تحديات الواقع ومتطلبات المستقبل –  حسين الزيادي

 

 

الجامعات العراقية والتنمية

تحديات الواقع ومتطلبات المستقبل –  حسين الزيادي

ما تزال الجامعات في الدول النامية عاجزة عن بناء علاقة تفاعلية قوية مع مجتمعها وهي تكاد تعيش في عزلة عن مجتمعها المحلي، ولا تظهر الاهتمام الكافي لأحداث المجتمع ومشاكله وقضاياه ، كما ان مؤسسات الدولة ودوائرها لا تتجه صوب تفعيل العلاقة مع الجامعة بل تتركها تعيش في دوامة التنظير مبتعدة عن التطبيق الفعلي والحقيقي، وبذلك أصبحت الجامعات في تلك الدول مجرد مؤسسات لمنح الشهادات وتخريج أعداد هائلة من الطلبة، وهي مؤسسات تكاد تكون منغلقة على نفسها تمثل عبئا إضافيا على الميزانية العامة للدولة لانها جامعات غير منتجة، ومازالت البحوث التطبيقية لباحثيها أسيرة الرفوف،  وهذا النموذج يمثل الحالة الأسوأ الذي يمكن ان تكون عليها الجامعة.

لقد أصبحت عملية توثيق العلاقة بين الجامعة والمجتمع مطلب أساسي للتخطيط السليم والتنمية، حيث يعد دخول الجامعة الى معترك الحياة ، البداية الحقيقية على الطريق السليم لإحداث النمو الشامل والتنمية الحقيقية والعلمية التي تهدف اليها المجتمعات فضلاً عن كونها الحاضنة الرئيسة للبحث العلمي، وتعد الجامعة المحرك الرئيس للتنمية ومصادر المعارف، لأنها الأداة الفعالة لنقل الخبرة الثقافية والتقنية التي أنتجتها الإنسانية عبر التاريخ الطويل، ويجب ان تضـع مؤسسات التعليم العالي نصـب عينيهـا مواجهـة التحديـات التـي تواجهها، والمشاركة فـي تحقيـق أهـداف الدولـة وتوجهاتهـا التنمويـة عبـر خططهـا الاستراتيجية.    اما في الدول المتقدمة فتمتاز الجامعات بتأدية وظائف متعددة ، فهي مركز إشعاع علمي وثقافي وحضاري ومعين لا ينضب من البحوث التطبيقية ، وقد ساهمت في وضع الحلول المناسبة للعديد من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، فضلا عن مسالة التعاقد مع القطاع الخاص في القيام بالأبحاث اللازمة التي تهدف الى تنمية القطاعات الإنتاجية المختلفة ، وتركز البحوث على المشكلات العاجلة والملحة ، على اعتبار ان البحث العلمي ركناً أساسيا ورئيساً من وظائف الجامعة ، كما نجد ان هذه الجامعات تقدم النصح والمشــــــــورة الى متخذي القرار والساسة ليصبح القرار ذو صبغة جماهيرية تتحقق منه أعظم فائدة .لقد أصبحت الجامعات في العالم المتقدم مؤسسات إنتاجية تقدم العطاء والمعرفة في آن واحد ، ولا يوظف شخص ما في دائرة او مؤسسة الا في ضوء الحاجة الفعلية له في سوق العمل وبشــــــــــــــرط ان تكون مردوداته الاقتصادية وإنتـــــــــاجه الفعلي أعلى من قيمة الأجر الذي يستلمه شهريا .

   تأتي الجامعات العراقية في مراتب متأخرة من حيث اندماجها وقدرتها على تنمية مجتمعاتها المحلية، ومن ضمن أسباب هذا التأخر عدم توظيف رسالة الجامعات البحثية توظيفاً فاعلاً وإيجابياً ، فالجامعات هي الوعاء الأمثل للأبحاث الأكاديمية والتطبيقية الجادة التي يقوم بها المتخصصون في المجالات العلمية المختلفة ، لذا فالدول المتقدمة صناعياً تضع في مقدمة أولوياتها نقل التقنية من مراكز البحوث في الجامـعات إلى القطاعات التنموية الصناعية والزراعية والتجارية ، وإنشاء وسائل وسبل فعالة لتحفيز التعاون بين تلك القطاعـــــــات والجامعات ، وبالرغم من أن الجامعات العراقية أدركت أهمية تسخـــــــــير نتائج البحث العلمي في التنمية الاقتــــصادية والاجتماعية ، إلا أن النجاحـــات التي تحققت في هذا المجال مازالت محدودة جدا .

لقد انتهى العصر الذي كانت الجامعة فيه تقتصر على البحوث الفلسفية والنظرية وأصبحت مسؤولة عن كافة البحوث العلمية والتطبيقية ولم تعد وظيفتا التعليم والبحث العلمي مع ما أصابهما من تطور كافيتين لعمل الجامعة بل أصبحت مسؤولة عن وظيفة ثالثة تكاد تكون من أخطر وظائفها وهي الوظيفة المعنية بتنمية المجتمع ، ولاضطلاع الجامعة بهذه الوظيفة اصبحت كليات ومعاهد التعليم العالي والجامعي مطالبة بالقيام بدراسات وأنشطة غير تقليدية تسهم في رفع الكفاية المهنية والثقافية لفئات الشعب وشرائحه المختلفة بالتعاون مع الأجهزة والمؤسسات المعنية بمثل تلك الشؤون، وقد عُني الفكر الجامعي المعاصر بأهمية انفتاح الجامعة على المجتمع والبيئة للإسهام في حل مشكلاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية مما أدى إلى ظهور جامعات – تترجم – في أهدافها وبنيتها وأدوارها – هذا الاتجاه وتسمى هذه الجامعات بـ” بجامعات البيئة ” ، وهي صيغة حديثة تستهدف ربط الجامعات بمجتمعاتها على نحو أكثر فاعلية ، والمتفحص لبرامج الدراسة في هذه الجامعات يجد أنها تقدم فرصاً متنوعة للطلاب لدراسة طبيعة البيئة الفيزيقية والاجتماعية والثقافية والفكرية ، علاوة على نظم الدراسة التقليدية ، بهدف التعرف العلمي إلى البيئة والإسهام في حل مشكلاتها .

ثورة عملية

إن الثورة العلمية التي يعيشها العالم اليوم تضع أمام الجامعات مشكلات جديدة تتصل بكيفية استخدام البحوث العلمية في الجامعات بصورة أفضل تكفل وفاءها بحاجات المجتمع بصورة أفضل .

ونظراً لأهمية التفاعل الإيجابي الجاد بين الجامعات ومؤسسات المجتمـع المختلفة لتحقيق النمو الشامل المنشود ، لذا نجد بأنه آن الأوان حالياً لكي تولى الجامعات الأهمية القصوى لتوظيف نتائج البحث في الدراسات العليا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، ومن هذا المنطلق تكمن أهمية البحث في الآتي:

  • أن توضيح أهمية رسالة الجامعات في مجال البحوث العلمية التطبيقية لخدمة القطاعات الانتاجية مما يؤدي إلى زيادة حرص المسؤولين في الجامعات على دعم البحوث العلمية التطبـــــيقية مادياً ومعنوياً .
  • أن تخصيص البحوث العلمية الجامعية في الدراسات العليا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية يسهم في وضع استراتيجية للتفاعل الإيجابي الفعال بين قطاعات التنمية المختلفة والجامعات.
  • أن تحديد العراقيل التي تحول دون نسج روابط مثمرة وهادفة بين الجامعات وقطاعات التنمية المختلفة واقتراح أساليب للتغلب على هذه العراقيل، يسهم في مساعدة الجامعات في التغلب على المشكلات التي تعترض عملية الاستفادة من الأبحاث العلمية الجامعية في الدراسات العليا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

جامعات عراقية

أن الجامعات العراقية وعلى وتيرة معظم الجامعات في الدول النامية تركز على عملية التدريس أكثر من تركيزها على البحث العلمي بينما الدول المتقدمة ترصد الميزانيات الضخمة للبحوث العلمية لمعرفتها بالعوائد الضخمة التي تغطي أضعاف ما أنفقته، فضلاُ عن افتقار أغلب المؤسسات العلمية والجامعات العربية إلى أجهزة متخصصة بتسويق الأبحاث ونتائجها وفق خطة اقتصادية إلى الجهات المستفيدة مما يدل على ضعف التنسيق بين مراكز البحوث والقطاع الخاص. كذلك غياب المؤسسات الاستشارية المختصة بتوظيف نتائج البحث العلمي وتمويله من أجل تحويل تلك النتائج إلى مشروعات اقتصادية مربحة، إضافة إلى ضعف القطاعات الاقتصادية المنتجة واعتمادها على شراء المعرفة.

    ومن ناحية أخرى فان المراكز البحثية والجامعات والوحدات البحثية تعاني من مشكلات عديدة من بينها انشعال عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس في العمل الإضافي، وقلة عدد الباحثين والمختصين، وندرة تكوين فرق بحثية متكاملة ، فالبحوث التي تجري بين جدرانها من جانب أساتذتها إنما هي بحوث فردية لأساتذة يرومون من بحثهم الترقية العلمية لااكثر، وهي بحوث أضعف من أن تحل مشكلات المجتمع أو تعمل على تنميته.

كما تعاني المراكز البحثية من الانفصال شبه الكامل بينها وبين المجالات التطبيقية خارج أسوار الجامعة ، وكذلك ابتعاد الجامعات عن إجراء البحوث المساهمة في حل المشكلات الوطنية، إضافة إلى عدم مشاركة المؤسسات الكبرى والشركات والأثرياء من الأفراد في نفقات البحث العلمي. تعاني الجامعات العراقية بشكل عام من أزمة تتمثل في ضعف البنى البحثية في مجالات البحث العلمي وهذا ما ينعكس سلبا على كفاءة وانتاجية تلك الجامعات في ذلك المجال، وهو امر تشترك فيه الجامعات العراقية مع الجامعات العربية، اذ تشير الدراسات الى ان انتاجية عشرة باحثين عرب توازي انتاجية باحث واحد في المتوسط الدولي، ويعد متوسط الباحثين الى عدد السكان من المؤشرات التي تستخدم للإشارة الى اهتمام الحكومات بالبحث العلمي، في العالم العربي هنالك حوالي 380 باحث لكل مليون شخص عربي ، بوصف حاملي شهادات الدكتوراه والمدرسين في الجامعات باحثين، بينما تبلغ تلك النسبة حوالي 4000 باحث لكل مليون انسان في الولايات المتحدة الامريكية، ويبلغ هذا المؤشر حوالي 499 باحث لكل مليون شخص في الدول النامية و 3598 باحث لكل مليون شخص في الدول المتقدمة. أي ان نسبة الباحثين العرب الى عدد السكان هم الادنى في كل دول العالم.

ان أمام الجامعة مسؤوليات خطيرة ومشكلات مستعصية ينبغي ان تقوم بها ، وهي المسؤولة عن ايجاد العلاج المناسب لها ،  فلابد للجامعة ان تعمل على تحفيز القدرات الكامنة فى الإنسان من ناحية التفكير والابتكار، لانها الاقدر على بناء الشخصية وغرس القيم وتنمية المواهب وهي الاقدر على الاتصال بالمجتمع الخارجي وتربية الجيل وتهذيب النشأ فهي مصنع القيادات والطبقة المفكرة بل والمخططة . وتأسيسا على ما تقدم فاننا نرى ان اتباع الخطوات الاتية سيسهم في ادماج الجامعة بمجتمعها المحلي وبالتالي زيادة قدرتها على تنمية المجتمع ومعالجة مشاكله:-

  • يجب ان تكون جامعاتنا منتجة ، وتسهم مساهمة فعلية في اقتراح القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتوصية به بوصفه قراراً اكاديمياً نابعا من دراسة علمية، وعليها ان لم تجد الاذن الصاغية والموقف المشجع من مؤسسات ودوائر الدولة ان تبادر بكل قوتها وامكاناتها وتفرض نفسها للدخول في معترك الحياة والمشاركة الفعلية .
  • يجب ان يكون هناك ارتباط وثيق بين الجامعات والمراكز والوحدات البحثية ، لان وظيفة الأخيرة خالصة للبحث العلمي ، وهذا يتطلب من الجامعة توفير الدعم المالي والمعنوي للمراكز والوحدات البحثية وتوفير الامكانات اللازمة للبحوث والدراسات التطبيقية.
  • يجب ان تكون هناك انتقاله من المجال التنظيري المحض الى المجال التطبيقي والنزول الى المجتمع لملامسة مشـاكله واحتياجاته .
  • التركيز فى البحوث العلمية والرسائل والاطاريح العلمية على مشاكل المجتمع والجوانب التطبيقية عن طريق استيعاب حاجات المجتمع.
  • تأسيس حالة من الثقة المتبادلة بين الجامعة والمجتمع وحاجة كل منهما للآخر، فضلا عن ضرورة وجود قنوات اتصال بين القيادة السياسية فى المجتمع والقيادات الادارية في الجامعة .
  • ايجاد حالة من الوعى الجماهيري الذي يؤكد على حاجة المجتمع الى الجامعة ، وانها الضمان الوحيد لصناعة القرار السليم ، كما ان على الجامعة ان تعي ان المجتمع هو الضمان الأول لوجودها.
  • على الجامعة ان تقوم بنشر افكارها ومبادئها من خلال تزويد مؤسسات الدولة ودوائر المجتمع بنسخ من الرسائل والأطاريح والبحوث العلمية .
  • تعزيز وتشجيع الجوانب الإنتاجية في بعض الاقسام ، ومنها الأقسام الزراعية والطبية والهندسية والاستشارية ، لكي يكون للجامعة ميزانيتها المالية المستقلة .
  • إيجاد حالة تفاعلية وتأسيس واقع من الثقة المتبادلة بين الجامعة والمجتمع بما يسهم بتنمية واقع المجتمع من خلال استضافة رموز المجتمع وأصحاب القرار في المؤتمرات والندوات والحلقات النقاشية التي تعقدها الجامعة ، أي ان على الجامعة ان تكون هي الرائدة والمبادرة في هذا المجال بحكم فكرها الشمولي الناضج .  كما ان على المجتمع ان يقوم بتكريم العلماء والباحثين والطلبة المتفوقين بما يشكل  حافزا لمزيد من البذل والعطاء واستقلال البيئة المحلية . فضلا عن تقديم التبرعات والمســــاعدات للجامعة  .
  • على الجامعة ان تتوسع في عقد المؤتمرات والندوات المتعلقة بإيجاد علاقات تفاعلية بينها وبين المجتمع ، والوقوف على المعوقات التي تقف حائلا امام مساهمة الجامعة وتوثيق علاقتها بالمجتمع ووضع الحلول المناسبة.

مشاركة