
أول فرجة على بنت الجيران سعدية الوكيحة كانت من فوق سطح الدار . سعدية تحضن طشت الغسيل بفخذيها البيضاوين البضّين ومعَ كلِّ عصرةِ قميصٍ مغسولٍ تتناثر رغوة الصابون على الفخذين ، فيهتاج السيف ويصنع ثقباَ افتراضياَ على خاصرة حائط الستر !!
أول دخلة سينما . كرسيٌّ رخيصٌ يكاد يلتصق بدكّة الشاشة . كلما قربت الكراسي من حافة الشاشة ، رخص سعرها وتهرّأ جسمها . كنا نجلس هناك غير خائفين من رصاصة تائهة ، أطلقها ترانس هيل أو بود سبنسر صوب حشد رعاع !!
أول سفرة مدرسية . الصف الثالث الابتدائي . ملوية مدينة سامراء . تناهى الى مسمع مدير المدرسة ، أن التلميذ المشاكس طالب ، قد وصل الى اللفة الرابعة من مئذنة الملوية ، ثم هبط الى الأرض راكضاً ضاحكاً مزهواً بشجاعته . كان مدير المدرسة ينطر الفتى على الأرض ، ولما صار بين يديه ، أشبعه راشديات وجلاليق ولكمات وتفلات . كنا نسوّر المشهد وواحدنا يكاد يبلل بنطاله . منذ تلك الواقعة ، لم يتوفق التلميذ النجيب طالب ، في اجتياز درس التأريخ ، خاصة في جزئه العباسي البديع .
أول سهرة بحانة الشرق المزروعة وسط عمون والصحبة كانت عبد الساتر ناصر وهاشم العقابي . عند رنين الكأس الثانية أخرج العقابيُّ الجميل وصوته اليشبه أحمد الوائلي ، قلم حبر من نوع باركر قال أنه ابتاعه من سوق لندنية تحفة ومعتقة ، وصاح تلك هدية منا لك يا عليّ .
أسكرتني الفرحة مبكراً وأحزنني منظر وجه ستّوري الحميم وهو يتفحص جسم القلم العتيق .
أول هدف سجلته بمرمى الند بوساطة كرة معمولة من جورب عتيق ، محشو بخرق وحضائن فائضة .
أول عيدية عيد مقدارها صعدة بدولاب الهواء ومرجوحة ، وقطعة زلابية محروسة بذبابات الفرح .
أول « دار « مستلة من كتاب « القراءة الخلدونية « توفقت في رسم حروفها الجميلة فوق سبّورة سوداء . تمسيدة على الرأس من معلم القراءة مكي الأصلع ، وزخة تصفيق !!
أول « عكسيّة « يدوية زرعها المصارع المبهر عدنان القيسي ، فوق ظهر الأسكتلندي الضخم كوريانكو . وقعت الواقعة في مفتتح سبعينيات القرن البائد . المكان : ملعب الشعب الدولي وفق ذاكرتي الآن .
أول حانة دخلتها . حانة عشتار بصف سينما بابل ببغداد . بيميني باكيت سكائر من صنف رائج اسمه « روثمان « . البيع بالمفرد والسكارى كرماء . ثم العودة الى عربانة أبي مع جيب مفتوح تخرخش فيه « خردة « الغزوة المبروكة والبقشيش .
أول فلم سينمائي بالأبيض والأسود ، ترك حسرة عملاقة في قلبي . فلم مصري عنوانه « نحن لا نزرع الشوك « وقد انعرض من على شاشة سينما بابل، أول سبعينيات الدهر الفائت .
أيامها ولياليها ، فشلت مجاري مياه شارع السعدون العزيز ومسالكها في تصريف دموع الناس المخلصة ، التي كانت تبكي على مناحة المطربة المدهشة شادية، وهي تغني وتتناوح :
« والله يا زمن ، والله يا زمن «
أول وقوف متقنفذ لشعر الرأس ، بسبب عوية مباغتة من كلب أسود اسمه المنغّل « لاسي « بزقاق معتم . كلب ابن سطعش كلب ، عاقبته العناية الإلهية ، بقطعة لحم مسمومة نزلت اليه من يمين موظف حكومة أجهم ، لا يقطع وجهه سيف .
أول خمس قطط بعتها للحكومة بنصف دينار ، خلال الحملة الوطنية الشاملة للقضاء على تلك المخلوقات المسالمة الوديعة بشباط سبعينيات القرن اللبّاط .
أول صورة بالأبيض والأسود ، كانت في حديقة الأمة برصافة بغداد العزيزة . قميص جوزي وياقة بطول أذن فيل هندي كسول ، ومن تحت ، ثمة بجامة مقلّمة ونعال أبو إصبع ، طال عمره بدنبوس شيلة الأُمّ . أما الخلفية ، فهيَ جدارية خشبية ضخمة ، للعندليب الأسمر الولهان عبد الحليم حافظ . ظلّ حليم الرائع يرنُّ في رأسي ، ويلبطُ بسكراب ذاكرتي حدّ الآن .
أول رواية قرأتها عشر مرات . « في بيتنا رجل « لإحسان عبد القدوس . صارت الرواية فلماً سينمائياً من بطولة عمر الشريف وأم العيون الزرق ، زبيدة ثروت . كلما أعادت شاشة ما عرضه ، أُشاهده باللهفة القديمة النقية نفسها ، وذات التوجع والحماسة وربما بعض سواخن الدمع النبيل .
أول محاولة لمسك رأس مال خاص وسمين . دكان فلافل وعمبة وصمون بحجم زنزانة ، ينولد من بناء « جامع المدلل « في منطقة العطيفية الأولى البديعة ، بكرخ بغداد العباسية .
كنت استأجرت الدكان من رجل اسمه أحمد ، وتسميه الناس الضحّاكة هناك ، أحمد ريكا بطل أمريكا . بعد سنة فشل الدكان بسبب سكرات سعدي عجيمي ، وماطور سكل جاسم كرادي وطول خالد جريان وشماتة حمّادي أبو التكة الذائبة من فرط طعمها المذهل . وقع هذا في السنة الميلادية الساخنة 1982.
أول مساهمة في حملة « تبرع من أجل فلسطين الحبيبة « . باكيت تايت وصابونة رقّي وشيشة معجون طماطة وأنشودة وطنية .
أول فائدة من فعالية « معونة الشتاء « في مدرسة ابن جبير الأبتدائية . قمصلة وبنطرون وقندرة نايلون تجعل رائحة القدم مثل مشمّة تسع فطائس ، وقميص أزرق بمقاس جسم أخي الأكبر .
أول تكليف بصبحية رفعة العلم وتحيته . تقدمت نحو السارية العالية . فككت الحبل الخشن وسحبته بقوة كي يرتفع العلم بالتقسيط المريح . حدث عطب تقني سببه سوء الحظ فقط .
التفّ الحبل كما أفعى أم رأسين على وسط العلم . أعدت المحاولة ففشلت .
تقدم صوبي مرشد الصف العصبي ومعلمه الوسيم المستقيم ، وعاونني على فك اشتباك الحبل بالعلم المقدس فنجح . سعدت بالأمر ونويت إكمال الجزء المتبقي من الفعالية ، الذي هو أداء التحية ، للعلم العالي الغالي المرفرف وقراءة القطعة الطيبة :
عش هكذا في علوٍّ أيها العلمُ … فأننا بك بعد الله نعتصمُ .
رفض المعلّم الغاضب أن أكمل الأمر . نهرني بهمس قائلاَ : عد الى الاصطفاف يا غبي يا حيوان يا أثول .
أول عصا شتائية موجعة على قفا الكف . كانت عصا معلم الحساب . لم أعد أذكر السبب ، لكنني أحدس الليلة ، أنه وقع على خلفية ضربي الرقم ثلاثة بالرقم ستة ، وكان الناتج صبحيتها الباردة أربع عشرة برتقالة افتراضية .
أول تظاهرة عفوية أسهم في زيادة حشدها كعازف منفرد . كنت أركض خلف أخي الأكبر جواد أبو سوسن . أخي كان شيوعياً قحاً . ثمة هتافات تتردد لم أفهم نصوصها ومغازيها ، لكنني كنت ألوّح بيميني المنتشية بقوة . كانت ليلة تأميم نفط بلاد الرافدين ، بصوت الرئيس أحمد حسن البكر في سبعينيات بغداد الحلوة .
أول تطريب ووجد خاشع . سورة يوسف مجوّدة ومسلطنة بصوت عبد الباسط محمد عبد الصمد « وإني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون «
حزنٌ كاسرٌ على يوسف وأبيه ، ورائحة الدم الكذب المرشوش فوق قميص يقين ، كان قُدّ من دبر ، حتى حصحص الحق بباب الغرفة وبانت البائنة .
أول حرشة بالغة . عرس شعبيّ بمدينة الثورة . صوت المغني المجيد مثل صوت سلمان المنكوب . ثمة راقصة مذهلة هيّجت الجمهور ، وعاونت العريس الغض ، على سفك دم البكارة في أول عشر ثوان من ليلة الدخلة العظيمة . كان بالمقدور ملاحظة الساقية المميتة النازلة بين ثدييها . تركتْ الراقصة الرعّاشة الحشد كله ، وقامت برمي وشاحها الأحمر اللماع صوب وجهي الملتهب . سعدتُ بهذا الانتقاء المبهج الذي سيرفع رأسي بين صحبي الحاسدين ، لكنني فشلت في فك الشفرة . لم تكن الراقصة إمرأة . كانت رجلاً مخنثاً يسمّونه « زبيري « .
أول فراق طويل لبغداد ، والهجيج صوب عمّان . كنت اشتريت من الصديق سمير الخالدي ، صاحب تسجيلات أنغام التراث بساحة معروف عبد الغني الرصافي ، شريطاً لقارىء المقام المجيد عبد الرحمن خضر ، وهو يؤدي رائعة ابن زريق البغدادي ، الشهيد المخذول بباب السلطان ، ومنها تلك الآهة :
أستودعُ الله في بغداد لي قمــراً بـالـكــرخ مـن فـلك الأزرار مـطـلـعُـــهُ
ودّعـتــهُ وبــودّي لــو يــوُدّعُـنـي صـفـوُ الـحـيـــاة وإنـــي لا أودّعُــــهُ
أول تقليد أعمى وفطير وماسخ لا يخلو من حمق ورقاعة وخفة وزن .
ساندويجة شاورما صحبة كأس كبيرة من شراب بيرة درافت . كان المطعم بشارع سينما سميراميس ، الذاهب الى شارع أبي نؤاس . عضضت اللفّة عضّة أولى ، وتبعتها بشفطة عظمى من قدح البيرة التي أظن أن اسمها كان « فريدة « . لم استسغ طعم تلك الخلطة المنفرة . وددت وقتها لو أن الشيطان يهبط في كأسي ، فيشرب بقيا ماء الشعير المر . كان المطعم مكتظاً بزبائن الظهيرة .
ربما شعر النادل المخلوق وجهه ، من رحمة ونور ، بورطتي التي رحت اليها برجلي . تجرعتُ الأمر خوفاً من إزدراء الناظرين ، وحيث صرت على مبعدة ضحكة من باب المطعم ، كان عليّ أن أزرع رأسي في سطل زبالة بائتة .
أول حضنة في صدر أمي المبخرة ، بعد أن جرفتني الحشود المطوفة حول مرقد رجل صالح . كنت أصرخ بقوة كتيبة من أطفال تائهين ، وكانت يدي الغضّة تتعرّق بيمين رجل من أهل الله ، ما انفك ينادي : رحم الله والديه من يدلّ هذا الطفل المسكين على أمّه .



















