تصريف أعمال أم تهريب أموال

979

علي السوداني

تكاد‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬خطب‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬الترقيعية‭ ‬المستهلكة‭ ‬الميتة‭ ‬،‭ ‬المدججة‭ ‬بالأكاذيب‭ ‬والضلالات‭ ‬المخجلة‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬حشوٍ‭ ‬وترقيعٍ‭ ‬مضحكٍ‭ ‬مبكٍ‭ ‬مستل‭ ‬من‭ ‬الدستور‭ ‬الأعرج‭ ‬الأعور‭ ‬الذي‭ ‬صنعه‭ ‬الغزاة‭ ‬الأوباش‭ ‬،‭ ‬وآخرها‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬خطبة‭ ‬وطقطوقة‭ ‬الإستقالة‭ .‬

هو‭ ‬يثرثر‭ ‬بالدستور‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬منطقة‭ ‬مقدسة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تلويثها‭ ‬بالخروج‭ ‬على‭ ‬النص‭ ‬الأصلي‭ ‬بأيِّ‭ ‬حالٍ‭ ‬،‭ ‬لكنه‭ ‬يبدأ‭ ‬قراءة‭ ‬استقالته‭ ‬من‭ ‬كرسي‭ ‬الدم‭ ‬والدينار‭ ‬،‭ ‬بأنّ‭ ‬تخليه‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬منصب‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬وتوابعها‭ ‬،‭ ‬إنما‭ ‬جاء‭ ‬تلبيةً‭ ‬لرغبة‭ ‬مرجعية‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬الأجانب‭ ‬المقيمين‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬النجف‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬عادت‭ ‬عراقية‭ ‬الهوى‭ ‬واللسان‭ ‬والضمير‭ ‬والجوهر‭ ‬!!

هنا‭ ‬كان‭ ‬التناقض‭ ‬والتناطح‭ ‬المبين‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬وتبيانه‭ ‬سبب‭ ‬تركه‭ ‬الجمل‭ ‬بما‭ ‬حمل‭ ‬،‭ ‬لأن‭ ‬دستور‭ ‬بريمر‭ ‬الشاذ‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬على‭ ‬ذكر‭ ‬المرجعية‭ ‬الدينية‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬أيٍّ‭ ‬من‭ ‬نصوصه‭ ‬وفقراته‭ ‬ومواده‭ ‬ومفخخاته‭ ‬أبداً‭ ‬،‭ ‬أكان‭ ‬ذلك‭ ‬علناً‭ ‬صريحاً‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬إيحاءً‭ ‬قبيحاً‭ ‬!!

هذا‭ ‬الكلام‭ ‬المزوّق‭ ‬عن‭ ‬المرجعية‭ ‬المتدينة‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬صاحب‭ ‬الكرسي‭ ‬الأكبر‭ ‬والأدسم‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬شمل‭ ‬كلَّ‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬المتاجرة‭ ‬بالدين‭ ‬،‭ ‬وتغطية‭ ‬جرائم‭ ‬الفساد‭ ‬والخيانة‭ ‬والجهل‭ ‬والقتل‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬خيّلَ‭ ‬للسامع‭ ‬والقارىء‭ ‬والمشاهد‭ ‬،‭ ‬أنّ‭ ‬عراق‭ ‬الفكر‭ ‬الخلاق‭ ‬والعقل‭ ‬المتجدد‭ ‬المبدع‭ ‬،‭ ‬إنما‭ ‬يعيش‭ ‬فترة‭ ‬حكم‭ ‬المرشد‭ ‬الواحد‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬شبهاً‭ ‬عن‭ ‬حكم‭ ‬الوليّ‭ ‬الواحد‭ ‬الإيراني‭ ‬المجاور‭ ‬!!

إذا‭ ‬كان‭ ‬الدين‭ ‬والحكم‭ ‬والحقُّ‭ ‬سهلاً‭ ‬وصريحاً‭ ‬وبسيطاً‭ ‬،‭ ‬فلماذا‭ ‬الذهاب‭ ‬الى‭ ‬واسطة‭ ‬أرضية‭ ‬يستعملها‭ ‬العابد‭ ‬الجاهل‭ ‬،‭ ‬ظناً‭ ‬منه‭ ‬أنها‭ ‬شفاعة‭ ‬مفيدة‭ ‬،‭ ‬وواسطة‭ ‬قوية‭ ‬لحجز‭ ‬بطاقة‭ ‬دخول‭ ‬مضمونة‭ ‬للجنة‭ ‬؟!

طبعاً‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬القبيح‭ ‬الجلل‭ ‬،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الشيعة‭ ‬الذين‭ ‬يسيطرون‭ ‬على‭ ‬جلِّ‭ ‬المشهد‭ ‬الحاكم‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الآن‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬السنّة‭ ‬الذين‭ ‬أنتجت‭ ‬مراجعهم‭ ‬الكبرى‭ ‬،‭ ‬ركائز‭ ‬معروفة‭ ‬من‭ ‬أساسات‭ ‬التضليل‭ ‬والقتل‭ ‬والتكفير‭ ‬والجهل‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬الناس‭ ‬تفرّق‭ ‬عملياً‭ ‬،‭ ‬بين‭ ‬الموت‭ ‬والجهل‭ ‬الذي‭ ‬تصنعه‭ ‬لهم‭ ‬داعش‭ ‬السنية‭ ‬أو‭ ‬داعش‭ ‬الشيعية‭ ‬،‭ ‬إلّا‭ ‬بشكل‭ ‬مزاد‭ ‬النطيحة‭ ‬الكبير‭ ‬‭!!‬

في‭ ‬هذا‭ ‬المخاض‭ ‬التأريخي‭ ‬القلق‭ ‬الملتبس‭ ‬المضبب‭ ‬،‭ ‬ولدت‭ ‬ثورة‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬الخلاص‭ ‬الأولي‭ ‬ألفان‭ ‬وتسعة‭ ‬عشر‭ ‬،‭ ‬فكانت‭ ‬نوراً‭ ‬وكانت‭ ‬معولاً‭ ‬عالياً‭ ‬،‭ ‬كسر‭ ‬ظهر‭ ‬الطائفية‭ ‬المريضة‭ ‬،‭ ‬لكنه‭ ‬حتماً‭ ‬لم‭ ‬يقبرها‭ ‬تماماً‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬أمرٌ‭ ‬قد‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬تالي‭ ‬السنين‭ ‬القليلة‭ .‬

أما‭ ‬قصة‭ ‬حكومة‭ ‬تصريف‭ ‬أعمال‭ ‬،‭ ‬فهذه‭ ‬لعبة‭ ‬قذرة‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬تطول‭ ‬شهراً‭ ‬أو‭ ‬أزيد‭ ‬،‭ ‬وستقتصر‭ ‬على‭ ‬ملء‭ ‬الحقائب‭ ‬الضخمة‭ ‬بالمال‭ ‬والذهب‭ ‬،‭ ‬وتعيين‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬العشيرة‭ ‬بوظائف‭ ‬مجزية‭ ‬ومباعة‭ ‬أيضاً‭ .‬

مشاركة