تصفيق الجمهور يعيد إلى مسرح لاسكالا في ميلانو بهاءه

428

ميلانو‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬كان‭ ‬الترحيب‭ ‬حاراً‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬العائد‭ ‬بعد‭ ‬طول‭ ‬انتظار‭ ‬إلى‭ ‬مسرح‭ “‬لا‭ ‬سكالا‭” ‬في‭ ‬ميلانو‭ ‬بالحفلة‭ ‬الموسيقية‭ ‬التي‭ ‬أقيمت‭ ‬فيه‭ ‬بقيادة‭ ‬مديره‭ ‬الموسيقي‭ ‬ريكاردو‭ ‬شايي،‭ ‬وبمغنية‭ ‬الأوبرا‭ ‬السوبرانو‭ ‬الشابة‭ ‬ليز‭ ‬دافيدسن،‭ ‬في‭ ‬نشاط‭ ‬هو‭ ‬الأول‭ ‬حضورياً‭ ‬بعد‭ ‬إقفال‭ ‬استمر‭ ‬ستة‭ ‬أشهر‭ ‬بسبب‭ ‬جائحة‭ ‬كوفيد‭-‬19‭.‬

وعلا‭ ‬التصفيق‭ ‬الشديد‭ ‬للموسيقيين‭ ‬والفنانين‭ ‬وصيحات‭ ‬الاستحسان‭ ‬من‭ ‬مثل‭ “‬برافو‭!” ‬و‭ “‬رائع‭!” ‬من‭ ‬شرفات‭ ‬المسرح‭ ‬التي‭ ‬توزع‭ ‬عليها‭ ‬جمهور‭ ‬اقتصر‭ ‬على‭ ‬500‭ ‬شخص،‭ ‬لكنّه‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الحماسة‭.‬

وقالت‭ ‬عازفة‭ ‬الكمان‭ ‬لاورا‭ ‬مارتزادوري‭ ‬والابتسامة‭ ‬على‭ ‬وجهها‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الحفلة‭ ‬الاثنين‭ “‬من‭ ‬المؤثر‭ ‬جداً‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬تنفس‭ ‬الجو‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إلا‭ ‬للجمهور‭ ‬أن‭ ‬يوفره‭ ‬لنا‭. ‬آمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بداية‭ ‬جديدة‭ ‬وأن‭ ‬لا‭ ‬نتوقف‭ ‬بعد‭ ‬الآن‭ ‬مجدداً‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬الصمت‭ ‬الحزينة‭ ‬هذه‭”. ‬وتوخياً‭ ‬لاحترام‭ ‬قواعد‭ ‬التباعد،‭ ‬تمركزت‭ ‬الأوركسترا‭ ‬على‭ ‬أرضية‭ ‬الصالة‭ ‬المرموقة‭ ‬المشهورة‭ ‬بصوتياتها‭ ‬العالية‭ ‬الجودة،‭ ‬والتي‭ ‬تعلوها‭ ‬وتطلّ‭ ‬عليها‭ ‬الشرفات‭ ‬المكسوة‭ ‬بالمخمل‭ ‬الأحمر‭. ‬واستُهل‭ ‬الحفل‭ ‬السيمفوني‭ ‬بمقطوعة‭ “‬باتريا‭ ‬أوبريسّا‭” (‬الوطن‭ ‬المضطهد‭) ‬من‭ ‬أوبرا‭ “‬ماكبث‭” ‬لجوزيبي‭ ‬فيردي،‭ ‬أداها‭ ‬أعضاء‭ ‬جوقة‭ “‬لا‭ ‬سكالا‭” ‬الذين‭ ‬وضعوا‭ ‬جميعاً‭ ‬الكمامات‭ ‬وتوزعوا‭ ‬متباعدين‭ ‬بعضهم‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬بسيط‭ ‬خالٍ‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬ديكور‭. ‬وتقام‭ ‬الثلاثاء‭ ‬حفلة‭ ‬لأوركسترا‭ ‬فيينا‭ ‬الفلهارمونية‭ ‬بقيادة‭ ‬رياكاردو‭ ‬موتّي،‭ ‬بعد‭ ‬75‭ ‬عاماً‭ ‬بالتمام‭ ‬والكمال‭ ‬للحفلة‭ ‬الموسيقية‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬أرتورو‭ ‬توسكانيني‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬إعادة‭ ‬فتح‭ “‬لا‭ ‬سكالا‭” ‬عام‭ ‬1946‭ ‬بعد‭ ‬إعادة‭ ‬بنائها،‭ ‬إذ‭ ‬دمرها‭ ‬القصف‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬عام‭ ‬1943‭.‬

ورأى‭ ‬عازف‭ ‬الكلارينيت‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2007‭ ‬في‭ ‬أوركسترا‭ “‬لا‭ ‬سكالا‭” ‬ستيفانو‭ ‬كاردو‭ ‬أنها‭ “‬ولادة‭ ‬جديدة‭ ‬مزدوجة،‭ ‬إذ‭ ‬افتتح‭ ‬توسكانيني‭ +‬لا‭ ‬سكالا‭+ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬ونحن‭ ‬نعيده‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬بعد‭ ‬الوباء‭. ‬إرادة‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭”.‬

‭- ‘‬جمال‭ ‬الصوت‭ ‬الطبيعي‭’ -‬

وأعادت‭ ‬إيطاليا‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬ثمناً‭ ‬باهظاً‭ ‬للوباء‭ ‬وتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬الوفيات‭ ‬فيها‭ ‬122‭ ‬ألفاً،‭ ‬فتح‭ ‬مسارحها‭ ‬في‭ ‬26‭ ‬نيسان‭/‬أبريل‭. ‬ولم‭ ‬يوفّر‭ ‬الفيروس‭ “‬لا‭ ‬سكالا‭”‬،‭ ‬إذ‭ ‬سُجلّت‭ ‬فيها‭ ‬144‭ ‬إصابة‭ ‬بكوفيد‭ ‬بينها‭ ‬64‭ ‬حالة‭ ‬بين‭ ‬أعضاء‭ ‬الجوقة‭.‬

ودفعت‭ ‬ضرورات‭ ‬الوقاية‭ ‬من‭ ‬الجائحة‭ ‬إلى‭ ‬صرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الاستراحة‭ ‬وإبقاء‭ ‬المشارب‭ ‬مقفلة،‭ ‬وغاب‭ ‬بالتالي‭ ‬تقديم‭ ‬المشروبات‭ ‬وقطع‭ ‬الحلوى‭ ‬لتحلّ‭ ‬محلها‭ ‬مستحضرات‭ ‬التعقيم‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القيود،‭ ‬كانت‭ ‬الأحاسيس‭ ‬قوية‭. ‬وقال‭ ‬الفرنسي‭ ‬دومينيك‭ ‬ميير‭ ‬الذي‭ ‬عُيّن‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬عام‭ ‬2020‭ ‬مديراً‭ ‬لمسرح‭ ‬ميلانو‭ ‬الشهير‭ ‬‭”‬لقد‭ ‬استمعنا‭ ‬جميعاً‭ ‬إلى‭ ‬حفلات‭ ‬موسيقية‭ ‬مسجلة‭ ‬ونحن‭ ‬جالسون‭ ‬في‭ ‬بيوتنا،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬مختلف‭ ‬كلياً‭ ‬عن‭ ‬الانفعالات‭ ‬التي‭ ‬تولّدها‭ ‬الموسيقى‭ ‬الحية،‭ ‬وعن‭ ‬نوعية‭ ‬الصوت‭ ‬الطبيعي‭ ‬وجماله‭”.‬

واختُتِمَت‭ ‬الحفلة‭ ‬بأنشودة‭ “‬فابنسييرو‭” ‬لجوقة‭ ‬العبيد‭ ‬في‭ ‬أوبرا‭ ‬فيردي‭ ‬الشهيرة‭ “‬نابوكو‭”‬،‭ ‬وقد‭ ‬صفق‭ ‬الجمهور‭ ‬طويلاً‭ ‬بعدها‭ ‬مطالباً‭ ‬الجوقة‭ ‬بأن‭ ‬تؤدي‭ ‬ثانيةً‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭ ‬التي‭ ‬تتغنى‭ ‬بالحرية،‭ ‬وتمزج‭ ‬بين‭ ‬الجمال‭ ‬والحزن،‭ ‬وهي‭ ‬كانت‭ ‬أيضاَ‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬برنامج‭ ‬حفلة‭ ‬توسكانيني‭ ‬في‭ “‬لا‭ ‬سكالا‭”‬عام‭ ‬1946‭.‬

وفي‭ ‬إطلالتها‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ “‬لا‭ ‬سكالا‭”‬،‭ ‬قدمّت‭ ‬النجمة‭ ‬الصاعدة‭ ‬السوبرانو‭ ‬النروجية‭ ‬ليز‭ ‬دافيدسن‭ (‬34‭ ‬عاماً‭) ‬أداءً‭ ‬مؤثراً‭ ‬لمقطوعات‭ ‬أوبرا‭ “‬تانهاوزر‭” ‬لفاغنر‭ ‬و‭”‬اريادن‭ ‬في‭ ‬ناكسوس‭” ‬لريتشارد‭ ‬شتراوس‭ ‬أو‭”‬ملكة‭ ‬البستوني‭” ‬لتشايكوفسكي‭.‬

ورأت‭ ‬بيا‭ ‬ماتيوني‭ (‬75‭ ‬عاماً‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬معلمة‭ ‬إيطالية‭ ‬متقاعدة‭ ‬ارتدت‭ ‬فستان‭ ‬سهرة‭ ‬أسودَ‭ ‬وقلادة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬اللؤلؤ،‭ ‬أن‭ “‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬شغف‭ ‬الحفلات‭ ‬الكبيرة‭ ‬كان‭ ‬أمراً‭ ‬ساحراً‭”‬،‭ ‬مبدية‭ ‬سعادتها‭ ‬بالعودة‭ ‘‬لى‭ ‬المسرح‭ ‬العزيز‭ ‬على‭ ‬قلبها‭ ‬بعدما‭ ‬تجنبت‭ ‬حضور‭ ‬الحفلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬بواسطة‭ ‬البث‭ ‬التدفقي‭.‬

‭- ‬رمز‭ ‬الانطلاق‭ ‬مجدداً‭ -‬

ولاحظ‭ ‬دومينيك‭ ‬ميير‭ ‬أن‭ “‬لا‭ ‬سكالا‭” ‬شكّل‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ “‬رمزاً‭ ‬لأهل‭ ‬ميلانو‭ ‬ولإيطاليا،‭ ‬وهو‭ ‬العلامة‭ ‬الإيطالية‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الشهرة‭ ‬بعد‭ ‬فيراري‭”.‬

ورأى‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ “‬مفارقة‭” ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ “‬لا‭ ‬سكالا‭” ‬هو‭ ‬الذي‭ “‬يعطي‭ ‬إشارة‭ ‬لإعادة‭ ‬انطلاق‭ ‬بلد‭ ‬بأكمله،‭ ‬بينما‭ ‬كنا‭ ‬نسمع‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الأزمة‭ ‬الصحية‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬ليست‭ ‬نشاطاً‭ ‬أساسياً‭”‬،‭ ‬مما‭ ‬أجبر‭ ‬المسارح‭ ‬على‭ ‬الإغلاق‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة‭.‬

وبعدما‭ ‬قدم‭ ‬الموسيقيون‭ ‬خلال‭ ‬الأزمة‭ ‬حفلات‭ ‬افتراضية‭ ‬بعيداً‭ ‬من‭ ‬جمهورهم،‭ ‬كان‭ ‬يتشوقون‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬المسرح‭.‬

وقال‭ ‬عازف‭ ‬الكمان‭ ‬البالغ‭ ‬54‭ ‬عاماً‭ ‬داميانو‭ ‬كوتالاسو‭ “‬كان‭ ‬من‭ ‬المحزن‭ ‬استمرار‭ ‬الإغلاق‭ ‬مدة‭ ‬طويلة،‭ ‬فقد‭ ‬غاب‭ ‬الشغف‭ ‬بالموسيقى‭”.‬

ورأى‭ ‬أن‭ ‬موسيقيي‭ ‬الأوركسترا‭ ‬يكونون‭ ‬بمثابة‭ “‬أبطال‭ ‬نهضة‭ ‬المسرح‭ ‬والموسيقى‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭”‬،‭ ‬عندما‭ ‬يكونون‭ ‬في‭ ‬القاعة‭. ‬وأضاف‭ “‬أما‭ ‬عندما‭ ‬نعزف‭ ‬لأنفسنا،‭ ‬فنكون‭ ‬مثل‭ ‬النباتات‭ ‬التي‭ ‬تذبل‭”.‬

مشاركة