تحت جسد الذكورة

278

تحت جسد الذكورة
مريم محمد الغزاوي
وقتها كانت ترمقني بنظرات ظلت غائرة في أعماق الجدار الذي أتكئ عليه. لايدت بيتها ساحته يحيطها الياسمين والفل ورائحته كزمن سقطت عقاربه في جنح الظلام.
تلامس بذكاء أو ربما دهاء إذا شئت حنين أمي وتقنعها بجودة بضاعتها وسعرها الخاص، لمعزتها، شيء لم يعد غريبا اليوم… رهينة تلك الطفولة تحت جسد الذكورة.
وجه الشارع القديم يشبه جبهة الشيخ الذي أمضى شبابه في دكان صغير، يمتهن النظر لنضرة البنات من زبائنه، ويترقب إيناعهن،مثلما يترقب الفلاح موسم الصيف وبيادر القمح.كان كلما تأكد من فتاة أنها أينعت جلس لوالدها مخلصا يقرأ له من كتبه صفحات الوأد يقنعه أن يلزمها البيت كي تتزوج و المدرسة تتركها،إنه الوأد ولا يشبه وأد الجسد في تسميته فبعد أن وأد الإسلام فكرة وأد البنات تلونت الفكرة بصبغة أعمق وهي وأد الروح والعقل على مراحل ممتدة طيلة عمر الأنثى.
لم أكن أعتاد تلك الطريق في ذهابي كل يوم إلى مدرستي…لكنني متى قررت ارتيادها تتقد داخلي نشوة انتصار حدث فيما بعد، ذاك الدكان هو مجرد باب مغلف بالصدأ لم يحدث وأن رأيته مفتوحا ولو لبرهة فالزمن حكم عليه أن يُغلق حزناً على بنات المنزل الذي يكون الدكان جزءا لا يتجزأ منه وأظنه الآن يرد على طرقعات أحذيتهم وهم يحيونه كل صباح ذهابا وإيابا إلى الجامعة. ..تغير الوقت فهل اتبعته المرحلة.
ويبقى الأمس وتبقى معه عيوني إلى اليوم وهي لم تع بعد خافقي، يوم من عمر، يمضى كحلم منسي أكتبه بحسي دون تفاصيل،فلا أذكر منه سوى نسمة الصبح التي ادخرتني بين قوسين أنثى وشيء ما يشبه الطفولة.إنني لم أنس، وأشعر بطفولة الحقيقة ، فلعينيها بريق يفسر الواقع وصورتي فيه، ولا يمكن لأنثى أن تنسى طفولتها، فهي أول الوجع وبداية الغربة وملخص للحقيقة.
ونكبر وتكبر معنا تاء التأنيث الساكنة نحويا والمتحركة على ألسنة من بذروا بذرة مقتهم للأنثى وخلصت لنا إرثا نحصده إلى اليوم ودون أن ينكره أو يجحده أي أخ. ولأنني لا أعي مما كان سوى قفطاني الجديد وطريق مدرستي دست ذاكرتي مشاعر ورؤى، لتحضرني الآن وأنا أسرد لكم لحظة مختزلة تحمل ذاكرة الفكر بين أصابع كلمات.
لقد كانت ولازالت الأنثى حتى من وجهة نظر الأنثى نفسها العدم الموجود، صنعه الرجل عندما كان يصنع حتى الإله الذي يعبده وأحبت هي وجودها في هذا العدم لتتقرب للرجل بهذه المحبة فإرضاؤه يلزمها أن تظهر له محبة ما يحب ولو ظلماً وكُره ما يكره ولو نفاقاً وحينما ظهر الإسلام لم يعد الرجل يصنع إلهه ولكنها في حبها بإخلاص استمرت..

/6/2012 Issue 4227 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4227 التاريخ 16»6»2012
AZP09

مشاركة