تصفيق حار على خد عيسى

464

علي السوداني

وهذه هي ليلة اولى بائنة بعد كسلة العيد الذي ما زالت تسميتهُ الأزلية بالعيد السعيد ، قائمة ومشعّة ودارجة على الألسن وفي مفتتح المكاتيب والمراسيل ، وهذه المعايدات ألتي صارتْ ألكترونية يابسة جافة لا تشبه حبر المظاريف ودمغات الكوبيا وطوابع المجهود الحربيّ ، وقبعة ساعي البريد ودرّاجته التي تنطرها أمّهات الأبناء الضالّين ، والحبيبات الحلوات اللاتي ترمّدت عيونهنَّ بسببٍ من قوة الهجر ووحشة الوسادة ومشية عبد الحليم حافظ ودمعاته السواخن فوق شوك الغربة ، والتي أنتجتْ تالياً إحدى أعظم مناحات العاشقين الليليّين في شريط « أبي فوق الشجرة « ألذي كان شاهدهُ منعرضاً من على شاشة سينما النصر ببغداد الجميلة ، أحد حشّاشي المدينة وعيّاريها ، من أجل أن يُمطر العندليب الأسمر حليم بقصفٍ معلنٍ مستلٍّ من قاموس الشتائم البلديّ الضحّاك ، لأنّ الفتى الولهان حليم كان قبَّلَ نادية لطفي وباسَها من ثغرها البديع ألف مرةٍ ومرة ، بينما يَرجعُ أخونا العيّار إلى غرفتهِ الباردة الرطبة بالحيدرخانة ، ليجد نادية المثيرة المهيّجة المشتهاة ، تنطرهُ بضحكة عذبةٍ ولقطةٍ مغناج مصلوبةٍ فوق الجدار .

في عملية استعادةٍ عذبةٍ لما بادَ من أيّام الأب الدرويش ، كانت يسار نواس تتعرّق بيميني ، ويمين علي الثاني بشمالي ، ورحلة مبهجة من أجل أن تطمئنّ القلوب على دهشات منظر مفتتح العيد . أراجيح قديمة ودولاب هواء من الصنف الذي خمشَ قلبي قبل خمسين سنة ، وكمشة أحصنة من نوع الزمال الدائح والبغل المنتوف تأريخهُ ، محاطة بشدّة متحفّظة من عتاة الشباب ، يقومون ويقعدون على تزيين االمطايا وتسريجهِا كي تشيل ظهورها صبحية الفرح ، أطفالاً حلوين ومرحين وعندهم قدرة عظيمة على الضحك وضرب البغل الطيّب فوق مؤخرته ومعدته .

عيد تعيس ومعايدات كهربائية مكرورة وميّتة ، والتلفزيون الملوّن يقتلُ أرواحَنا بمنظر أبٍ وأمٍّ وطفلٍ يستترون بخيمة لجوء ، ويستقبلون جحائم وشتاءات وأصيافاً وقرصات عقارب وحيّات وفقدان أمل .

يحاول الأب المتعوس أن يصنع داخل الخيمة حركات قردية مبهجة ، أو يقوم بدور البغل الحمّال النهّاق ، لكن من دون جدوى ، لأنّ الأغضاض المشاكسين الأذكياء ، ما زالوا يفكّرون بعيدية الجدّة وسبّورة المعلّم وقميص الشقاوة الأولى ، وطفرات القويّ الوسيم طرزان الذي لا أدري حتى اللحظة ، ما كان يفعلهُ مع الوحش المسكين في الغابة الشاسعة !!

أظنّني الليلةَ لستُ على ما يرام . إنزراع إكراهيٌّ في موضع الحنين .

صبّارةٌ مُرَّة أمّ الشوك تنزرعُ في بلعومي .

رغبة قوية في التقيّؤ على خريطة المصير .

بغلُ السعد الضخم يركضُ ورائي . تنبتُ للتلفزيون الملوّن بشفاهٍ منفوخةٍ غبيةٍ ، كفّان قويّتان تصفّقان فوق خدّيَّ .

مشاركة