تحولات الزمن بين النصين القديم والمعاصر – فاتن النعيمي

قراءة ثقافية لناقة بشرى البستاني

تحولات الزمن بين النصين القديم والمعاصر

– فاتن النعيمي

مدخل:

يبصر القارئ المدقق تحولات الزمن بين المرجعيات القديمة والرؤى المعاصرة

 فالدراسات الثقافية، شأنها شأن غيرها من قضايا الفكر والمعرفة ليست جديدة كلياً، ولعل سماتها عبر التخصصية وطغيان الصبغة التنظيرية عليها، وتشظيها في حقول أو ثقافات متفرقة، والغموض الذي يعتري اهتماماتها، كل ذلك يقود المرء لأن يلمح فيها أثر كل الاستراتيجيات التي أحرزتها الممارسات النقدية الأخرى مثل البنيوية، والنقد النسوي، والتحليل النفسي،  ودراسات الجنوسة (الذكورة والأنوثة)، وغيرها من الموضوعات.كل ذلك وهب فضاءاتها نوعا من الشمولية حتى لتكاد تكون ظاهرة كرنفالية، إذ تستمد وجودها من غيرها وتتشكل في حقل خاص من خلال هذا الاستمداد المستمر.فمشروع النقد الثقافي يتعامل مع النصوص بوصفها علامة ثقافية قبل ان يكون قيمة جمالية،وهذه العلامة الثقافية لا تتحقق دلالتها الا من خلال سياقه الذي انتجها أول مرةسياق المؤلف وسياق القارئ، فالنقد الثقافي يهتم بالمضمرات الدلالية الكامنة وراء الخطاب الجمالي الظاهر ويقوم النقد الثقافي عند ليتش على ثلاث خصائص فهو ينفتح على ما هو غير محسوب والى ماهو غير جمالي في عرف المؤسسة ،ومن سننه الاستفادة من مناهج التحليل العرفية مثل التأويل ودراسة الخلفية التاريخية والتحليل المؤسساتي ثم تركيزه الجوهري على مابعد البنيوي أن لا شئ خارج النص وهي مقولة يصفها ليتش بأنها بمثابة بروتوكول النقد الثقافي ،واهم ما يقوم عليه هو تجاوز الأدب الجمالي الرسمي الذي كان مهيمنا عبر العصور وانفتاحه على الأعمال الثقافية والهامشية.

 لقد أُعطيتْ الدراسة الثقافية اليوم مساحة عريضة من الاهتمام، بعد أن حظيت بشيوع واسع في التسعينات من القرن الماضي، مع ان بعض أصولها تعود الى مدرسة فرانكفورت النقدية، غير انها قد ابتدأت منذ عام 1964 كبداية رسمية، حين تأسست مجموعة برمنغهام في انكلترا تحت مسمى مركز برمنغهام للدراسات الثقافية المعاصرة ” وقد مر المركز بتطورات وتحولات عديدة، إلى أن انتشرت عدوى الاهتمام النقدي الثقافي، متصاحبة مع النظريات النقدية النصوصية و الألسنية و تحولات ما بعد البنيوية، ليتشكل من كل ذلك تيارات نقدية متنوعة المبادئ و الاهتمامات.

دراسات ثقافية

 ويعود كل الفضل للدراسات الثقافية في الاهتمام بالمهمل  والمهمش وذلك بتمجيدها للخطاب المعارض والاحتفال بالهامشي في مواجهة ما اصطلح على وصفه بالراقي، وتوجهها نحو أنماط الهيمنة بالانتقاد والتحليل، مما فتح أبواباً من البحث ذي الاتجاه الإنساني النقدي الجريء، فتحولت بذلك وظيفة النقد من الوظيفة الجمالية التي تستأثر بتحليلات النصوص الأدبية، إلى الوظيفة الثقافية،التي تعنى بربط النصوص بسياقاتها الخارجية، التاريخية و الاجتماعية و السياسية … الخ.

 وبذلك كسرت الدراسة الثقافية مركزية النص، ولم تعد تنظر إليه من خلال كونه شبكة من العلاقات الداخلية حسب، بل صارت تأخذ النص من حيث ما يتحقق فيه  وما يتكشف عنه من أنظمة ثقافية لا تنفصل عن مجمل العلاقات التي تشكل عالمه الخارجي، فالنص هنا وسيلة وأداة، أو انه مادة خام يستخدم لاستكشاف أنماط معينة من مثل الأنظمة السردية، والإشكاليات الأيديولوجية وانساق التمثيل وكل ما يمكن تجريده من النص.

  فالنص إذن ليس هو الغاية القصوى للدراسات الثقافية، وإنما غايتها المبدئية هي الأنظمة الذاتية في فعلها الاجتماعي في أي تموضع كان، بما في ذلك تموضعها النصوصي وعلاقته بالمؤثرات الصادرة عن مجمل الفعاليات الخارجية.

 بناء على ما سبق سنقوم بدراسة قصيدة ” الناقة ” للشاعرة الدكتورة بشرى البستاني المكتوبة حسب ارشيف الشاعرة شتاء 1997 منطلقين من أصول النقد الثقافي في تحليلها، وتاريخ كتابة القصيدة يشير إلى مضي ما يقرب من سبع سنوات على الحصار الظالم الذي فُرض على العراق اقتصادياً وعلمياً وطبياً و..ومضي أكثر من ست سنوات على حرب الثلاث وثلاثين دولة بقيادة زعيمة الشر أمريكا على الشعب العراقي المستوحد وسط الأشقاء العرب  المتفرجين والذين وقف معظمهم مع الحصار وقوى الشر والعدوان  :

   الناقة ..

    ***

 داخلة ٌ في سُم خياط ْ

خارجة ٌ من سُم خياط ْ

طالعة ٌ في أولى صفحات جرائدنا

 تدهمنا في غرف النومِ،

و في أدراج الكتْبِ،

و أدراج الأحزانْ

هذي الناقة ُ، من عصر ثمود ٍ للآن ْ

تتلوّى خلق موائدنا،

ترغو في داخلنا،

تُغرينا

 تغري سكاكين قبائلنا …

بالذبحْ.

تكشف لنا القراءة الاولى للنص عن قضيتين مهمتين، تتمثل الأولى في قدرة هذه الناقة على الاجتياح والتغلغل بالإغراء والإغواء وإشاعة الفتنة، وتتمثل الثانية بمعاناة الإنسان بشكل عام من فعل هذه الناقة، تلك المعاناة التي تستمد أبعادها من النتائج السلبية المنبثقة عن القضية الأولى، ويتضافر المعطيان ليشكلا المحنة الإنسانية التي تشتد ضراوتها اليوم في وطن الشاعرة وفي زمنها بالذات.

إن هذا النص من النصوص المكتوبة في عصر أحاطت به الأطماع و الأحقاد، وهيمنت عليه الحروب وسطوة قوى الشر الخارجية المعادية ليس للأمة العربية حسب ،بل وللإنسانية جمعاء، فجاء محملا بكل تلك الأعباء التي أرهقت الإنسان وأحاطت حياته بما وقع عليه من ظلم بشكل خاص، إذ عانى العراق في تلك الفترة وما يزال محنة استنزقت جميع طاقاته على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، متمثلة بحصار دام – الى ذلك الوقت – ما يقرب من السبعة أعوام، سُحقت فيها معالم الحياة بكل توجهاتها. فجاء هذا النص برموزه  وأسمائه وأفعاله وجمله وصيغه معبرا عن تلك المحنة وأبعادها القاسية.

إن العنوان (الناقة) الذي كان يكتنز في الشعر الجاهلي بدلالاتٍ رمزية لا حصر لهاـ دلالات تشتغل كلها في حقل الإيجاب من قوة وصبر وصلابة وإصرار وحماية وأمومة وقدرة على العبور، نجده يتحول في القرآن الكريم إلى سؤال كبير أمتُحن به الإنسان ولم يهتدِ لصميم الحكمة الكامنة وراءه، فكان أن ذهب هو ضحية جهله مأخوذا بعذاب المحنة عبر رمزية الامتحان، والفتنة والإغواء المستمدة من مرجعيات دينية وتاريخية تحيلنا على ناقة النبي صالح( التي ورد ذكرها في سور عديدة منها في قوله تعالى :

– (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الأعراف : 73 )

– (وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ) (هود : 64 )

– (قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ) (الشعراء :  155   156  157)

فالناقة في كل السياقات القرآنية وردت فتنة للقوم عقاباً على عصيانهم وبعدهم عن الامتثال للأوامر:

– (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ) (القمر : 27 )

– (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا َقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) (الشمس : 11 ? 12 ? 13)

فأفعال الطلب في الآيات صريحة واضحة تحمل في دلالتها الأمر والنهي بشدة..اعبدوا، ذروها، لا تمسوها // فذروها ، لا تمسوها // وبالتحذير والإغراء ناقة الله وسقياها //  ولا تمسّوها //

 هذه الآيات في جميع السياقات التي وردت فيها تؤكد أنّ حضورالناقة في النص القرآني كان حضورَابتلاءٍ ومحنة، وهي تحكي قرآنياً وتاريخياً قصة قوم صالح (ثمود) الذين طلبوا آية فاخرج الله سبحانه لهم الناقة من الحجر الصلد وامتحنهم بها،إذ أمرهم على لسان نبيهم أن لا يمسوها بسوء ولا يضربوها ولا يشاركوها شرب الماء في الأوقات المخصصة لشربها، غير انهم عتوا عن امر ربهم وعصوا أوامره فانزل عذابه بهم.

لقد تغلغلت رمزية العنوان الى دلالات النص مؤشرة ابعاد المحنة التي غدت متجذرة في أعماق النفس الإنسانية و قارة فيها.وعليه فإن الناقة هنا جاءت رمزَ إغراءٍ للوقوع في الخطيئة امتحاناً للقوم بعد التنبيه مرات عديدة، وابتدأت الشاعرة القصيدة بتناص قراني آخر في السطرين الأول والثاني بقولها :

 (داخلةٌ في سم خياط

خارجةٌ من سم خياط)،

إن حذف المبتدأ هنا تأكيدٌ لحضوره الذي لا يستقيم التشكيل إلا به، وكون الخبر بصيغة اسم الفاعل داخلة وخارجة دليلٌ على فاعليتها الدائمة وحركيتها المستمدة من ذلك الامتحان الذي تحول إلى محنة أليمة، فقد جاء التناص هنا – تحويلياً، عمل على تحويل دلالة الناقة من صورتها وفعلها في النص القراني إلى فعل معاصر في النص الشعري حين باتت تتحول بأسطرة واضحة بين صفحات الجرائد وغرف النوم والكتب والأدراج، فهي إذن ناقة جديدة مؤسطَرة تمتلك إمكانيات خارقة وسحرية من خلال قدرتها –وهي بتلك الضخامة – على الاختراق والاقتحام والعبور وهذا ما أكدته نظرية التناص كونه : ” تشرباً و تحويلاً لنصوص أخرى ” فالنص ألقراني يؤكد استحالة دخول الكافرين الجنة، كاستحالة دخول الجمل في سم الخياط و ذلك بقوله تعالى :

“: إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تُفتّح لهم أبوابُ السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجملُ في سَم الخياط ” (الأعراف / 40) وسواءٌ أكان المقصود بالجمل الحيوان الضخم الشديد المعروف، أو الحبل الشديد القوي الذي تُربط به السفن على السواحل، ومن المستحيل دخوله في خرم الإبرة حتى لو كانت كبيرة، فإن المعنى واحد وهو استحالة دخول هؤلاء العاصين لأمر الله الجنة..

 بينما الناقة في النص الشعري تمتلك قدرة خارقة على الدخول والخروج من هذا السم، الأمر الذي يثير التساؤل والحيرة والاستفزاز والدهشة عن مصدر تلك المقدرة الأسطورية الخارقة فالشاعرة – إذن – وظفت رمز الناقة للتعبير عن همها و حيرتها من قدرة العدو// المحنة وشقاق شعبها على فرض سطوة التمزق والنزاعات وهيمنةعوامل السلب دون أي رادع يحدُّ من إمكانيات هذه السطوة التي غدت تغتالنا وتحتل حياتنا مجتاحة أدق تفاصيلها، والتي نجدها في الرموزالفاعلة التي وظفتها الشاعرة بقولها :

 1- طالعة في أولى صفحات جرائدنا ـ تقتحم حياتنا الخاصة والأدبية و الثقافية والعامة بصورة شاملة.

 2-  تدهمنا في غرف النوم .

3-  و في أدراج الكُتْبِ.

 4-  وأدراج الأحزان

 5-  تتلوى خلف موائدنا

 6-  ترغو في داخلنا

 7-  تغرينا..

8- تغري سكاكينَ قبائلنا بالذبح

 وتوظيف الشاعرة لضمير الجمع (نا) – الذي كثر وروده في القصيدة – فيه تأكيدٌ على استشراء وتغلغل الفتنة – تلك – في نفوس الجماعة كلها / الأمة / العالم اجمع، الأمر الذي أدى إلى التمزق والتفكك / قبائل متفرقة متناحرة، وهذا ما دل عليه قولها : تغري سكاكين قبائلنا ـ بالذبح، بكل ما تشيعه كلمة الذبح من بشاعة وقسوة وموت.إن النص يدين التحولات السلوكية السلبية الماضية إلى العصر الحاضر بدل إدانتها والتصدي لأي إشارة تشي بها وتعمل على استعادتها

مرجعيات دينية

أما عن تخصيص الشاعرة للناقة بقولها، هذي الناقة : ففيه إحالة على مرجعياتها الدينية – كما اشرنا في الآيات الكريمة ومرجعياتها التاريخية، المتمثلة بقوم ثمود و قصتهم مع الناقة وقولها ” للآن ” فيه اختزال لأزمات وأزمان عديدة للدلالة على استمرارية فعل هذه الفتنة من الزمن الماضي إلى الحاضر والمستقبل المنظور.

 كما دل على تلك الاستمرارية أيضا – توظيف الشاعرة المتقن للأسماء    والأفعال في القصيدة ورجحان نسبة الأفعال ولاسيما المضارعة فيها على الأسماء مما أكد تلك الاستمرارية وذلك في قولها : (تدهمنا – ترغو – تغرينا – تغري). لان الفتنة المعاصرة صارت تلبس كل يوم لباسا جديدا وإن كانت المنطلقات واحدة.

 إن توظيف صيغ أسماء الفاعل جاء حاملا في طياته دلالة تلك الفاعلية المتواصلة مع الشر في قولها (داخلة، خارجة، طالعة) لما تثيره – هذه الأسماء – في تصورنا من قدرة على دوام الحركية التي اتسمت بها تلك الناقة واستمرارها ما بين الدخول والخروج والطلوع والتغلغل بخفاء وما إلى ذلك من التصورات الأخرى.

إن النص جاء محملا برؤى حدسية استشرفت بها الذات الشاعرة التي خبرت في دواخلها الشفيفة أبعاد استمرار تلك الفتنة ونتائجها من خلال تأمل واقعها، فكتبت ما سيؤول اليه هذا الواقع المطرد من تدهورٍ عامٍ وشامل في الوطن العربي، يؤكد حدسها ما جرى في العراق وما حل به بشكل خاص وهذا ما نجده في الوضع الراهن الذي وقعت فيه الفتنة وعمت المحنة حتى هيمنت دلالات هذه الناقة التي تحولت تحولا خطيرا من دلالة القوة والصبر والصلادة والأمومة والحماية، ومن كونها رمزا للتحول والعبور والقوة والتماسك من الجاهلية يوم كانت سفينة كل رحلة وعبور في الشعر العربي القديم إلى رمز جديد يفرز دلالات مغايرة، ولعل ذلك تابع لمسيرة التغير الشامل الذي طرأ على منظومة القيم التي اتسمت الى حد كبير بالاستقرار والانسجام في الماضي، بينما صار كل شيء اليوم متحولا متبدلا يصعب الوقوف على حدوده حتى يمكن لنا القول إن هذه الناقة المعاصرة غدت رمزاً شخصيا للشاعرة إذ تمكنت من اقتلاعها من منبتها الأصلي في الشعر القديم وإعطائها دلالة مضادة في النص الجديد الذي استمد منطلقه الشعري من الموقف القرآني الذي كرس ناقة ثمود ابتلاء وفتنة لقوم النبي صالح بالرغم من كونها آية إعجاز، و ما آلت بهم المحنة الى عذاب ومعاناة تنسجم وما آل اليه حال العراق والعراقيين من شيوع المرارة  والاضطراب والتمزق وانواع الألم والمكابدة..

مشاركة