تردي خدمات المصارف يضعف ثقة العراقيين ويدفع التجار إلى بنوك دول الجوار

365

الديوانية‭ (‬العراق‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬يعاني‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬الأنظمة‭ ‬المصرفية‭ ‬ما‭ ‬يدفعهم‭ ‬إلى‭ ‬اللجوء‭ ‬الى‭ ‬مصارف‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬في‭ ‬تعاملاتهم‭ ‬التجارية‭ ‬الدولية،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يثق‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬بها‭ ‬ويدّخرون‭ ‬أموالهم‭ ‬في‭ ‬منازلهم‭.‬

ويقول‭ ‬الخبير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ورئيس‭ ‬اتحاد‭ ‬المحامين‭ ‬في‭ ‬الديوانية‭ ‬عباس‭ ‬عنيد‭ ‬غانم‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬الأنظمة‭ ‬المصرفية‭ ‬العراقية‭ ‬الآن‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‮»‬‭.‬

وتعود‭ ‬المشاكل،‭ ‬وفق‭ ‬غانم،‭ ‬إلى‭ ‬عقود‭ ‬خلت،‭ ‬وتحديدا‭ ‬إلى‭ ‬التسعينات‭ ‬حين‭ ‬تسببت‭ ‬العقوبات‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬في‭ ‬عزل‭ ‬العراق‭ ‬عن‭ ‬العالم‭.‬

وعقب‭ ‬غزو‭ ‬قوات‭ ‬التحالف‭ ‬بقيادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬البلد‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬أدت‭ ‬عمليات‭ ‬النهب‭ ‬الواسعة‭ ‬إلى‭ ‬إفراغ‭ ‬البنوك‭ ‬من‭ ‬السيولة‭.‬

وتأسس‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬مصرفا،‭ ‬لكن‭ ‬القطاع‭ ‬في‭ ‬الإجمال‭ ‬لم‭ ‬يتطور‭.‬

وأفاد‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬أن‭ ‬أكبر‭ ‬ثلاثة‭ ‬مصارف،‭ ‬وهي‭ ‬الرافدين‭ ‬والرشيد‭ ‬والعراقي‭ ‬للتجارة‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة،‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬90‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬القطاع‭.‬

‮«‬لا‭ ‬تسهيلات‮»‬‭ ‬

وتتولى‭ ‬المصارف‭ ‬العامة‭ ‬الثلاثة‭ ‬أساسا‭ ‬دفع‭ ‬رواتب‭ ‬ثمانية‭ ‬ملايين‭ ‬موظف‭ ‬عراقي‭. ‬لكن‭ ‬الدولة‭ ‬اضطرت‭ ‬للاقتراض‭ ‬منها‭ ‬إثر‭ ‬انهيار‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬ما‭ ‬رفع‭ ‬دينها‭ ‬المحلي‭.‬

بالنسبة‭ ‬لمدير‭ ‬مجموعة‭ ‬الأخيار‭ ‬للمقاولات‭ ‬عادل‭ ‬الصالحي،‭ ‬تكمن‭ ‬مشكلة‭ ‬المصارف‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬تكتفي‭ ‬‮«‬بالقروض‭ (‬للدولة‭) ‬ودفع‭ ‬رواتب‭ ‬الموظفين‭ ‬ولا‭ ‬يهمها‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬قطاع‭ ‬التجارة‭ ‬ودعم‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‮»‬‭.‬

وينطبق‭ ‬ذلك‭ ‬خصوصا‭ ‬على‭ ‬مصرفي‭ ‬الرافدين‭ ‬والرشيد،‭ ‬وبدرجة‭ ‬أقل‭ ‬على‭ ‬المصرف‭ ‬العراقي‭ ‬للتجارة‭ ‬الذي‭ ‬أسسته‭ ‬سلطة‭ ‬الائتلاف‭ ‬المؤقتة‭ ‬الأميركية‭ ‬بإشراف‭ ‬الحاكم‭ ‬المدني‭ ‬بول‭ ‬بريمر‭ ‬عام‭ ‬2003‭. ‬لكن‭ ‬غانم‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬‮«‬المحاصصة‭ ‬الطائفية‭ ‬والحزبية‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬والفساد‭ ‬الإداري‭ ‬والمالي‭ ‬أمور‭ ‬أثرت‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬المصرفية‮»‬‭ ‬ما‭ ‬حصر‭ ‬دورها‭ ‬تقريبا‭ ‬في‭ ‬إقراض‭ ‬الحكومة‭. ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬المصرف‭ ‬العراقي‭ ‬للتجارة‭ ‬هو‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يمكّن‭ ‬التجار‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬اعتمادات،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬أي‭ ‬تسهيلات‭ ‬مصرفية‭ ‬لنا‭ (‬رجال‭ ‬الأعمال‭)‬،‭ ‬ويطلب‭ ‬منا‭ ‬ضمانات‭ ‬بقيمة‭ ‬عالية‭ ‬جدا‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬110‭ ‬بالمئة‭ ‬لتوفير‭ ‬خطاب‭ ‬ضمان‭ ‬فقط‮»‬،‭ ‬وفق‭ ‬الصالحي‭.‬

ودفع‭ ‬ذلك‭ ‬مجموعة‭ ‬الأخيار‭ ‬للمقاولات‭ ‬إلى‭ ‬اللجوء‭ ‬لخدمات‭ ‬مصارف‭ ‬خارج‭ ‬البلاد،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬بنوك‭ ‬في‭ ‬الأردن‭ ‬وتركيا‭ ‬ولبنان‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬إيران‭ ‬لتسهيل‭ ‬تعاملاتها‭. ‬ولا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالتسهيلات‭ ‬المالية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يطال‭ ‬كذلك،‭ ‬وفق‭ ‬الصالحي،‭ ‬‮«‬الشفافية‮»‬‭ ‬في‭ ‬المعاملات‭ ‬وتوفير‭ ‬‮«‬موظفين‭ ‬خاصين‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬البنوك‭ (…) ‬حسب‭ ‬تقييم‭ ‬وعمل‭ ‬التاجر‮»‬،‭ ‬عكس‭ ‬المصارف‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬‮«‬تتعامل‭ ‬معنا‭ ‬كموظفين‭ ‬وبأسلوب‭ ‬جاف‮»‬‭.‬

ووفق‭ ‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬حصل‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬5‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬المشاريع‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬على‭ ‬قروض‭ ‬من‭ ‬المصارف‭ ‬المحلية‭ ‬العراقية،‭ ‬فيما‭ ‬لجأ‭ ‬أغلب‭ ‬التجار‭ ‬والمستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض‭ ‬من‭ ‬العائلة‭ ‬والأصدقاء‭.‬

وأرجع‭ ‬غانم‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬قيمة‭ ‬الفائدة‭ ‬التي‭ ‬تأخذها‭ ‬المصارف،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬المشاريع‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬فهي‭ ‬‮«‬تراوح‭ ‬بين‭ ‬سبعة‭ ‬إلى‭ ‬عشرة‭ ‬بالمئة‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بأغلب‭ ‬مصارف‭ ‬العالم‭ ‬المتطورة‭ ‬لا‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬المئة‮»‬‭.‬

وجاء‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬172‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬190‭ ‬دولة‭ ‬مصنفة‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬‮«‬مؤشر‭ ‬سهولة‭ ‬ممارسة‭ ‬الأعمال‮»‬‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬متقدما‭ ‬بالكاد‭ ‬على‭ ‬أفغانستان‭ ‬وسوريا‭ ‬التي‭ ‬تمزقها‭ ‬الحرب‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬ثاني‭ ‬منتج‭ ‬للخام‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬‮«‬أوبك‮»‬‭.‬

‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬المنازل‭ ‬

ولا‭ ‬تقف‭ ‬مشاكل‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬العراقي‭ ‬عند‭ ‬الشركات،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬خدماته‭ ‬إقبالا‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬أيضا‭.‬

وتشير‭ ‬أرقام‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬23‭ ‬بالمئة‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬العراقية‭ ‬لديها‭ ‬حساب‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬مالية،‭ ‬وهي‭ ‬نسبة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأدنى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬وأصحاب‭ ‬تلك‭ ‬الحسابات‭ ‬هم‭ ‬خصوصا‭ ‬من‭ ‬موظفي‭ ‬الدولة‭ ‬الذين‭ ‬توزع‭ ‬رواتبهم‭ ‬على‭ ‬المصارف‭ ‬العامة‭ ‬نهاية‭ ‬كل‭ ‬شهر‭.‬

بقية‭ ‬الخبر‭ ‬على‭ ‬موقع‭ (‬الزمان‭)‬

لكن‭ ‬الرواتب‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬طويلا‭ ‬في‭ ‬الحسابات

،‭ ‬إذ‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تتشكل‭ ‬طوابير‭ ‬أمام‭ ‬المصارف‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬الذين‭ ‬يسحبون‭ ‬رواتبهم‭ ‬نقدا‭ ‬ويفضلون‭ ‬إبقاءها‭ ‬في‭ ‬بيوتهم،‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬ثقة‭ ‬العراقيين‭ ‬في‭ ‬البنوك‭.‬

ولا‭ ‬تزال‭ ‬ذكريات‭ ‬نهب‭ ‬وسرقة‭ ‬المصارف‭ ‬إبان‭ ‬الغزو‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬الأذهان،‭ ‬وقد‭ ‬خسر‭ ‬حينها‭ ‬كثيرون‭ ‬مدخراتهم‭.‬

وكان‭ ‬نبيل‭ ‬كاظم‭ ‬أحد‭ ‬الضحايا‭. ‬ويقول‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬إنه‭ ‬بعد‭ ‬سرقة‭ ‬البنوك،‭ ‬‮«‬لاقيت‭ ‬صعوبة‭ ‬كبيرة‭ ‬لاسترجاع‭ ‬أموالي‭. ‬ولم‭ ‬يحصل‭ ‬ذلك‭ ‬إلاّ‭ ‬بعد‭ ‬أعوام‭ ‬ما‭ ‬أفقدني‭ ‬الثقة‭ ‬بالمصارف‮»‬‭.‬

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يُرجع‭ ‬كاظم‭ ‬احجامه‭ ‬عن‭ ‬إبقاء‭ ‬أمواله‭ ‬في‭ ‬البنك‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬توفر‭ ‬آليات‭ ‬دفع‭ ‬إلكتروني‭ ‬وعبر‭ ‬البطاقات‭ ‬في‭ ‬‮«‬تعاملات‭ ‬البيع‭ ‬والشراء‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬التعاملات‭ ‬بالمبالغ‭ ‬الكبيرة‮»‬‭.‬

ويفضل‭ ‬كاظم‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬خدمات‭ ‬مكاتب‭ ‬الصيرفة‭ ‬أو‭ ‬المصارف‭ ‬الأهلية‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬تحويلات‭ ‬مالية‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬لأنها‭ ‬‮«‬أفضل‭ ‬وأسرع‭ ‬من‭ ‬المصارف‭ ‬الحكومية‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬أكثر‭ ‬أمنا‭ ‬منها‮»‬‭.‬

ويوضح‭ ‬الخبير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬عباس‭ ‬عنيد‭ ‬غانم‭ ‬أن‭ ‬‮«‬المصارف‭ ‬العراقية‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬الإيداع‭ ‬بالدولار‭ ‬لأغراض‭ ‬التوفير‭ ‬وهذا‭ ‬يسبب‭ ‬خسارة‭ ‬كبيرة‭ ‬للعملة‭ ‬الصعبة‮»‬‭.‬

ويكشف‭ ‬ذلك‭ ‬ضعف‭ ‬الثقة‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬العملة‭ ‬المحلية،‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬‮«‬يحوّلون‭ ‬مدخراتهم‭ ‬وأموالهم‭ ‬إلى‭ ‬الدولار‭ ‬ويكتنزونها‭ ‬في‭ ‬المنازل‮»‬‭.‬

ويشير‭ ‬غانم‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬مفارقة‭ ‬بين‭ ‬الخطاب‭ ‬الرسمي‭ ‬والواقع‭. ‬‮«‬فالدولة‭ ‬تناشد‭ ‬المواطنين‭ ‬ايداع‭ ‬مدخراتهم‭ ‬بالمصارف‮»‬‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬بتعديل‭ ‬قوانين‭ ‬هذه‭ ‬المصارف‭ ‬ولا‭ ‬توفر‭ ‬لهم‭ ‬أي‭ ‬خدمات‭ ‬أساسية‮»‬‭.‬

مشاركة