تحليل حاسبينك للملحن طالب القره غولي أغاني راسخة في ذاكرة الأجيال تقاوم تمرد الشباب

حسين سرمك حسن وفائز الحدّاد

من المهم القول ابتداء إن المبدع الكبير “طالب القره غولي” هو واحد من أهم ، إن لم يكن الأهم، الملحنين الذين حدّدوا الملامح الأساسية للأغنية العراقية الحديثة. وجعل الأغنية العراقية مكونا من مكونات الوجدان العراقي ، استقرت في عمق الشخصية العراقية. ولا يمكن على الإطلاق تجاوز إبداعه ممثلا – على سبيل المثال لا الحصر- بـ : روحي ، ليل البنفسج ، يا بو حـçايات البريسم، يم داركم ، يا حبيبي ، يـêلون باçر تمر ، يا ليل ، هذا آنه ، يا خوخ يا زردالي ، إتنه إتنه ، çذّاب ، وغيرها العشرات من أروع وأعذب الألحان المضمخة بالحزن العراقي الآسر . ومن قمم إبداع طالب ما نسمّيه “مارش الحب” وهي أغنية “يا ناس حبّوا” التي كتبها الشاعر “زهير الدجيلي” .. وأغنية “حاسبينك” التي سنتوقف عندها هنا ، لنتوقف لاحقا عند الأغنية الأولى. كتب كلمات أغنية “حاسبينك” الشاعر الراحل زامل سعيد فتاح ، رفيق طالب منذ مسيرتهما في مدينة الناصرية. وبودنا التذكير هنا أن طالب في بداياته المبكرة قد لحن واحدت من أجمل الأغاني التي تتغزل بمدينة عراقية كتبها زامل أيضا وهي “يا لناصرية تضمين طيفي وخيالي .. ألهج وأغني بكل حين باسمج الغالي”. وقد كتب زامل العديد من النصوص التي لحنها طالب مشكلين ثنائيا منسجما ومتفاهما مثل : اعزاز ، يا خوخ ، يا ليل ، يا لناصرية ، هذا آنه وهذاك انته ، جذاب ، إتنه إتنه … وغيرها .. ولكن على رأسها : حاسبينك التي وصفها أحد الشعراء العراقيين في شطحة جميلة أنها النشيد الوطني العراقي:

حاسبينك مثل رمش عيونه بعشرتك لينه إنت كل العمر .. كل العمر .. وايامه وسنينه

وداعتك ذاك انته غالي

حبيّب وسلوة حجينه

وتتألف المنظومة اللحنية لهذه الأغنية من مقامات متعددة ، فهي من الأغاني ذات الثراء المقامي العالي، حيث تبدأ بمقام (الرست): حاسبينك .. مثل رمش عيونه .. وتنتهي بمقام (السوزناك) : وداعتك ذاك انت غالي .. وهو جنس حجاز ينتهي قراراً بمقام الرست أيضا.

أما المقطع الأول الذي يبدأ بـ :

إنت روحي .. روحي جم حب تدري بيها حبها للـكاع وغرسها .. ومايها ومن مشى عليها

فالمقام مختلف هنا فهو مقام (السيـكاه) ، والهزّام .. ثم ينتقل إلى جنس من مقام البيات :

إنت علمت الشفايف بالغنه تصوغ الـكـلايد

وإنت خلّيت السوالف نابعه بروحي قصايد

ثم ينتقل في نهاية هذا المقطع إلى جنس الحجاز ثانية (السوزناك) ليعود إلى قرار الأغنية : عاشـêين احنه وهوينه .. وداعتك ذاك انته غالي .. حبيب وسلوة حـçينه .. حاسبينك .. إلخ .. وفق التسلسل اللحني الذي أشرنا إليه قبل قليل . يحصل تحوّل في المقطع الثالث، حيث يتحول الإيقاع الهاديء المديد إلى إيقاع راقص سريع نسبيا على مقام (البيات) ، يفتتحه الملحن بحركة مفرحة ورخيمة لآلة الكيتار:

من هويتك.. لمت روحي الماهوت بسنين زغري

من لـكيتك .. روحي صارت نذر لاهل الهوى العذري

يا غرامك .. مثل طعمه روحي ما شافت سعاده

الدنيه حدّ الشوف .. حلوه حلوه.. والـكلب ينثر وداده

ثم يتهادى اللحن إلى “قرار” أعمق .. إلى جنس مقام الشوري (بيات – حجاز) :

عيونكم تبرالي نجمه تدور بيّه شما تريد

طافت بروحي حنان وقرّبت مني البعيد

الدنيه حلوه .. الناس حلوه ..

والوطن باسم سعيد

أو :

والوطن ماض بعيد (كما يغنيها فائز – وأنا معه – على العود عندما نغرق بحنين بغداد)

ليأخذ بعد ذلك المسار الأولي في مقام السوزناك من جديد .. ويعود ليقفل بمقام الرست ثانية : وداعتك ذاك انته غالي .. حاسبينك .. إنت كل العمر .. وايامه وسنينه ..

وسيلاحظ المتلقي أن الكلمة المفتاحية (وفي أغلب أغاني طالب هناك كلمات مفتاحية تتسيد من  البداية إلى النهاية هي في الغالب عنوان الاغنية : اعزاز، يا ليل ، يا خوخ … إلخ) هي مفردة : حاسبينك .. وهي تحمل معنى النداء وهو – أي النداء – السمة الغالبة على أكثر النصوص التي لحنها طالب خصوصا التي كتبها زامل سعيد فتاح.

تبقى إشارة مهمة إلى إداء الفنان الرائع (فاضل عواد) الذي قدم الأغنية باقتداره المعروف متحكما بطبقات صوته منغما تردداته .. ومنسجما مع الكلمة التي كان يلفظها بطلاوه ودقة .. لقد أثرى فاضل المكتبة الغنائية العراقية بأعذب الأغاني التي، وعلى الرغم من مرور أكثر من خمسة وثلاثين عاما على ظهور بعضها، إلا أنها مازالت تلاعب نفوسنا وتسحرنا، ومنها : لا خبر، لو يمنعوني هلي ، يا نجوم صيرن كلايد ، عادوا الغيّاب، إتنه إتنه، يا بو حـجايات البريسم ، على الله ويا زماني ، كلمة حبيبي انتهت ، يا لجمالك سومري ، أشكر أبو شامة .. وغيرها الكثير.