تسمين‭ ‬الإهداء‭ ‬من‭ ‬الألف‭ ‬إلى‭ ‬الياء- علي السوداني

أول‭ ‬فرجة‭ ‬على‭ ‬بنت‭ ‬الجيران‭ ‬سعدية‭ ‬الوكيحة‭  ‬كانت‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬سطح‭ ‬الدار‭ . ‬سعدية‭ ‬تحضن‭ ‬طشت‭ ‬الغسيل‭ ‬بفخذيها‭ ‬البيضاوين‭ ‬البضّين‭ ‬ومعَ‭ ‬كلِّ‭ ‬عصرةِ‭ ‬قميصٍ‭ ‬مغسولٍ‭ ‬تتناثر‭ ‬رغوة‭ ‬الصابون‭ ‬على‭ ‬الفخذين‭ ‬،‭ ‬فيهتاج‭ ‬السيف‭ ‬ويصنع‭ ‬ثقباَ‭ ‬افتراضياَ‭ ‬على‭ ‬خاصرة‭ ‬حائط‭ ‬الستر‭ !!‬

أول‭ ‬دخلة‭ ‬سينما‭ .  ‬كرسيٌّ‭ ‬رخيصٌ‭ ‬يكاد‭ ‬يلتصق‭ ‬بدكّة‭ ‬الشاشة‭ . ‬كلما‭ ‬قربت‭ ‬الكراسي‭ ‬من‭ ‬حافة‭ ‬الشاشة‭ ‬،‭ ‬رخص‭ ‬سعرها‭ ‬وتهرّأ‭ ‬جسمها‭ . ‬كنا‭ ‬نجلس‭ ‬هناك‭ ‬غير‭ ‬خائفين‭ ‬من‭ ‬رصاصة‭ ‬تائهة‭ ‬،‭ ‬أطلقها‭ ‬ترانس‭ ‬هيل‭ ‬أو‭ ‬بود‭ ‬سبنسر‭  ‬صوب‭ ‬حشد‭ ‬رعاع‭ !!‬

أول‭ ‬سفرة‭ ‬مدرسية‭ . ‬الصف‭ ‬الثالث‭ ‬الابتدائي‭ . ‬ملوية‭ ‬مدينة‭ ‬سامراء‭ . ‬تناهى‭ ‬الى‭ ‬مسمع‭ ‬مدير‭ ‬المدرسة‭ ‬،‭ ‬أن‭ ‬التلميذ‭ ‬المشاكس‭ ‬طالب‭ ‬،‭ ‬قد‭ ‬وصل‭ ‬الى‭ ‬اللفة‭ ‬الرابعة‭ ‬من‭ ‬مئذنة‭ ‬الملوية‭ ‬،‭ ‬ثم‭ ‬هبط‭ ‬الى‭ ‬الأرض‭ ‬راكضاً‭ ‬ضاحكاً‭ ‬مزهواً‭ ‬بشجاعته‭ . ‬كان‭ ‬مدير‭ ‬المدرسة‭ ‬ينطر‭ ‬الفتى‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬،‭ ‬ولما‭ ‬صار‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬،‭ ‬أشبعه‭ ‬راشديات‭ ‬وجلاليق‭ ‬ولكمات‭ ‬وتفلات‭ . ‬كنا‭ ‬نسوّر‭ ‬المشهد‭ ‬وواحدنا‭ ‬يكاد‭ ‬يبلل‭ ‬بنطاله‭ . ‬منذ‭ ‬تلك‭ ‬الواقعة‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬يتوفق‭ ‬التلميذ‭ ‬النجيب‭ ‬طالب‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬اجتياز‭ ‬درس‭ ‬التأريخ‭ ‬،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬جزئه‭ ‬العباسي‭ ‬البديع‭ .‬

أول‭ ‬سهرة‭ ‬بحانة‭ ‬الشرق‭ ‬المزروعة‭ ‬وسط‭ ‬عمون‭ ‬والصحبة‭ ‬كانت‭ ‬عبد‭ ‬الساتر‭ ‬ناصر‭ ‬وهاشم‭ ‬العقابي‭ . ‬عند‭ ‬رنين‭ ‬الكأس‭ ‬الثانية‭ ‬أخرج‭ ‬العقابيُّ‭ ‬الجميل‭ ‬وصوته‭ ‬اليشبه‭ ‬أحمد‭ ‬الوائلي‭ ‬،‭ ‬قلم‭ ‬حبر‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬باركر‭ ‬قال‭ ‬أنه‭ ‬ابتاعه‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬لندنية‭ ‬تحفة‭ ‬ومعتقة‭ ‬،‭ ‬وصاح‭ ‬تلك‭ ‬هدية‭ ‬منا‭ ‬لك‭ ‬يا‭ ‬عليّ‭ . ‬

أسكرتني‭ ‬الفرحة‭ ‬مبكراً‭ ‬وأحزنني‭ ‬منظر‭ ‬وجه‭ ‬ستّوري‭ ‬الحميم‭ ‬وهو‭ ‬يتفحص‭ ‬جسم‭ ‬القلم‭ ‬العتيق‭ . ‬

أول‭ ‬هدف‭ ‬سجلته‭ ‬بمرمى‭ ‬الند‭ ‬بوساطة‭ ‬كرة‭ ‬معمولة‭ ‬من‭ ‬جورب‭ ‬عتيق‭ ‬،‭ ‬محشو‭ ‬بخرق‭ ‬وحضائن‭ ‬فائضة‭ .‬

أول‭ ‬عيدية‭ ‬عيد‭ ‬مقدارها‭ ‬صعدة‭ ‬بدولاب‭ ‬الهواء‭ ‬ومرجوحة‭ ‬،‭ ‬وقطعة‭ ‬زلابية‭ ‬محروسة‭ ‬بذبابات‭ ‬الفرح‭ .‬

أول‭ ‬‮«‬‭ ‬دار‭ ‬‮«‬‭ ‬مستلة‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬‭ ‬القراءة‭ ‬الخلدونية‭ ‬‮«‬‭ ‬توفقت‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬حروفها‭ ‬الجميلة‭ ‬فوق‭ ‬سبّورة‭ ‬سوداء‭ . ‬تمسيدة‭ ‬على‭ ‬الرأس‭ ‬من‭ ‬معلم‭ ‬القراءة‭ ‬مكي‭ ‬الأصلع‭ ‬،‭ ‬وزخة‭ ‬تصفيق‭ !!‬

أول‭ ‬‮«‬‭ ‬عكسيّة‭ ‬‮«‬‭ ‬يدوية‭ ‬زرعها‭ ‬المصارع‭ ‬المبهر‭ ‬عدنان‭ ‬القيسي‭ ‬،‭ ‬فوق‭ ‬ظهر‭ ‬الأسكتلندي‭ ‬الضخم‭ ‬كوريانكو‭ . ‬وقعت‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬مفتتح‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬البائد‭ . ‬المكان‭ : ‬ملعب‭ ‬الشعب‭ ‬الدولي‭ ‬وفق‭ ‬ذاكرتي‭ ‬الآن‭ .‬

أول‭ ‬حانة‭ ‬دخلتها‭ . ‬حانة‭ ‬عشتار‭ ‬بصف‭ ‬سينما‭ ‬بابل‭  ‬ببغداد‭ . ‬بيميني‭ ‬باكيت‭ ‬سكائر‭ ‬من‭ ‬صنف‭ ‬رائج‭ ‬اسمه‭  ‬‮«‬‭ ‬روثمان‭ ‬‮«‬‭ . ‬البيع‭ ‬بالمفرد‭ ‬والسكارى‭ ‬كرماء‭ . ‬ثم‭ ‬العودة‭ ‬الى‭ ‬عربانة‭ ‬أبي‭ ‬مع‭ ‬جيب‭ ‬مفتوح‭ ‬تخرخش‭ ‬فيه‭  ‬‮«‬‭ ‬خردة‭ ‬‮«‬‭ ‬الغزوة‭ ‬المبروكة‭ ‬والبقشيش‭ .‬

أول‭ ‬فلم‭ ‬سينمائي‭ ‬بالأبيض‭ ‬والأسود‭ ‬،‭ ‬ترك‭ ‬حسرة‭ ‬عملاقة‭ ‬في‭ ‬قلبي‭ . ‬فلم‭ ‬مصري‭ ‬عنوانه‭ ‬‮«‬‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نزرع‭ ‬الشوك‭ ‬‮«‬‭ ‬وقد‭ ‬انعرض‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬سينما‭ ‬بابل،‭ ‬أول‭ ‬سبعينيات‭ ‬الدهر‭ ‬الفائت‭ . ‬

أيامها‭ ‬ولياليها‭ ‬،‭ ‬فشلت‭ ‬مجاري‭ ‬مياه‭ ‬شارع‭ ‬السعدون‭ ‬العزيز‭ ‬ومسالكها‭ ‬في‭ ‬تصريف‭ ‬دموع‭ ‬الناس‭ ‬المخلصة‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تبكي‭ ‬على‭ ‬مناحة‭ ‬المطربة‭ ‬المدهشة‭ ‬شادية،‭ ‬وهي‭ ‬تغني‭ ‬وتتناوح‭ :‬

‮«‬‭ ‬والله‭ ‬يا‭ ‬زمن‭ ‬،‭ ‬والله‭ ‬يا‭ ‬زمن‭ ‬‮«‬‭ ‬

أول‭ ‬وقوف‭ ‬متقنفذ‭ ‬لشعر‭ ‬الرأس‭ ‬،‭ ‬بسبب‭ ‬عوية‭ ‬مباغتة‭ ‬من‭ ‬كلب‭ ‬أسود‭ ‬اسمه‭ ‬المنغّل‭ ‬‮«‬‭ ‬لاسي‭ ‬‮«‬‭ ‬بزقاق‭ ‬معتم‭ . ‬كلب‭ ‬ابن‭ ‬سطعش‭ ‬كلب‭ ‬،‭ ‬عاقبته‭ ‬العناية‭ ‬الإلهية‭ ‬،‭ ‬بقطعة‭ ‬لحم‭ ‬مسمومة‭ ‬نزلت‭ ‬اليه‭  ‬من‭ ‬يمين‭ ‬موظف‭ ‬حكومة‭ ‬أجهم‭ ‬،‭ ‬لا‭ ‬يقطع‭ ‬وجهه‭ ‬سيف‭ .‬

أول‭ ‬خمس‭ ‬قطط‭ ‬بعتها‭ ‬للحكومة‭ ‬بنصف‭ ‬دينار‭ ‬،‭ ‬خلال‭ ‬الحملة‭ ‬الوطنية‭ ‬الشاملة‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المخلوقات‭ ‬المسالمة‭ ‬الوديعة‭ ‬بشباط‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬اللبّاط‭ .‬

أول‭ ‬صورة‭ ‬بالأبيض‭ ‬والأسود‭ ‬،‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬الأمة‭ ‬برصافة‭ ‬بغداد‭ ‬العزيزة‭ . ‬قميص‭ ‬جوزي‭ ‬وياقة‭ ‬بطول‭ ‬أذن‭ ‬فيل‭ ‬هندي‭ ‬كسول‭ ‬،‭ ‬ومن‭ ‬تحت‭ ‬،‭ ‬ثمة‭ ‬بجامة‭ ‬مقلّمة‭ ‬ونعال‭ ‬أبو‭ ‬إصبع‭ ‬،‭ ‬طال‭ ‬عمره‭  ‬بدنبوس‭ ‬شيلة‭ ‬الأُمّ‭ . ‬أما‭ ‬الخلفية‭ ‬،‭ ‬فهيَ‭ ‬جدارية‭ ‬خشبية‭ ‬ضخمة‭ ‬،‭ ‬للعندليب‭ ‬الأسمر‭ ‬الولهان‭ ‬عبد‭ ‬الحليم‭ ‬حافظ‭ . ‬ظلّ‭ ‬حليم‭ ‬الرائع‭ ‬يرنُّ‭ ‬في‭ ‬رأسي‭ ‬،‭ ‬ويلبطُ‭ ‬بسكراب‭ ‬ذاكرتي‭ ‬حدّ‭ ‬الآن‭ .‬

أول‭ ‬رواية‭ ‬قرأتها‭ ‬عشر‭ ‬مرات‭ . ‬‮«‬‭ ‬في‭ ‬بيتنا‭ ‬رجل‭ ‬‮«‬‭ ‬لإحسان‭ ‬عبد‭ ‬القدوس‭ . ‬صارت‭ ‬الرواية‭ ‬فلماً‭ ‬سينمائياً‭ ‬من‭ ‬بطولة‭ ‬عمر‭ ‬الشريف‭ ‬وأم‭ ‬العيون‭ ‬الزرق‭ ‬،‭ ‬زبيدة‭ ‬ثروت‭ . ‬كلما‭ ‬أعادت‭ ‬شاشة‭ ‬ما‭  ‬عرضه‭ ‬،‭ ‬أُشاهده‭ ‬باللهفة‭ ‬القديمة‭ ‬النقية‭ ‬نفسها‭ ‬،‭ ‬وذات‭ ‬التوجع‭ ‬والحماسة‭ ‬وربما‭ ‬بعض‭ ‬سواخن‭ ‬الدمع‭ ‬النبيل‭ .‬

أول‭ ‬محاولة‭ ‬لمسك‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬خاص‭ ‬وسمين‭ . ‬دكان‭ ‬فلافل‭ ‬وعمبة‭ ‬وصمون‭ ‬بحجم‭ ‬زنزانة‭ ‬،‭ ‬ينولد‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬‮«‬‭ ‬جامع‭ ‬المدلل‭ ‬‮«‬‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬العطيفية‭ ‬الأولى‭ ‬البديعة‭ ‬،‭ ‬بكرخ‭ ‬بغداد‭ ‬العباسية‭ . ‬

كنت‭ ‬استأجرت‭ ‬الدكان‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬اسمه‭ ‬أحمد‭ ‬،‭ ‬وتسميه‭ ‬الناس‭ ‬الضحّاكة‭ ‬هناك‭ ‬،‭ ‬أحمد‭ ‬ريكا‭ ‬بطل‭ ‬أمريكا‭ . ‬بعد‭ ‬سنة‭ ‬فشل‭ ‬الدكان‭ ‬بسبب‭ ‬سكرات‭ ‬سعدي‭ ‬عجيمي‭ ‬،‭ ‬وماطور‭ ‬سكل‭ ‬جاسم‭ ‬كرادي‭ ‬وطول‭ ‬خالد‭ ‬جريان‭ ‬وشماتة‭ ‬حمّادي‭ ‬أبو‭ ‬التكة‭ ‬الذائبة‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬طعمها‭ ‬المذهل‭ . ‬وقع‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الميلادية‭ ‬الساخنة‭ ‬1982‭.‬

أول‭ ‬مساهمة‭ ‬في‭ ‬حملة‭ ‬‮«‬‭ ‬تبرع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فلسطين‭ ‬الحبيبة‭ ‬‮«‬‭ . ‬باكيت‭ ‬تايت‭ ‬وصابونة‭ ‬رقّي‭ ‬وشيشة‭ ‬معجون‭ ‬طماطة‭ ‬وأنشودة‭ ‬وطنية‭ .‬

أول‭ ‬فائدة‭ ‬من‭ ‬فعالية‭ ‬‮«‬‭ ‬معونة‭ ‬الشتاء‭ ‬‮«‬‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬ابن‭ ‬جبير‭ ‬الأبتدائية‭ . ‬قمصلة‭ ‬وبنطرون‭ ‬وقندرة‭ ‬نايلون‭ ‬تجعل‭ ‬رائحة‭ ‬القدم‭ ‬مثل‭ ‬مشمّة‭ ‬تسع‭ ‬فطائس‭ ‬،‭ ‬وقميص‭ ‬أزرق‭ ‬بمقاس‭ ‬جسم‭ ‬أخي‭ ‬الأكبر‭ .‬

أول‭ ‬تكليف‭ ‬بصبحية‭ ‬رفعة‭ ‬العلم‭ ‬وتحيته‭ . ‬تقدمت‭ ‬نحو‭ ‬السارية‭ ‬العالية‭ . ‬فككت‭ ‬الحبل‭ ‬الخشن‭ ‬وسحبته‭ ‬بقوة‭ ‬كي‭ ‬يرتفع‭ ‬العلم‭ ‬بالتقسيط‭ ‬المريح‭ . ‬حدث‭ ‬عطب‭ ‬تقني‭ ‬سببه‭ ‬سوء‭ ‬الحظ‭ ‬فقط‭ . ‬

التفّ‭ ‬الحبل‭ ‬كما‭ ‬أفعى‭ ‬أم‭ ‬رأسين‭ ‬على‭ ‬وسط‭ ‬العلم‭ . ‬أعدت‭ ‬المحاولة‭ ‬ففشلت‭ . ‬

تقدم‭ ‬صوبي‭ ‬مرشد‭ ‬الصف‭ ‬العصبي‭ ‬ومعلمه‭ ‬الوسيم‭ ‬المستقيم‭ ‬،‭ ‬وعاونني‭ ‬على‭ ‬فك‭ ‬اشتباك‭ ‬الحبل‭ ‬بالعلم‭ ‬المقدس‭ ‬فنجح‭ . ‬سعدت‭ ‬بالأمر‭ ‬ونويت‭ ‬إكمال‭ ‬الجزء‭ ‬المتبقي‭ ‬من‭ ‬الفعالية‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أداء‭ ‬التحية‭ ‬،‭ ‬للعلم‭ ‬العالي‭ ‬الغالي‭ ‬المرفرف‭ ‬وقراءة‭ ‬القطعة‭ ‬الطيبة‭ :‬

عش‭ ‬هكذا‭ ‬في‭ ‬علوٍّ‭ ‬أيها‭ ‬العلمُ‭ … ‬فأننا‭ ‬بك‭ ‬بعد‭ ‬الله‭ ‬نعتصمُ‭ .‬

‭ ‬رفض‭ ‬المعلّم‭ ‬الغاضب‭ ‬أن‭ ‬أكمل‭ ‬الأمر‭ . ‬نهرني‭ ‬بهمس‭ ‬قائلاَ‭ : ‬عد‭ ‬الى‭ ‬الاصطفاف‭ ‬يا‭ ‬غبي‭ ‬يا‭ ‬حيوان‭ ‬يا‭ ‬أثول‭  .‬

أول‭ ‬عصا‭ ‬شتائية‭ ‬موجعة‭ ‬على‭ ‬قفا‭ ‬الكف‭ . ‬كانت‭ ‬عصا‭ ‬معلم‭ ‬الحساب‭ . ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬أذكر‭ ‬السبب‭ ‬،‭ ‬لكنني‭ ‬أحدس‭ ‬الليلة‭ ‬،‭ ‬أنه‭ ‬وقع‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬ضربي‭ ‬الرقم‭ ‬ثلاثة‭ ‬بالرقم‭ ‬ستة‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬الناتج‭ ‬صبحيتها‭ ‬الباردة‭ ‬أربع‭ ‬عشرة‭ ‬برتقالة‭ ‬افتراضية‭ . ‬

أول‭ ‬تظاهرة‭ ‬عفوية‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬حشدها‭ ‬كعازف‭ ‬منفرد‭ . ‬كنت‭ ‬أركض‭ ‬خلف‭ ‬أخي‭ ‬الأكبر‭ ‬جواد‭ ‬أبو‭ ‬سوسن‭ . ‬أخي‭ ‬كان‭ ‬شيوعياً‭ ‬قحاً‭ . ‬ثمة‭ ‬هتافات‭ ‬تتردد‭ ‬لم‭ ‬أفهم‭ ‬نصوصها‭ ‬ومغازيها‭ ‬،‭ ‬لكنني‭ ‬كنت‭ ‬ألوّح‭ ‬بيميني‭ ‬المنتشية‭ ‬بقوة‭ . ‬كانت‭ ‬ليلة‭ ‬تأميم‭ ‬نفط‭ ‬بلاد‭ ‬الرافدين‭ ‬،‭ ‬بصوت‭ ‬الرئيس‭ ‬أحمد‭ ‬حسن‭ ‬البكر‭ ‬في‭ ‬سبعينيات‭ ‬بغداد‭ ‬الحلوة‭ . ‬

أول‭ ‬تطريب‭ ‬ووجد‭ ‬خاشع‭ . ‬سورة‭ ‬يوسف‭ ‬مجوّدة‭ ‬ومسلطنة‭ ‬بصوت‭ ‬عبد‭ ‬الباسط‭ ‬محمد‭ ‬عبد‭ ‬الصمد‭ ‬‮«‬‭ ‬وإني‭ ‬ليحزنني‭ ‬أن‭ ‬تذهبوا‭ ‬به‭ ‬وأخاف‭ ‬أن‭ ‬يأكله‭ ‬الذئب‭ ‬وأنتم‭ ‬عنه‭ ‬غافلون‭ ‬‮«‬

‭ ‬حزنٌ‭ ‬كاسرٌ‭ ‬على‭ ‬يوسف‭ ‬وأبيه‭ ‬،‭ ‬ورائحة‭ ‬الدم‭ ‬الكذب‭ ‬المرشوش‭ ‬فوق‭ ‬قميص‭ ‬يقين‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬قُدّ‭ ‬من‭ ‬دبر‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬حصحص‭ ‬الحق‭ ‬بباب‭ ‬الغرفة‭ ‬وبانت‭ ‬البائنة‭ . ‬

أول‭ ‬حرشة‭ ‬بالغة‭ . ‬عرس‭ ‬شعبيّ‭ ‬بمدينة‭ ‬الثورة‭ . ‬صوت‭ ‬المغني‭ ‬المجيد‭ ‬مثل‭ ‬صوت‭ ‬سلمان‭ ‬المنكوب‭ . ‬ثمة‭ ‬راقصة‭ ‬مذهلة‭ ‬هيّجت‭ ‬الجمهور‭ ‬،‭ ‬وعاونت‭ ‬العريس‭ ‬الغض‭ ‬،‭ ‬على‭ ‬سفك‭ ‬دم‭ ‬البكارة‭  ‬في‭ ‬أول‭ ‬عشر‭ ‬ثوان‭ ‬من‭ ‬ليلة‭ ‬الدخلة‭ ‬العظيمة‭ . ‬كان‭ ‬بالمقدور‭ ‬ملاحظة‭ ‬الساقية‭ ‬المميتة‭ ‬النازلة‭ ‬بين‭ ‬ثدييها‭ . ‬تركتْ‭ ‬الراقصة‭ ‬الرعّاشة‭ ‬الحشد‭ ‬كله‭ ‬،‭ ‬وقامت‭ ‬برمي‭ ‬وشاحها‭ ‬الأحمر‭ ‬اللماع‭ ‬صوب‭ ‬وجهي‭ ‬الملتهب‭ . ‬سعدتُ‭ ‬بهذا‭ ‬الانتقاء‭ ‬المبهج‭ ‬الذي‭ ‬سيرفع‭ ‬رأسي‭ ‬بين‭ ‬صحبي‭ ‬الحاسدين‭ ‬،‭ ‬لكنني‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬فك‭ ‬الشفرة‭ . ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الراقصة‭ ‬إمرأة‭ . ‬كانت‭ ‬رجلاً‭ ‬مخنثاً‭ ‬يسمّونه‭ ‬‮«‬‭ ‬زبيري‭ ‬‮«‬‭ .‬

أول‭ ‬فراق‭ ‬طويل‭ ‬لبغداد‭ ‬،‭ ‬والهجيج‭ ‬صوب‭ ‬عمّان‭ . ‬كنت‭ ‬اشتريت‭ ‬من‭ ‬الصديق‭ ‬سمير‭ ‬الخالدي‭ ‬،‭ ‬صاحب‭ ‬تسجيلات‭ ‬أنغام‭ ‬التراث‭ ‬بساحة‭ ‬معروف‭ ‬عبد‭ ‬الغني‭ ‬الرصافي‭ ‬،‭ ‬شريطاً‭ ‬لقارىء‭ ‬المقام‭ ‬المجيد‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬خضر‭ ‬،‭ ‬وهو‭ ‬يؤدي‭ ‬رائعة‭ ‬ابن‭ ‬زريق‭ ‬البغدادي‭ ‬،‭ ‬الشهيد‭ ‬المخذول‭ ‬بباب‭ ‬السلطان‭ ‬،‭ ‬ومنها‭ ‬تلك‭ ‬الآهة‭ :‬

أستودعُ‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬لي‭ ‬قمــراً‭          ‬بـالـكــرخ‭ ‬مـن‭ ‬فـلك‭ ‬الأزرار‭ ‬مـطـلـعُـــهُ

ودّعـتــهُ‭ ‬وبــودّي‭ ‬لــو‭ ‬يــوُدّعُـنـي‭        ‬صـفـوُ‭ ‬الـحـيـــاة‭ ‬وإنـــي‭ ‬لا‭ ‬أودّعُــــهُ

أول‭ ‬تقليد‭ ‬أعمى‭ ‬وفطير‭ ‬وماسخ‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬حمق‭ ‬ورقاعة‭ ‬وخفة‭ ‬وزن‭ . ‬

ساندويجة‭ ‬شاورما‭ ‬صحبة‭ ‬كأس‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬شراب‭ ‬بيرة‭ ‬درافت‭ . ‬كان‭ ‬المطعم‭ ‬بشارع‭ ‬سينما‭ ‬سميراميس‭ ‬،‭ ‬الذاهب‭ ‬الى‭ ‬شارع‭ ‬أبي‭ ‬نؤاس‭ . ‬عضضت‭ ‬اللفّة‭ ‬عضّة‭ ‬أولى‭ ‬،‭ ‬وتبعتها‭ ‬بشفطة‭ ‬عظمى‭ ‬من‭ ‬قدح‭ ‬البيرة‭ ‬التي‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬اسمها‭ ‬كان‭ ‬‮«‬‭ ‬فريدة‭ ‬‮«‬‭ . ‬لم‭ ‬استسغ‭ ‬طعم‭ ‬تلك‭ ‬الخلطة‭ ‬المنفرة‭ . ‬وددت‭ ‬وقتها‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الشيطان‭ ‬يهبط‭ ‬في‭ ‬كأسي‭ ‬،‭ ‬فيشرب‭ ‬بقيا‭ ‬ماء‭ ‬الشعير‭ ‬المر‭ . ‬كان‭ ‬المطعم‭ ‬مكتظاً‭ ‬بزبائن‭ ‬الظهيرة‭ . ‬

ربما‭ ‬شعر‭ ‬النادل‭ ‬المخلوق‭ ‬وجهه‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬رحمة‭ ‬ونور‭ ‬،‭ ‬بورطتي‭ ‬التي‭ ‬رحت‭ ‬اليها‭ ‬برجلي‭ . ‬تجرعتُ‭ ‬الأمر‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬إزدراء‭ ‬الناظرين‭ ‬،‭ ‬وحيث‭ ‬صرت‭ ‬على‭ ‬مبعدة‭ ‬ضحكة‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المطعم‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أزرع‭ ‬رأسي‭ ‬في‭ ‬سطل‭ ‬زبالة‭ ‬بائتة‭ .‬

أول‭ ‬حضنة‭ ‬في‭ ‬صدر‭ ‬أمي‭ ‬المبخرة‭ ‬،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬جرفتني‭ ‬الحشود‭ ‬المطوفة‭ ‬حول‭ ‬مرقد‭ ‬رجل‭ ‬صالح‭ . ‬كنت‭ ‬أصرخ‭ ‬بقوة‭ ‬كتيبة‭ ‬من‭ ‬أطفال‭ ‬تائهين‭ ‬،‭ ‬وكانت‭ ‬يدي‭ ‬الغضّة‭ ‬تتعرّق‭ ‬بيمين‭ ‬رجل‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الله‭ ‬،‭ ‬ما‭ ‬انفك‭ ‬ينادي‭ : ‬رحم‭ ‬الله‭ ‬والديه‭ ‬من‭ ‬يدلّ‭ ‬هذا‭ ‬الطفل‭ ‬المسكين‭ ‬على‭ ‬أمّه‭ .‬