
تاج الياسمين .. أغنية كنعانية
ذاكرة المكان وجغرافيا الوطن
أشرف قاسم
هي جزء من ثلاثية روائية للكاتبة الفلسطينية بشرى أبو شرار بدأتها ب ” مدن بطعم البارود ” وتبعتها ” قارورة عطر ” ثم جاءت ” تاج الياسمين ” مكملة للثلاثية ، التي تدور أحداثها في سوريا .
يلعب التخييل التاريخي دورًا كبيرًا في أحداث الرواية ومن خلاله تنسج الكاتبة علاقات متشابكة وملتبسة أحيانًا بين شخصياتها ، في محاولة لتأويل الأحداث وفهم الواقع السياسي الذي يمر به الوطن العربي بشكل عام ، والسوري على وجه الخصوص .
تحاول بشرى أبوشرار في روايتها قراءة التاريخ من منظورها الخاص ، دون الاعتماد على الأحكام الجاهزة معتمدة على خيال المبدع الذي يرى الأحداث من زاوية رؤيةٍ مختلفة عن زاوية المؤرخ ، ودون الاعتماد على أحكام مسبقة على هذا التاريخ .
ومن هنا فإن هذه الرواية ليست رواية تاريخية بالمعنى المعروف ولكن التاريخ يتشكل فيها من منظور الوعي والخيال معًا ، بالإضافة إلى كون هذا التاريخ مرجعيةً أولى لأحداثها ، يؤدي وظيفة جمالية ومعرفية .
خطاب انساني
تعتمد الكاتبة في روايتها على خطاب إنساني تؤطره لغتها العذبة التي تقترب كثيرًا من روح الشعر وتتكئ على السرد الدقيق للتفاصيل التي ترسم كل شخصيات الرواية بشفافية وإتقان ، لا يتدخل الخيال في تخليقها إلا بقدرٍ ضئيل فكل شخصيات الرواية حقيقية ومازال أغلبها يعيش بيننا ، ولكن الكاتبة ومن خلال بطلتها ” وردة ” تقدم كل شخصية في قالبها الفني الملائم لملامح تلك الشخصية .
اعتمدت كذلك بشرى أبو شرار على تقنية ” البازل ” أو القطع المتناثرة التي تكون معًا في النهاية شكلًا منسجمًا من أشكال السرد الذي يعتمد على ثيمة القطع والوصل ، ليرسم لنا مأساة سوريا ، ومعاناة الشعب السوري من خلال كتابات أدبائه ومثقفيه ، الذين استعانت بكتاباتهم الكاتبة في سرد تلك المأساة .
من خلال مأساة سوريا الراهنة تستعيد الكاتبة التاريخ السوري من كتابات الأدباء والكتاب السوريين ، ومن خلال ذاكرة المكان وجغرافيا الوطن الجريح :
” هناك حيث البندقية والكمان ، سقطت قذائف الغدر ، أحرقت زوايا من أمكنة حنونة ، أحرقت كتبًا سكنت رفوف مكتبته ، هناك تغتال الصفحات ، الكلمات ، ونزار لا يزال قابضًا على أقلامه وأحباره وحكاياتٍ هي له لم تكتب بعد ، هناك يكبر الموت كائنًا حيًا يتجول فرحًا بقطاف غدره ” ص11
هكذا وعبر هذه اللغة الرقيقة التي تتوالد فيها الدوال وتتسع مدلولاتها ترسم بشرى أبو شرار ألم التفاصيل الموجعة ، والحكايات التي لا تبرح الذاكرة ، والتي تتنقل فيها الكاتبة بين سوريا ” تاج الياسمين “وفلسطين ” الأغنية الكنعانية ” ، في مزج بديع أقرب ما يكون إلى التماهي ، هذا بجانب التأكيد الدائم عبر سطور الرواية على الهوية ، وحضور الواقع الملتبس بإشكالياته المعرفية التي تتشكل على ألسنة شخصياتها :
“حينما أسأل عن أصلي وفصلي ، حسبي ونسبي أجيب مرفوع الرأس ” أنا عربي ” قلب العروبة هي سوريا ، سوريا أنتِ نقش في قلبي ، واسمكِ على لساني أنشودة ، بكِ نفاخر ، أنتِ الكرامة ، الجهاد ، قوة العرب ، حامية الديار ، السد المنيع هو سوريا ، أنا الأب الذي يرنو لأن يتكحل برؤية أبنائه في فلسطين وأشتمّ رائحة القدس ، لن نستسلم ، لن نهادن ، مهما طال الزمن وبهظ الثمن ” ص132
تشكيلات معرفية
ومن هنا فإننا نبحث عن البطل في الرواية بمعناه المعروف لدي كتاب السرد فلا نجده ، وإنما نجد أن المكان /سوريا/ بأسطوريته وتشكلاته المعرفية والفنية هو البطل الحقيقي الذي يتشكل قطعة قطعة عبر صفحات الرواية التي تربو على المائتي صفحة ، والذي تمزج الكاتبة في رسم ملامحه بين الفني والتاريخي بدقة وإتقان من خلال السير الشعبية والحكايات وأقنعة الحكي وأنساقه الفنية المتعددة التي استخدمتها الكاتبة كالسيرة الذاتية والمذكرات والكتابات الأدبية والذكريات ومواقع التواصل وغيرها :
” هنا نرسم ما تبقى من ملامح طفولة غيبتها قوى الظلام ” زهرة ” من روابي ” حماة ” هاجرت قسرًا إلى لبنان ، تفترش بلاط بيت من صقيع الوقت وغربة صارت إليها ، تحدث عروسة تحتضنها ، تدثرها من برد الليل بخرق بالية :
– كنت صغيرة ، زارنا الخوف ، هربنا من بيت جدتي ، صعدنا الجبل ، بكيت لحظة ظننت أنهم تركوني تحت زخات الرصاص ” . ص150
ومن خلال كل هذا تطرح الكاتبة مجموعة من الأسئلة الشائكة حول القهر والظلم ومصائر البشر في ظل هيمنة الحرب المستعرة في كل بقاع الوطن العربي ، وآثارها السيئة كهذا الخوف الذي يترك في نفوس الأطفال عقدًا نفسية وجراحًا لا تندمل وهم يتلمسون خطواتهم الأولى :
” هاتي يدكِ وامسحي عني دمعاتٍ تفلتت من نور كلماتك التي نكأت جراحي المسكونة في أعماقي ولا أفتحها ولا يفتحها أحد لأنها تسكنني بصبرٍ وأناةٍ ، تعيش أعماقي لأنها صنو حياتي التي تتماهى وحياتكِ أنتِ ، لم ندرك إلا الوجع والألم وإن تباينت الأسباب ، الذي هو مؤكد هو الحزن الذي يجمعنا ويعشعش في أعماقنا ” ص165
” تاج الياسمين .. أغنية كنعانية ” رواية تستحق أن تُقرأ بعناية وأن تكون محل اهتمام من نقادنا الكبار .

















