تزوير الكتب ظاهرة سلبية في المتنبي – هدى سعد عبادي الفريجي

672

الأوضاع الداخلية تلقي بظلالها على الشارع

تزوير الكتب ظاهرة سلبية في المتنبي – هدى سعد عبادي الفريجي

كان شارع المتنبي ولا زال يمثل الشريان الرئيسي لحياة المكتبات ودور النشر، والتي لها الأثر في تطوير صناعة الكتب وتوزيعها، فكان أصحاب المكتبات ودور النشر في هذا الشارع ممن لهم الباع الطويل في خدمة الثقافة والمعرفة، لما يتمتعون به من خبرة ودراية وعلاقات تتخطى حدود العراق، كأصحاب مكتبات المثنى والنهضة والعصرية. إلا ان الحصار الذي فرض على العراق عام 1990، وتغيير النظام الذي حدث في 2003 كان له الأثر الواضح على واقع هذا الشارع الذي تحول من شارع للمكتبات ودور النشر إلى شارع قرطاسية ومطاعم للوجبات السريعة، أما المكتبات المتبقية أوالتي فتحت بعد الإحتلال فقد أصابها من نتائج الإحتلال الشيء الكثير، وخاصة بعد توافر وسائل الإستنساخ والطباعة المتطورة، الأمر الذي أصبح معه التقليد والتزوير، أمراً سهلاً وهدفاً مادياً بحد ذاته، مما يؤدي إلى تجريد المؤلفين والمحققين لكتب التراث من حقوقهم المادية والمعنوية. كان الناشر إذا أراد إعادة طبع كتاب طبعة ثانية من الكتب التي نفدت طبعتها الأولى، فانه لا يتجاوز حقوق المؤلف ويطهر هذا واضحاً من خلال المقدمة التي يكتبها الناشر للطبعة الثانية أوالمقدمة الثانية للمؤلف أوالمحقق الذي يشير فيها إلى الأسباب الموجبة لإصدار الطبعة الثانية.

اعادة طبع

 وفي بعض الأحيان يقوم الناشر بإعادة طبع الكتاب بالتصوير أوبالإستنساخ وخاصة إذا كانت طبعة قديمة ونادرة كما كان يفعل قاسم محمد الرجب صاحب مكتبة المثنى ويشير في ذلك بالعبارة ( أعادت نشره بالأوفست مكتبة المثنى في بغداد لصاحبها قاسم محمد الرجب) دون أن يتلاعب بأسم الناشر أوسنة النشر، فالكتاب يبقى كما هوعدا الملاحظة أعلاه. أوكما يفعل بعض أصحاب دور النشر في مصر بعضهم وليس كلهم- فيشيرون بعبارة: ( نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب 1926) مثلاً. فيتبين من ذلك ان طبعة الكتاب وإن كانت مصورةإلا انها لم تكن مسروقة كما يحصل الآن أوكما رأيت في معارض الكتب في بغداد أوالقاهرة وغيرهما. وهذا لا يقتصر على بلد معين، بل في جميع بلدان العالم ولوبشكل متفاوت. وهذا لا يمكن ردعه بقانون كتب قبل أكثر من أربعين سنة في العراق- ولوأن سلطة الأئتلاف المؤقت غيّرت بعض مواده بموجب أمرها المرقــــــم 83 في 1 /5 / 2004المنشور في جريدة الوقائع العراقية ذي العدد 3984حزيران 2004. والقائمون على سوق الكتب اليوم لم يكونوا من ذوي الإختصاص والثقافة إذا استثنينا القليل منهم، بل هم باعة. والسرقة هذه تشبه سرقة من يسرق شيئاً ثم أعطاه للبائع ليبيعه، فالسارق بالنسبة للمشتري غير معلوم أما السلعة المسروقة وأما البائع لها أمام المشتري. أما مادة الكتاب وأما الفكر الذي بذل فيه وأما الليالي التي أمضاها المؤلف في كتابته ومراجعته ما كتب، كل هذه يأخذها السارق بالمجان. ولدي مثال على ذلك في أكثر من كتاب: الكتاب الأول يقع في جزأين ولكنه مجلد واحد، فعندما أراد الناشر الجديد أن يستنسخ هذا الكتاب فأنه يحذف الدار الناشره وسنة الطبع وكتب أسم مكتبته وسنة 2018.. ولكنه نسي الجزء الثاني متبقي على حالته الأصلية . اما الكتاب الثاني فانه طبع في جامعة كامبرج فأخذه صاحب دار النشر الجديد، وحذف مطبعة جامعة كامبرج ووضع اسم دار النشر الخاصة به.. مع الإبقاء على الورقة الأخيرة التي ذكر فيها اسم مطبعة جامعة كامبرج وسنة الطبع الأصلية! إنه شر استشرى، ولم يعد في كتاب أوكتابين. بل أصبح تجارة واسعة لا تخص بلداً معيناً. فغير العارف بأمور الكتب والأمانة العلمية ينطلي عليه مثل هذا التزوير الذي لا يغتفر ووا أكثره!.

حماية مؤلف

ومع التطور الحاصل، ونظراً لعجز قانون حماية حق المؤلف العراقي رقم 3 لسنة 1971 -المعدل- من معالجة كثير من حالات الإعتداء والتي تساعد الجامعات العراقية عليها من خلال المقررات الدراسية المستنسخة أوالمزورة بطبعاتها، أومن خلال القائمين على عملية شراءالكتب.. وهؤلاء أما موظفون في لجنة المشتريات جاهلين بأصول الكتب وطبعاتها وما أكثرهم أوموظفون يرسلون للتعاقد مع مكتبة ما للشراء منها، سواء كانت هذه المكتبة داخل العراق أوخارجه وأرجح ان التعاقد قد يتم خارج العراق، نظراً للإفادة من إمتيازات الإيفاد.

تحمل مسؤولية

ولكن من يتحمل المسؤولية في ذلك؟ سرقة جعلها العلم الحديث لا تكلف شيئاً غير ثمن الورق. وعسى ان نجد في القول الآتي ما يبرر الأخذ به في ميدان التجاوز على القانون، يقال في الطب الوقائي: ” إنّ الوقاية من المرض خير من علاجه ومداواته”، لان الوقاية تعني قيام أسباب الجريمة قبل وقوعها فعلاً، أما المكافحة فهي ما تتخذه السلطة لمعالجة الموقف بعد وقوع الجريمة. ان مردود هذه الوقاية يصبح في غمره أهداف التجاوز وتعدد وسائله، وقد يرجع في أساسه إلى عدم تطبيق القانون، نظراً لعجز وسائل تطبيقه أولتجاهل القانون نفسه من قبل القائمين عليه. وبعد، ما عسانا أن نفعل بعد أن تزايد الإعتداء على حقوق المؤلفين، ولكن هل بإستطاعتنا ان نضع قوانين جديدة لآليات تسويق الكتاب وسط هذه المعطيات التي نراها والقيم المادية التي تمارس في إطار صناعة الكتاب، وسط قصور واضح في حماية حق المؤلف أدبياً ومادياً، وفي ردع سُراق جهود المؤلفين، هؤلاء الذين جعلوا فكر الغير مصدراً من مصادر تجارتهم. ولكن من يتحمل المسؤولية؟ إن وزارة التعليم العالي وهي منتجة ومستهلكة للملكية الفكرية، عليها ان تضع في إعتبارها الكتاب المقرر وكيفية تداوله ومنافذ بيع الكتاب، الا ان هذا غير حاصل، بالإضافة إلى وزارتي الثقافة والتربية، اللتين تتحملان بعضاً من المسؤولية. وبعد، علينا أن نجد القوانين الرادعة لإرتكاب مثل هذه الأفعال، وبعبارة أخرى ما هي المرحلة أوالمراحل التي قطعناها اليوم في سبيل تهيئة وقاية مجدية أوعلاج صحيح للمشكلة؟ لأننا لودرسنا أسباب مصائبنا وخطوبنا دراسة شاملة نتقصى فيها أسباب التخلف في تطبيق القانون الذي لا يمكن أن يؤدي غرضه المطلوب إلا إذا أعدنا النظر بمستلزمات تطبيقهُ، لأننا مازلنا نتكيء على القانون دون أن

نستلهم منه كيفية إحترامه وتطبيقه، أوأن نرجع إلى كتب التراث نستفيد منها إذ لم تنفع القوانين. ككتاب (كشف أسرار المحتالين) للعلامة الجويري الدمشقي، وكتاب (اللصوص) للجاحظ!.

{ باحثة دكتورة في القانون الجنائي- جامعة عين شمس

مشاركة