ترامب.. والسحب على البارد – عبد الهادي كاظم الحميري

499

زمان جديد

كلّما غرّد ترامب أو صرح بشيء تذكّرت بيت أبي الطيب المتنبي «أنام ملء جفوني عن شواردهاويسهر الخلق جرَاها ويختصم «.

بالتأكيد كان الخلق من عرب آنذاك يسهرون على ما يقوله المتنبي ويجادلون ويختصمون تماماً كما يفعل الخلق اليوم من عرب وعجم وفرنجة بشأن تغريدات ترامب مع الفارق أن الاختصام هنا يقود الى تلغيم بواخر وضرب منشآت نفطية وغير ذلك

يبدو أن رجل الاعمال ترامب يستغل كامل طاقاته بالتفكير في كيفية حمل إيران على تصليح موقفها حسب وجهة النظر الامريكية دون الدخول في مواجهة عسكرية ساخنة أي من خلال السحب على البارد على طريقة عمل السمكري الماهر.

بدأت حكاية صراع أمريكا وإيران الحالية بعد أن قرّر ترامب سحب أمريكا من الإتفاقية الدولية حول الأنشطة النووية مع إيران ثم قدم بومبيو وزير خارجيته الوصايا الإثنا عشرة الى إيران لتنفيذها إن أرادت تجنب تجديد وتشديد العقوبات  جاءت بعد ذلك حركة الأساطيل الأمريكية مشفوعة بتصريح ترامب بمحو ايران  ان هي تعرضت للمصالح الامريكية  وبدلاً من أن تنجح أمريكا في سحب ايران الى قبول التوصيات تفاجأ العالم بحدوث تفجيرات السفن في ميناء الفجيرة ومضيق هرمز والغريب في هذه التفجيرات أنها لم تتسبب في خسائر بشرية أو تسرب نفط أو كيمياويات تلوث مياه الخليج ولم تؤدي الى غرق السفن مما يوحي بأن ما حدث هو أيضأً عملية سحب على البارد من قبل الطرف الآخر  للجانب الأمريكي ليترك وصاياه  . ولما بقي الحال على ما كان عليه ، جاء إسقاط الطائرة المسيرة وقصف معسكر التاجي ومجمع البرجسية النفطي في العراق بالكاتيوشا.  وهنا مرة أخرى نلاحظ أن الطائرة كانت غير مأهولة وأن صواريخ الكاتيوشا سقطت على مكان العراقيين في معسكر التاجي ومجمع البرجسية وأحدثت خسائر بشرية عراقية دون جرح أمريكي واحد. مرة أخرى توحي هذه الحوادث انها مصممة للضغط من أجل سحب الأمريكان على البارد الى ما تريده إيران دون التسخين بقتل مواطنيهم. توّجت كل الفعاليات السالفة الذكر بتغريدة ترامب حول الغاءه الرد العسكري على إيران بعدما تجاوزت ما كان يعتقد بأنه خط أحمر بإسقاطها الطائرة المسيرة الامريكية. وهذا أكد بدون شك أن الطرفين لا يريدان مواجهة عسكرية ولازال كل منهما يعتقد أن بإمكانه سحب الآخر على البارد وتصليح موقفه.  إن ّالخاسر الأكبر في لعبة السحب على البارد كما ثبت بالدليل المؤلم الملموس في الأيام الماضية هو العراق وعليه أن يتخذ مواقف حاسمة لضبط وضعه الداخلي قبل أن يضيع بالرجلين. إن محنة العراق مع أمريكا وإيران كمحنة أبي فراس الحمداني مع أعمامه العرب وأخواله الروم وتستدعي الخوف على العراق كما تخوف أبو فراس على نفسه حين قال:

إذا خفت من أعمامي العرب خطةً…. تخوفت من أخوالي الروم أربعا

مشاركة