،‭ ‬أستراليا‭ ‬مغرمة‭ ‬بالمسابح،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬مسبحاً‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بيرث‭ ‬لوحدها،‭ ‬لذا‭ ‬ليس‭ ‬عجباً‭ ‬حصول‭ ‬الأستراليين‭ ‬على‭ ‬أوسمة‭ ‬ذهبية‭ ‬بمسابقات‭ ‬السباحة‭ ‬العالمية‭ ‬والأولمبية،‭ ‬فهنا‭ ‬حتى‭ ‬رضيعهم‭ ‬يسبح،‭ ‬بينما‭ ‬في‭ ‬بلادي‭ ‬هناك‭ ‬الناس‭ ‬البسطاء‭ ‬تسمع‭ ‬بحمـَّام‭ ‬الساونا‭ ‬لكن‭ ‬أجسادهم‭ ‬التي‭ ‬أتعبتها‭ ‬وأنهكتها‭ ‬قساوة‭ ‬الحياة‭ ‬لم‭ ‬تدشنه‭ ‬ذات‭ ‬يوم،‭ ‬أوّل‭ ‬مرة‭ ‬سمعتُ‭ ‬بهذا‭ ‬الحمَّام‭ ‬السحري‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬يوم‭ ‬أقيم‭ ‬مهرجان‭ ‬للشعر‭ ‬بفندق‭ ‬الشيراتون‭. ‬كنتُ‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬مصعد‭ ‬ضوئي؛‭ ‬إذْ‭ ‬سمعتُ‭ ‬أحد‭ ‬النزلاء‭ ‬يتحدَّث‭ ‬مع‭ ‬صاحبه،‭ ‬على‭ ‬ملامحهما‭ ‬ترف‭ ‬وجاه،‭ ‬إنهما‭ ‬يرومان‭ ‬الذهاب‭ ‬لحمَّام‭ ‬الساونا،‭ ‬استبدَّت‭ ‬برأسي‭ ‬رغبة‭ ‬لمعرفة‭ ‬ذلك‭ ‬المكان؛‭ ‬فتبعهما‭ ‬وقد‭ ‬شجَّعني‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ثمال‭ ‬ابنة‭ ‬الكروم‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬لما‭ ‬تزل‭ ‬تمرح‭ ‬في‭ ‬جوف‭ ‬رأسي،‭ ‬لكني‭ ‬لم‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬حمَّام‭ ‬الساونا‭ ‬فلقد‭ ‬اعترض‭ ‬طريقي‭ ‬أحد‭ ‬رجال‭ ‬أمن‭ ‬الفندق‭ ‬وأمرني‭ ‬بنبرة‭ ‬متوترة‭ ‬بالعودة‭ ‬إِلى‭ ‬المصعد‭ ‬لأني‭ ‬لا‭ ‬أمتلك‭ ‬بطاقة‭ ‬اشتراك،‭ ‬فكما‭ ‬يبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الحمَّام‭ ‬شيّد‭ ‬خصيصاً‭ ‬لكبار‭ ‬المسؤولين،‭ ‬عدتُ‭ ‬بأدراجي‭ ‬إِلى‭ ‬صالة‭ ‬الفندق‭ ‬ومنها‭ ‬إلى‭ ‬جبهات‭ ‬القتال‭ ‬بعد‭ ‬اختتام‭ ‬مهرجان‭ ‬الشعر،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬ينتظرني‭ ‬حمـَّام‭ ‬مشيّد‭ ‬من‭ ‬طين‭ ‬ومغطّى‭ ‬سقفه‭ ‬بصفيح،‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬غلاف‭ ‬مخروطي‭ ‬أجوف‭ ‬لقذيفة‭ ‬مدفع،‭ ‬يتوهَّج‭ ‬فولاذه‭ ‬بوقود‭ ‬يقطر‭ ‬من‭ ‬أنبوب‭ ‬مطاطي‭ ‬أُنتزعَ‭ ‬من‭ ‬كيس‭ ‬مغذٍّ‭ ‬فارغ،‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬أي‭ ‬جندي‭ ‬بارع‭ ‬ابتكر‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬وأنقذ‭ ‬جلودنا‭ ‬من‭ ‬غبار‭ ‬وبارود‭ ‬ودخان‭ ‬الحرب‭. ‬كان‭ ‬حين‭ ‬يتحوّل‭ ‬غلاف‭ ‬القذيفة‭ ‬لكتلة‭ ‬جمر‭ ‬يضع‭ ‬الجنود‭ ‬بجواره‭ ‬وعاء‭ ‬ماء‭ ‬معدني،‭ ‬خلال‭ ‬دقائق‭ ‬يبدأ‭ ‬بالغليان‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬بخار‭ ‬كثيف‭ ‬وهدير‭ ‬نار‭ ‬مخيفة‭ ‬بجوف‭ ‬تلك‭ ‬القذيفة،‭ ‬تذكرتُ‭ ‬حمَّام‭ ‬جبهة‭ ‬الحرب‭ ‬لمّا‭ ‬بدأ‭ ‬جسدي‭ ‬يتعرَّق‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬الساونا‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬أستراليا؛‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬حرمت‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬الشيراتون‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬لقد‭ ‬دخلتُ‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المنتجع‭ ‬المائي‭ ‬بيسرٍ‭ ‬واحترام‭ ‬مقابل‭ ‬خمسة‭ ‬دولارات،‭ ‬وحمَّام‭ ‬الساونا‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬يعرفه‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬غرفة‭ ‬ضيقة‭ ‬مبطنة‭ ‬بخشب‭ ‬مقاوم‭ ‬للحريق‭ ‬تنبعث‭ ‬منه‭ ‬رائحة‭ ‬تنعش‭ ‬الأعصاب‭ ‬مع‭ ‬حرارة‭ ‬مرتفعة‭ ‬نسبيا‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬تنشيط‭ ‬الدورة‭ ‬الدموية‭ ‬نتيجة‭ ‬نضح‭ ‬عرق‭ ‬غزير‭ ‬من‭ ‬مسامات‭ ‬جسم‭ ‬الداخل‭ ‬فيه‭. ‬أمّا‭ ‬‮«‬الجاكوزي‮»‬‭ ‬يُسمَّى‭ ‬باللغة‭ ‬الإنكليزية‭ ‬Spa،‭ ‬وهو‭ ‬حوض‭ ‬بعمق‭ ‬متر‭ ‬إلى‭ ‬متر‭ ‬ونصف‭ ‬ويكون‭ ‬بأشكال‭ ‬هندسية‭ ‬جذّابة،‭ ‬مُبطّن‭ ‬بسيراميك‭ ‬ملوّن‭ ‬ويتدفق‭ ‬ماءٌ‭ ‬دافئٌ‭ ‬من‭ ‬ثقوب‭ ‬في‭ ‬جدرانه؛‭ ‬يخيّـل‭ ‬للناظر‭ ‬أنه‭ ‬يغلي،‭ ‬يذكرك‭ ‬بفوران‭ ‬نار‭ ‬جهنم،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬جسدك‭ ‬حالما‭ ‬ينغمر‭ ‬في‭ ‬لجته،‭ ‬تشعر‭ ‬بانتعاش‭ ‬وتسيطر‭ ‬عليك‭ ‬نشوة‭ ‬واسترخاء‭ ‬وصفاء‭ ‬ذهني‭ ‬لذيذ‭ ‬يدعك‭ ‬تنسى‭ ‬العالم‭ ‬وكوارثه،‭ ‬بهذا‭ ‬المكان‭ ‬المثير‭ ‬لا‭ ‬تندهش‭ ‬حين‭ ‬تدخل‭ ‬معك‭ ‬للاستحمام‭ ‬نسوة‭ ‬وصبايا‭ ‬شبه‭ ‬عاريات‭ ‬بطعم‭ ‬الشهد،‭ ‬حتى‭ ‬يفور‭ ‬الدم‭ ‬برأسك‭ ‬وعضوك‭ ‬الذكري،‭ ‬تحمد‭ ‬الله‭ ‬مراراً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الهناء،‭ ‬وتلعن‭ ‬أيام‭ ‬الحرب‭ ‬والطغاة‭ ‬الذين‭ ‬حرموك‭ ‬من‭ ‬رفاهية‭ ‬تستحقها‭ ‬مثل‭ ‬سائر‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬أصقاع‭ ‬العالم‭. ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬لا‭ ‬يتمتع‭ ‬بهذه‭ ‬الأجواء‭ ‬إلاَّ‭ ‬عوائل‭ ‬المنطقة‭ ‬الخضراء،‭ ‬قلتُ‭ ‬بسرّي‭ ‬لو‭ ‬أتيح‭ ‬لأصدقائي‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬الراحلين‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬الرائعة،‭ ‬ترى‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬بوسع‭ ‬الموت‭ ‬أنْ‭ ‬يدنو‭ ‬منهم؟‭ ‬متعة‭ ‬استحمامي‭ ‬بالجاكوزي‭ ‬وبغرفتي‭ ‬الساونا‭ ‬والبخار‭ ‬تتلاشى‭ ‬عندما‭ ‬أتذكر‭ ‬أحوال‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬بلادي‭ ‬وهم‭ ‬يغرقون‭ ‬بحمَّام‭ ‬دم‭ ‬المليشيات‭ ‬وشرذمة‭ ‬الدواعش،‭ ‬من‭ ‬خاطري‭ ‬فشلتُ‭ ‬بطرد‭ ‬مشهد‭ ‬البلاد‭ ‬وهي‭ ‬تستحم‭ ‬بدمع‭ ‬ودم،‭ ‬سيقبل‭ ‬صيف‭ ‬لا‭ ‬يرحم‭ ‬عليهم‭ ‬عن‭ ‬قريب،‭ ‬ساونا‭ ‬عراقي‭ ‬حد‭ ‬العظم‭ ‬ينتظرهم،‭ ‬حر‭ ‬لاهب‭ ‬وانقطاع‭ ‬كهرباء‭ ‬مستمر،‭ ‬سيدخلون‭ ‬الفقراء‭ ‬لحمام‭ ‬ساونا‭ ‬بالمجان،‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬ساونا‭ ‬أسترالي‭ ‬وساونا‭ ‬بيوت‭ ‬الفقراء‭ ‬كالفرق‭ ‬بين‭ ‬خندق‭ ‬على‭ ‬الساتر‭ ‬الأول‭ ‬وغرفة‭ ‬بفندق‭ ‬الشيراتون،‭ ‬كلما‭ ‬دخلت‭ ‬إِلى‭ ‬المسبح،‭ ‬الأسى‭ ‬يفسد‭ ‬متعتي،‭ ‬مشهد‭ ‬الفجيعة‭ ‬في‭ ‬بلادي‭ ‬يطاردني‭ ‬عندما‭ ‬أجلس‭ ‬بغرفة‭ ‬الساونا‭ ‬وتصبح‭ ‬مشاهد‭ ‬الإغراء‭ ‬بحوض‭ ‬الجاكوزي‭ ‬من‭ ‬نسوة‭ ‬شبه‭ ‬عاريات‭ ‬مجرد‭ ‬هياكل‭ ‬من‭ ‬رخام‭ ‬ورماد‭ ‬أمام‭ ‬عيني،‭ ‬متوجِّعاً‭ ‬على‭ ‬حال‭ ‬الناس‭ ‬بوطني‭ ‬بينما‭ ‬حمَّامات‭ ‬الاسترخاء‭ ‬تملأ‭ ‬المنطقة‭ ‬الخضراء،‭ ‬فما‭ ‬من‭ ‬شعب‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬ترتاح‭ ‬أعصابه‭ ‬بهذا‭ ‬الكون‭ ‬غير‭ ‬شعب‭ ‬أرض‭ ‬السواد‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬ويلات‭ ‬وحروب‭ ‬شهدها‭ ‬ومازالت‭ ‬مستمرة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.‬

يتبع‭..‬

حسن‭ ‬النواب