ترامب والامبراطور الروماني نيرون

د. نزار محمود

عندما‭ ‬نقرأ‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬بعض‭ ‬علماء‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬ترامب،‭ ‬ونستعرض‭ ‬قراراته‭ ‬أثناء‭ ‬حكمه،‭ ‬ونستذكر‭ ‬أعماله‭ ‬قبل‭ ‬توليه‭ ‬الحكم‭ ‬وسلوكياته‭ ‬الغريزية‭ ‬والشهوانية‭ ‬المتعاشقة‭ ‬مع‭ ‬العنجهية‭ ‬والغطرسة‭ ‬والفوقية،‭ ‬فإننا‭ ‬سنتقبل‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬الانتحار‭ ‬أو‭ ‬حرق‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬أثر‭ ‬خسارته‭ ‬الانتخابات‭ ‬واحساسه‭ ‬بالفشل‭ ‬والهزيمة‭ ‬والسخرية‭.‬

بالطبع‭ ‬ليس‭ ‬المعنى‭ ‬أن‭ ‬يجلس‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬شرفة‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬فيشعل‭ ‬فتيل‭ ‬نار‭ ‬وهو‭ ‬يشاهد‭ ‬السنة‭ ‬النار‭ ‬تلتهم‭ ‬الأمريكيين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬ينتخبوه،‭ ‬وإنما‭ ‬قد‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شن‭ ‬حروب‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬فترتد‭ ‬على‭ ‬جنوده‭ ‬وشعبه‭ ‬ومدنه‭ ‬بالحديد‭ ‬والنار‭.‬

لقد‭ ‬أهان‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬سبقوه‭ ‬من‭ ‬رؤساء،‭ ‬ومن‭ ‬عاونوه‭ ‬في‭ ‬الحكم،‭ ‬ومن‭ ‬شاركوه‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬العالم،‭ ‬ومن‭ ‬أغدقوا‭ ‬عليه‭ ‬بالمال،‭ ‬فغدا‭ ‬حيواناً‭ ‬شرساً‭ ‬تنزف‭ ‬من‭ ‬فمه‭ ‬وأنفه‭ ‬دماء‭ ‬الهزيمة‭ ‬المرة‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬رئيساً‭ ‬كبقية‭ ‬الرؤساء‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬ملاكماً‭ ‬في‭ ‬حلبة‭ ‬صراع،‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬خسارة‭ ‬ولا‭ ‬رضي‭ ‬بتعادل‭ ‬نقاط‭!‬

كما‭ ‬أنه‭ ‬مؤمن‭ ‬واثق‭ ‬بنفسه‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬فشلاً‭ ‬ولا‭ ‬يريد‭ ‬انسحاب‭. ‬انه،‭ ‬كما‭ ‬شبهه‭ ‬احد‭ ‬اساتذة‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬الامريكان،‭ ‬كالغوريلا‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬على‭ ‬صدرها‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬القوة‭ ‬والاستعداد‭ ‬الدائم‭ ‬للقتال،‭ ‬وهو‭ ‬كالشمبانزي‭ ‬في‭ ‬حركاته‭ ‬البهلوانية‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬يشابه‭ ‬نيرون‭ ‬الروماني‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعشق‭ ‬الموسيقى‭ ‬والتمثيل‭ ‬وكان‭ ‬يطوف‭ ‬في‭ ‬أمصاره‭ ‬فيطربه‭ ‬تصفيق‭ ‬الجمهور‭  ‬له‭ ‬وتملؤه‭ ‬زهواً‭ ‬جوائز‭ ‬التفوق‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬فخراً‭ ‬إلى‭ ‬روما‭.‬

فهل‭ ‬سيرضى‭ ‬ترامب‭ ‬بهزيمة‭ ‬أمام‭ ‬الصين‭ ‬وألمانيا‭ ‬وإيران‭ ‬التي‭ ‬تمنت‭ ‬هزيمته،‭ ‬وهل‭ ‬سيتحمل‭ ‬تشفيها‭ ‬فيه‭. ‬هل‭ ‬سيبقى‭ ‬في‭ ‬قصر‭ ‬السلطان‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬الشهرين‭ ‬كحارس‭ ‬له،‭ ‬أو‭ ‬بائع‭ ‬خضرة‭ ‬كما‭ ‬يقال،‭ ‬ينتظر‭ ‬تهنئة‭ ‬من‭ ‬هزمه؟‭!! ‬أم‭ ‬سيدخل‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬مغامرة‭ ‬لم‭ ‬يسبقه‭ ‬إليها‭ ‬أحد؟‭!‬

ماذا‭ ‬لو‭ ‬ضرب‭ ‬ترامب‭ ‬إيران‭ ‬خلال‭ ‬الشهرين‭ ‬القادمين؟

في‭ ‬احدى‭ ‬خطاباته‭ ‬الانتخابية‭ ‬الأخيرة‭ ‬قال‭ ‬ترامب‭ ‬بكل‭ ‬صراحة‭: ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬ثلاث‭ ‬دول‭ ‬تريد‭ ‬عدم‭ ‬فوزي‭ ‬في‭ ‬الانتخابات،‭ ‬هي‭: ‬الصين‭ ‬وألمانيا‭ ‬وإيران‭!‬

خسر‭ ‬ترامب‭ ‬الانتخابات،‭ ‬وعليه‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬بعد‭ ‬شهرين‭ ‬من‭ ‬الزمان‭.‬

‭ ‬أقال‭ ‬وبصورة‭ ‬مفاجئة‭ ‬وزير‭ ‬دفاعه‭.  ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يحدث‭ ‬فعلا‭ ‬،‭ ‬وهل‭ ‬يعقل‭ ‬أن‭ ‬يوجه‭ ‬ترامب‭ ‬ضربة‭ ‬عسكرية‭ ‬ماحقة‭ ‬لبتر‭ ‬أذرع‭ ‬ايران‭ ‬الطويلة‭ ‬وقطع‭ ‬أنيابها‭ ‬الحادة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاقية‭ ‬النووية‭ ‬معها؟

أعتقد‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الضربة‭ ‬ستحقق‭ ‬أهدافاً‭ ‬ينتظرها‭ ‬كثيرون،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمته‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬وستغيض‭ ‬بنفس‭ ‬الوقت‭ ‬الصين‭ ‬المستثمر‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬وألمانيا‭ ‬الشريك‭ ‬الاستثماري‭ ‬القوي‭ ‬لايران‭.‬

نتذكر‭ ‬ان‭ ‬الصين‭ ‬استثمرت‭ ‬عشرات‭ ‬المليارات‭ ‬في‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬وأن‭ ‬وزير‭ ‬خارجية‭ ‬ألمانيا‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬وزير‭ ‬حطت‭ ‬رجله‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬بعد‭ ‬رفع‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬عنها‭ ‬على‭ ‬أثر‭ ‬توقيع‭ ‬الاتفاقية‭ ‬النووية‭.‬

لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬ستكون‭ ‬جادة‭ ‬في‭ ‬ردة‭ ‬فعلها‭ ‬على‭ ‬الضربة‭ ‬ضد‭ ‬ايران‭ ‬ولا‭ ‬تركيا‭ ‬ولا‭ ‬الهند‭ ‬ولا‭ ‬باكستان‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الضربة‭ ‬ستكون‭ ‬شهادة‭ ‬وفاء‭ ‬للسعودية‭ ‬والإمارات،‭ ‬وتعزيزاً‭ ‬لحماية‭ ‬اسرائيل‭ ‬صاحبة‭ ‬الحظوة‭ ‬كذلك‭ ‬لدى‭ ‬سادة‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬الجدد‭ ‬من‭ ‬الديمقراطيين‭!‬

أتذكر‭ ‬وأنا‭ ‬أكتب‭ ‬المقال‭ ‬فيلم‭ ‬كاوبوي‭ ‬كان‭ ‬عنوانه‭: ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬اسمي‭ ‬ترنتي‭! ‬ويا‭ ‬للصدفة‭ ‬كم‭ ‬قريب‭ ‬اسم‭ “‬ترنتي‭” ‬من‭ ‬اسم‭ “‬ترامب‭”!!!!‬

برلين