تبادل الحواس أنموذجاً

تبادل الحواس أنموذجاً

عمل المخيال في الشعر العربي

داود سلمان الشويلي

*”عرفت ان الاذن هي التي ترى الالوان،الاذن هي التي تميز بين الفنان المبدع والفنان الملقب،الاذن هي التي تصنع الشهرة،الشهرة ولاغير،باستثناء بعض العيون التي تصنع الجمال،فلقد اصبحت اصما،لااعتد بغير العيون التي تصنع الجمال،فهل ان الادراك المتاخر مرده الذكاء،الجواب عند جان بيا جيه”.- ادراك متاخر،الفنان العراقي حميد ياسين –

“لا فن دون الصور المجازية، وخاصة لا شعر دونها”–الكسندر بوتبينا-

تبادل الحواس،او تراسلها،فن بلاغي يطمح الى جعل دهشة الشعر اكثر مقبولية عند المتلقي،وذلك من خلال تغيير وظيفة حاسة ما بوظيفة حاسة اخرى،مثل:ان تسمع بعينيك،او بلسانك،او بيدك،و ترى بلسانك،او فمك،او يدك،و تتذوق بعينيك،او اذنك،او يديك،وهكذا.

لا يمكن من الناحية العملية جعل هذا الامر ممكناً،إذ لا يمكنك في الواقع ان تتحسس اللون بيديك دون ان تراه ماثلا امامك،ولا يمكنك ان تشم رائحة العطر بإذنك،الا انه في الشعر يحدث مثل هذا الامر كثيراً – والى حد ما يحدث ايضا في الكتابات السردية -اذ من خلال ذلك تتشكل الصورة الشعرية،فتتحول المحسوسات الى مشاعر في الذائقة الشعرية للمبدع والمتلقي.

وقد وجد هذا التبادل،او التراسل،في شعركل اللغات،ومنها لغتنا العربية في قصائد الاولين،فكان الشعر ميداناً خصباً في قول مايريدون قوله بهذا الشأن،فاستخدموا الحواس حسب ذائقتهم الشعرية،وحسب تصورات مخيالهم الشعري الخصب الذي ينتج ما لا يمكن انتاجه في الواقع.

يمكن ان نستعمل بعض الحواس للتعبير عما قامت به من افعال غير التي من واجبها القيام به،كما تستعمل حاسة الذوق،وهي من اختصاص اللسان للتعبير عن الالم،في مواطن كثيرة،كما وردت في القرآن:

(ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون).(يونس / 52)

وقد كان لحاسة النظر دور في قتل شاعر.قال الشاعر جرير:

ان العيون التي في طرفها حور/ قتلننا ولم يحيين قتلانا

جعل فعل العيون القتل بسبب ما فيها من حور.

وقال الشاعر بشار بن برد:

أنَّى ولمْ تَرَها تصبو؟ فقلتُ لهم/ إنَّ الفؤادَ يرى مالايرى البصرُ

والفؤاد،اذا اخذناه بمعنى القلب،لا يرى ولا يبصر،واذا اخذناه بمعنى العقل فهو كذلك لا يفعل ذلك لوحده وانما بواسطة اداة النظر،وهي العين.

وقال كذلك يخاطب القوم:

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة/ والأذن تعشق قبل العين أحيانا

والاذن،وحتى الفؤاد،لا يقومان بالعشق،وانما هما طريق اخر لمرور مشاعر،واحاسيس العشق المتأججة فيمن يحب ويهوى.

إذ في العشق نجد الفؤاد يرى،والاذن كذلك،وهما حاستان تقومان بفعل غير الرؤية،ولا الرؤيا.

وقال آخر وهو يجعل العين ناطقة:

العين تبدي الذي في قلب صاحبها/من الشناءة أو حب إذا كانا

إن البغيض لـــــــــه عين يصـــدقها/لايستطيع لما في القلب كتمانا

فالعين تنطق والأفـــــــــــــواه صـــامتة /////////////حتى ترى من صميم القلب تبيانا

وهذا الفعل الذي تقوم به العين هو فعل الافواه التي تتكلم،الا ان مشاعر واحاسيس الشاعر كانت ترى ذلك ممكناً.

فيما يقول تميم بن المعزّ:

لو فتَّشوا جسميَ ما أبصَروا… غير الأسى يَسْرَحُ بَين الثيابْ

والاسى حالة معنوية،شعور يصيب الشخص لا يمكن رؤيته بالعين،وانما يشعر الانسان انه قد تملك روحه،اما التفتيش بين الثياب،وكذلك الابصار،فهو حالة مادية تتم بحاسة مادية،وهي اليد المتحسسة،والعين الناظرة.فقد استعمل الشاعر حاسة بدلا عن الاخرى،أي الحاسة المادية لرؤية ما هو معنوي من المشاعر،وحاسة اللمس والتفتيش لروية ذلك.

الأديب أبو جعفر الأعمى التطيلي يمدح أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين في قصيدة يقول فيها:

كم مقلة ذهبت في الغي مذهبها … بنظرة هي شان او لها شان

رهن باضغاث احلام اذا هجعت …. وربما حلمت والمرء يقظان

فانظر بعقلك ان العين كاذبة … واسمع بحسك ان السمع خوان

الشاعر يطالب الشخص المخاطب في القصيدة ان يستخدم العقل بدلا من العين،والحس بدلا من الاذن.

***

اما في الشعر العربي الحديث،فقد لعب المخيال،بعيدا عن الفنتازية،بإعتباره قوة سحرية خلاقة،في ميلاد الكثير من القصائد،فكان التراسل الفن البلاغي الابداعي الكثير الاستخدام في الشعر الحديث،كما القديم.وقد زخر الشعر العربي الحديث به،وسندرس هذه الظاهرة في قصائد بعض الشعراء الذين ورد في شعرهم مثل هذه الظاهرة.

الشاعر والروائي عبد الخالق الركابي يقول في قصيدته(عمري):

*(( عمري: محضُ نهارٍ

يعقبُ ليلاً،

ومحضُ ليلٍ

يعقبُ نهاراً،

وأنا بينهما

محضُ فمٍ… يتنفّسُ.)).

صحيح انه يمكن التنفس من الفم لمن اغلق انفه،الا ان ذلك التنفس هو تنفس شاذ،وطريق اضطراري،لانه يحدث بسبب غلق الانف لمرض اصاب الجهاز التنفسي،كالاحتقان مثلا،او لسبب اخر،إذ ان التنفس يتم من الانف،لكن الشاعر يرى غير ذلك.

وقال الشاعر رزاق حميد علوان في قصيدة ” الا انت “:

* (( وحدي ألامس أحلامك

ووحدي أجيد فتح مسامامتك

المغلقة بالشمع الأحمرّ

جئت معي

كل أدواتي السرية الكاشفة

لتشهق أنوثتك المنسية والمغمورة)).

الاحلام لا تلامس،لان التلامس يقع على الشيء المادي المحسوس،فيما الاحلام شيء غير مادي وغير محسوس.

وكذلك الانوثة البادية على المرأة هي غير مادية وانما معنوية،اذ انها جماع ما تتصف وتتميزبه المرأة من امور،لهذا لا يمكن استنشاقها.

و قال الشاعر عباس ريسان في قصيدة له:

*(( كلُّ عامٍ وأنا أنا

وأنتِ أنتِ

والاخرون ينصتون لنظراتنا بشغف)).

استخدم الشاعر حاسة السمع بدلا من حاسة البصر،لان في ذلك بلاغة محمودة في نظرات المحبين،كان ان انصت الاخرون لنظرات العاشقين.

اما الشاعر محمد نوري فقد قال في ومضة شعرية له:

*((مضيئة بعطرها

في الصخب الدامي

أيادي العناق)).

والعطر لا يضيء،لان العين لا تراه،وايضا فان الرائحة الزكية لا تضيء بقدر ما تنتشر في الجو،فقد احس الشاعر بمثل هذه الاحاسيس للايدي التي تعانق.

وتقول الشاعرة شذا عسكر في قصيدتها “شذا ظلال”:

*((وشجرة ..

أرى انكسارات ظلالها

على الجدران المتآكلة

ومن ثنايا الشوق

أختلسُ نظرة

تمنحني دفئا

فاتراجعُ

من مد نهر

فاض بالحنين اليه

—————- )).

فقد كانت نظرتها جالبة للدفء،نظرة دافئة،اذ ان حاسة البصر تحسست بالحرارة والدفء،وهذا شأن المحبين الولهين بحبهم.

و تقول الشاعرة زينب الخفاجي في احدى ومضاتها الشعرية:

*((الأوطانُ دماء

والغربةُ نهرُ دمعٍ يسقي السماء

ولهذا يخيطُ البعضُ من الكلامِ أثوابَ الصمتْ))

في هذه الومضة الشعرية تستخدم الشاعرة الفعل”يخيط”لتؤكد ان الكلام يمكن ان نصنع منه اثوابا للصمت،مع العلم لا الصمت يمكن ان يرتدي اثوابا،ولا الكلام يمكن ان نخيطه،الا انه الشعر وفنون بلاغته التي جرّت الشاعرة الى هذا الطريق.

فيما يكتب الشاعر سلام دواي قصيدة نشرها هلى جدار صفحته على الفيسبوك،قال فيها:

*((كان شاعرا صامتا

يكتب بعينين ذابلتين

يجلس فوق صخرة

أمس مات

طارت الصخرة واختفت

كانت أعماله الكاملة

جناحين ونيزك

يرفض ان يسقط في اي مكان)) .

الكتابة لا تتم بالعينين وانما باليدين،وهذه من ابداعات الشعراء.

ويقول الشاعر جميل الغالبي في قصيدة له:

*((كان يرى شجرة

حين اغمض عينيه

وفتح بصيرته

راى غابة

وحين اغمض كلتاهما

وفتح قلبه

لم ير

سوى هالة من النور

يحيطها العدم)).

حاسة البصر، العين، فقط ترى الاشياء من حولها.لا البصيرة ولا القلب هما اللذان يريان.

وبقول الشاعر شلال عنوز في قصيدة ” أنا وأنتِ وهذه السوسنة”:

* (( دعينا نشرب حكايانا شعرا

أنا وأنتِ وهذه السوسنة الناعسة العطر

عندما تشرقين يتبختر الضوء

فألمُّكِ فرحا في معطف المرايا

وأغنيك همسة

تسبح في موج عناق السحر

عندما يجتاح عطرك صبابة النسيم

يحتفل النبض فيحتسيك كأس نشوة

وتعزفك الروح سمفونية من ظمأ

تلهب أنغامها شغاف العشق

فنتوه ..نتوه.. في مداراتها

حتي تعزفنا أنامل الوقت

لحناً يتمرّد عاصفة من هديل)).

فالحكايا والشعرلا يمكن شربهما كالسائل،بل فهمهما في العقل،وكذلك النبض،فأنه لا لايحتسي،والروح لا تعزف شيئا.

وهكذا نجد الشاعر الحديث،وهو يبحث عما يمنح قصيدته بلاغة اكثر صلابة ابداعية،واكثر جمالية،وتنوع في افاق جديدة يرتادها،خاصة شاعر قصيدة النثر،بعد ان غادرت قصيدته الوزن والقافية،فراح يبحث عما يعوضهما بلاغيا واسلوبيا،فكان اسلوب تبادل الحواس،او تراسلها،هو بعض العوض عن ذلك.

ان مثل هذه الطريقة الادبية البحتة لا تكون اداة للمعرفة،أي اننا يمكن ان نعرف الاشياء بواسطتها،وانما تكون اداة للادراك،أي اننا ندرك الاشياء بها،اننا ندرك ما يقوله هؤلاء المبدعون ولا نتعلم منهم،أي لا نعرف الاشياء منهم، بل ندركها بحدسنا.